فنانون جزائريون وعرب شاركوا في الثورة بحناجرهم
كل التفاصيل عن إنجاز نشيد قسما ولماذا فضل المجاهدون محمد فوزي على محمد عبد الوهاب؟ !
شارك كل الشعب الجزائري في الثورة التحريرية كل بما حملت قريحته، وكانت الكلمة مدوّية في الكثير من مجالات الفن الهادف في تلك الفترة، من أجل رفع الروح الوطنية وإيقاظ الهمم وكذا الدعوة إلى الاستقلال، فكانت بذلك منابر صداحة هزّت كل أركان العالم وأسمعت من به صمم، كما وضع الكثير من الفنانين العرب مواهبهم في خدمة القضية الوطنية، فلم يكن ذلك من واجب الفنانين الجزائريين فقط، بل يشهد التاريخ أنّ الكثير من النجوم العرب حملوا على عاتقهم رسالة الفن الإنسانية التي تساند الشعوب التي تئن تحت ويلات الاستعمار.
“الشهيد علي معاشي”: شهيد الكلمة الذي كان أثرها أكثر صدى من دوّي الرصاص
كافح بالكلمة الصادقة التي تنطلق من أنين وطن أسدل عليه ستار ظلام حالك من قبل استعمار مستبد، وخلق مساحة أخرى لإسماع صوت جزائر تتخبّط تحت وطأة الظلم والهوان إلى جانب صوت الرصاص الذي كان يدوّي عاليا في كل جبال الجزائر ومدنها، دعا إلى الروح الوطنية من كل منبر للفن الهادف الذي ينظم كلمات كان صداها أكثر وقعا من صدى الرصاص، قدّم سجلا خالدا للتراث الجزائري في الأغنية الوطنية، مازال صداها إلى حد الساعة يُحرّك مشاعر كل مستمع تقشعر لها الأبدان وتدمع له العين، ويكفينا فيها صاحب “لو تسألوني”، ينام اليوم قرير العين وبقيت كلماته خالدة تعاد في كل عيد للثورة والاستقلال رغم أنه كان من عائلة ثرية لكنه فضل الموت مشنوقا في الساحة العمومية على أن يبيع القضية و كان يردد كل من يشكك في هواية الجزائريين ” لو تسألوني نفرح و نبشر و نقول بلادي الجزائر ”
“بقار حدة “: غنّت للثورة وبقيت مجهولة عند جيل الاستقلال
هي المرأة التي كان صوتها مدوّيا في كل أركان وطننا قبل الاستعمار في الخمسينيات خاصة في الشرق الجزائري، بل داع صيتها حتى خارج الوطن حين حطت في الكثير من المناطق، وعند اندلاع الثورة الجزائرية عاشت “بقار حدة” مكر وحقد الاستعمار عن قرب وهي بنت الريف ترى عن مقربة ما كان يحصل للكثير من العائلات في معزل في القرى والمداشر، لذا فقد صدحت في الكثير من الأغاني الثورية والوطنية التي كانت تُمجّد وتُخلّد الثوار والمجاهدين مثل “الجندي خويا”، “جبل بوحضرة” و”دمو سايح”، شاركت من خلال هذه الأغاني التي كانت كلماتها مدوّية كدوّي الرصاص في الجبال في إيصال كلمة الجزائر إلى كل الأقطار.
أما المطرب الشعبي الكبير الحاج “محمد العنقا ” فقد كان يغير من كلمات أغانيه في الأعراس والحفلات ويحولها إلى كلمات للثورة ضد الظلم و الاستعمار .
وفنانون عرب ساندوا القضية الجزائرية
يعتبر الفنان المصري الكبير “محمد فوزي”، ملحن النشيد الوطني الجزائري “قسما” عام 1957، وصاحب أغنية “مليون شهيد” من أبرز هؤلاء، لأن السلام الوطني ارتبط باسمه لذلك يكن له كل الجزائريين محبة وتقديرا خاصا. ويروي تسجيل لإذاعة “صوت العرب” الظروف التي صاحبت تسجيل “قسما” واعتبارها النشيد الوطني الجزائري، فقد عرضت المقاطع الشعرية لـ”مفدي زكريا” على ملحنين هما “محمد عبد الوهاب” و”علي إسماعيل”، لكن محمد فوزي احتج لأنه كان يصرّ على أن تطبع ألحانه النشيد الوطني لثورة عظيمة وهي ثورة
الجزائر.
القائمون على ذلك تردّدوا في البداية لأن “محمد فوزي” كان مختصا في الأغاني الخفيفة والألحان العاطفية وليس بالملحن المناسب لنشيد حماسي يلهب الحناجر، فكان أن تمت الموافقة بشرط أن ينال اللحن الموافقة من قبل قادة الثورة، وفعلا كان اللحن قويا ونال إعجاب قادة الثورة حتى أن “عبد الحفيظ بوصوف” طلب إعادته مرات عديدة في اليوم ليحفّز المجاهدين.
“عبد الحليم حافظ”، هو الآخر أهدى الجزائريين أغنية “قضبان حديد” في التاسع من شهر مارس 1963. وقد لا يعرف كثيرون أنه أنشدها على أحد المسارح في الجزائر العاصمة، ممسكا بيد الرئيس الجزائري “بن بلة” من جهة وبيد “تشيغيفارا” من جهة أخرى، وقد منعت أغنياته فترة طويلة في المغرب، بعدما اتهم بالوقوف مع الجزائر ضد المغرب أثناء حرب الرمال عام 1963
و سجل الأغنية عام 1962 تحت عنوان ” فجر الجزائر” وهي من كلمات محمد منصور ألحان بليغ حمدي، ويذكر أنه كان قد أدى قبلها أغنية “أرض الجزائر” عام 1962، من كلمات كمال منصور وألحان المبدع بليغ حمدي، زوج الفنانة الراحلة وردة الجزائرية، الذي أهدى بصوتها للشعب الجزائري أغنية “من بعيد أدعوك يا أملي” من كلمات الشاعر “صالح خرفي”، تلك الأغنية التي تعد واحدة من أجمل التحف الفنية التي أنجزت في حب الجزائر إلى يومنا هذا.
بدوره الفنان “محمد قنديل” الذي كان من أوائل من غنّوا للثورة، فقدّم “إخواننا في الجزائر محتاجين سلاح”، “أرض العرب”، “هيا على الكفاح” و”أكبر تار يا استعمار”،”
بالإضافة إلى “فيروز” الفنانة اللبنانية التي عبّرت عن مساندتها للقضية الجزائرية برسالة محبة حملت عنوان “صديقتي جميلة” أهدتها السيدة للمجاهدة العتيدة “جميلة بوحيرد”.
الفنانة اللبنانية الشهيرة “نجاح سلام”، غنّت للجزائر “ما أحلى الغنا بعد الرصاص” في حفل جمعها مع محمد فوزي عام 1962، كما غنّت للثورة أغنية “يا طير يا طاير” التي كتب كلماتها ولحنها الموسيقار محمد الموجي. “سلام” كرّمتها الجزائر عام 2010 بوسام المليون شهيد، وهو تكريم يمنح مرّة كل خمسين عاما لشخصية كان لها أثر في دعم الثورة الجزائرية.
من المطربات اللواتي ساندن الثورة الجزائرية وجهرن بذلك من خلال الكلمة واللحن والصوت القوي، الفنانة اللبنانية “سعاد محمد ” التي غنّت “أنشودة الجزائر” و”بلادي هي الجزائر” باللهجة الجزائرية، إضافة إلى أغنية عن المجاهدين جمعت فيها بين النضال الفلسطيني والجزائري، وكانت بعنوان “يا مجاهد في سبيل الله”، أمّا الفنانة السورية “سهام رفقي” فتركت بصمتها أيضا من خلال عمل بعنوان “يا أهل الجزائر”.
ولا أحد ينسى “لتحيا الجزائر” المسجلة بإذاعة “صوت العرب” بصوت الفنان المصري “كارم محمد” الذي تميّز في الغناء باللهجة الجزائرية، كما لحّن له “سيد مكاوي” عملا بعنوان “بزّاف غنوا لي”، و لم يشمل الدعم العربي للثورة الجزائرية الأغنية فقط بل السينما أيضا، قامت بدورها بدليل فيلم ” جميلة ” الذي أنتجته الممثلة القديرة” ماجدة الصباحي” لتصف بطولة المجاهدة الكبيرة “جميلة بوحيرد”.