الرأي

فلسطين.. لا تردّد ولا ضلال

صالح عوض
  • 1273
  • 0

مهند.. بهاء.. أشرقت.. نشأت.. الحروب.. ولن يكون أخيرا أمجد.. كل واحد من هؤلاء الشهداء الأعزاء عنوان من عناوين الثورة المندلعة في فلسطين منذ أربعة أشهر متتالية.. ولكل واحد منهم أسلوبه، وأداته، وموقعه، وهم يمنحون الثورة سماتها، وطبيعتها.. إنها ثورة شعب بكل فئاته، ومن كل نجوعه، ومن أجل كل ترابه، ووحدة شعبه..

على مدار قرنٍ كامل وشعب فلسطين يتجلى عطاء في مستوى فلسطين نبلا، وسموا، وفداء جميلا يتنوع حسب المرحلة وما تقتضيه التحديات.. وكلما ازداد حجم المؤامرة انبعثت مقاومته مذهلة مبدعة، وكأنه لا يسمع بالمؤامرات ولا يعرف حجم ما لدى العدو من أسلحة وتكنولوجيا، وكأنه لا يعرف ارتباطات العدو بالأحلاف الإقليمية والدولية..

تعرّض شعب فلسطين لطوفان العدوان وبقيت روحه بلا انكسار أو اهتزاز؛ ففي أيام قليلة قامت بريطانيا والعصابات الصهيونية بتهجير نصفه وتشتيته في بلاد الناس.. وفي داخل العمق الفلسطيني لم يُبقوا إلا على عُشره في المدن والقرى، لكنه ضم صدره على جرحه وآوى إليه أبناءه ورفع رأسه عاليا رغم حياة القهر في مخيمات أغلقتها أقفال النظام العربي بالأمن والتجويع.. واجه الشعب الفلسطيني خطة جهنمية اشترك فيها القرار الدولي مع الخُنّع المهازيل في المنطقة العربية لإلغاء الشعب الفلسطيني من الخريطة السياسية واقتضى ذلك عملا ممنهجا منظما..

لم يحاول الفلسطينيون كثيرا فلسفة ثورتهم ومقاومتهم، لم يكترثوا كثيرا بتعديل الموازين الإستراتيجية في الصراع كما تاه سواهم في لعبة المصطلحات فأضاعوا بلدانهم، ولم ينتظروا تغيّر الظروف الدولية لصالحهم، ولم يجمعوا كل الشروط للثورة فينطلقوا.. لم يعبأوا كثيرا بحجم النار في بنادق العدو.. فيكفي أنهم أبناء فلسطين المباركة المقدسة، يعرفون أن دمهم سلاحٌ استراتيجي، وأن قوتهم تكمن في إرادتهم، وأنهم من يملكون سر الكون.. فهنا على أرضهم حسم نبيُّهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمامته للعالمين، وهنا أبو المسلمين إبراهيم عليه السلام وضع حجر الأساس للقداسة والمباركة، وهنا كانت خطوات العذراء مريم وابنها المسيح عليهما السلام تمنح الحجارة وحبّات التراب النبل والسلام والمحبة.. اكتفى الفلسطينيون بما منحهم الله من مباركة لهم ولأرضهم، وأدركوا أن شهيدهم شهيدٌ للأمة والإنسانية، وأن بطلهم رمزٌ إنساني كبير، وعرفوا أنهم هم لا سواهم من يستطيع أن يُبطل المؤامرة فحملوا أجسادهم أمانة للتصدي للمؤامرة التي تستهدف أمّتهم ومستقبلها.

في قضية هي فلسطين، لا مكان للتردد؛ فمن يتردد في لحظة الاحتدام التاريخي تدوسه الأقدام ويضيع هباءً منثورا.. وفي لحظات الاشتباك متعدد الجبهات لا ينبغي إلا الانتباه ولا مجال للتيه.. هنا لا وجود للمعارك الثانوية والوهمية، هنا غير مسموح للشيطان أن يُفسد الوحدة والمودّة.. هنا لا تنافس إلا للعاشقين للقاء ربهم عبر معراج القدس المبارك.. هنا فلسطين تنهض بأبنائها على نهج الأنبياء، ووعي الأنبياء، وطهارة الأنبياء، وعزيمة الأنبياء.. أبناء فلسطين هم كل من آمن بها وإن نأتْ بهم الأمصار، وهي المباركة المقدسة لن يتسلم يدها إلا من كان في مثل حالها فهي إرثُ النبوة وتاج مجد الأمة..

هذه هي فلسطين تسير نحو الجلجلة بكل كبرياء وعزة، تقدّم أبناءها شهداء وجرحى وأسرى لتبقي القناديل متقدة حتى لا تتوه الأمة في معارك الفتن الحمقاء العمياء الرذيلة.. ها هي فلسطين تمدّ إلى الجميع يديها لتنقذهم من وحل التشتت والمذلة، لا تتركوها وحدها فلا معركة إلا معركتها.. تولانا الله برحمته.

 

مقالات ذات صلة