فنان من وهران مشرد رفقة عائلته لأكثر من 13 سنة..!
لعلّ ظاهرة تشرد الفنانين صارت من علامات الركود الفني بالجزائر وماركة مسجلة ببلادنا لا يجارينا فيها أحد، والدليل ما صرنا نسمعه يوميا عن فنانين قدّموا الكثير ولم يجنوا شيئا، وأسعدوا الملايين وافتقروا للدنانير حتى لا نطيل الحديث، القصة التالية تخص زعباطة وهران الذي عرفه الكبير والصغير بالباهية وهران باسم مختار كوبوي نسبة لأحد الأفلام القصيرة التي تقمص فيها دور نادل للخمر بإحدى الصالونات الخاصة بديكور الكوبوي… هو مختار ورتاسي صاحب الـ57 سنة، اب لثلاثة أطفال، مختارية 20 سنة، علي 18 سنة، ومحمد الأمين 13 سنة، لم يكن يدرك يوما انه سيجد نفسه وعائلته في العراء يلتحف السماء ويعيش على الصدقات، طالما ان عربة الكاوكاو التي صارت رفيقته الدائمة لم تعد تكفي مصروف يوما واحدا، فمابالك بتعدد النفقات وكثرة التكاليف.
وصلنا إلى السيد مختار الذي يقطن بحي مرفال وفي ذهننا أنه لا زال يسكن في هيكل سيارة، لأن خبر هذه العائلة شاع سنة 2001 تاريخ طردها إلى الشارع، لكن كانت دهشتنا كبيرة عندما تيقنا ان الأسرة غادرت هيكل السيارة، لكن للاسوأ، حيث سكنوا بعدها غرفة مخصّصة لحفظ المولدات الكهربائية. وجدنا السيد ورتاسي مختار داخل تلك الغرفة المظلمة، طرقنا الباب، فخرج مسرعا ظانا منه ان الطارق اعوان الامن او سونلغاز التي هددته في العديد من المرات بالطرد، لأنه احتل حسبهم الغرفة التقنية التي في الأصل هي مكان يوضع فيه محولات الحي، رحب بنا مختار وطلب منا الدخول، وهنا كانت الفاجعة، تخيلوا ان الغرفة الوحيدة التي يقطن فيها رفقة عائلته لا تتوفر على إنارة ولا فتحات تهوية، بل هي عبارة عن حيز مربع تناثرت حاجيات العائلة هنا وهناك أفرشة ممزوجة بالاواني وحتى كراريس ومحافظ الاطفال، سألنا السيد مختار عن سبب هذا الظلام، فأفاد أن المصالح المختصة قطعت عنه الكهرباء بذريعة انه نزيل غير مرغوب فيه ويشكل وجوده في الغرفة خطرا على نفسه وعائلته، وكذا السكان المحاذين له، وحتى ندقق الصورة، فالغرفة توجد قبالة الملعب البلدي شوبة محمد، الذي يحتضن نهاية كل اسبوع مباريات القسم الجهوي الاول.
مباشرة بعد تاملنا للوضعية المزرية التي تعيشها عائلة ورتاسي طلبنا من الوالد الحزين ان يسرد لنا قصته مع التشرد، وقبل ان ينطلق في سرد مرارة الحياة التي عاشها مند ما يزيد عن الـ12 سنة هز ابنه الصغير محمد الأمين حتى يفسح لنا المجال للجلوس، إذ كان الصغير يغط في نوم عميق وسط الثياب المبعثرة وبعض الحاجيات المنزلية التي لم تجد مكانها في هذه الغرفة الضيقة..
” …حكايتي بدأت بتاريخ 20افريل 2001، اتذكر جيدا هذا التاريخ الذي يبقى راسخا في ذهني، كيف لا وقد دخلت عالم التشرد من أبوابه الواسعة، والشيء الذي آلمني كثيرا في هذ اليوم الأسود هو طردي مع أطفالي، خاصة ان محمد الأمين كان لم يتعد عمره الـ5 أشهر، وتخيل ما يمكن ان تعانيه عائلة محترمة تجد نفسها بين ليلة وضحاها في العراء، قاطعنا السيد مختار بسؤال حول السبب الرئيسي في طردهم من المنزل الذي عمّروا فيه سنوات طويلة قبل
حادثة الطرد. ليجيب بكل حرقة ان المنزل قدم له على شكل إعارة من طرف احد المقربين، لكن بعد مرور فترة من الزمن طالبه صاحب المنزل بإعادة المفاتيح وإخلاء الدار، وهو الخبر الذي نزل كالصاعقة على رؤوسهم، وبالفعل تم في هذا اليوم المشؤوم رمي أثاثهم في الشارع بتسخير القوة العمومية التي حملت معها قرارا من المحكمة لتنفيد العملية، وقد كان دور ابناء الحي كبيرا في ستر هذه العائلة حسب ما أكده لنا مختار، لاسيما بعد ان جلبوا لهم خيمة، ثم بعد اسابيع وبالنظر لقساوة الطقس وإنخفاض درجات الحرارة استعان السيد ورتاسي بهيكل سيارة من نوع “صافيام”، فحوّلها إلى مسكن مؤقت، حيث كان في قرارة نفسه يظن ان الامر سوف لن يطول وستتدخل المصالح المعنية في مقدمتها البلدية أو مصالح الولاية لترحيله إلى شقة محترمة، لكن هيهات فقد طالت المدة ولم تجد وقفاته رفقة عائلته امام الولاية والدائرة وحتى البلدية نفعا، وكما قال مختار “لم تكسبني تلك الوقفات سوى الآلام والحرقة” ويذكر انه جلس طيلة اليوم أمام البوابة الرئيسية لمقر دائرة وهران على امل ان يلتقي برئيسها ويفاجئه بإحدى الصور التي إلتقطت له داخل هيكل السيارة، غير ان صدمته كانت كبيرة حين لمح المسؤول وهو رفقة سائقه بسيارة خاصة توقف امام الرجل، راى ما تحمله تلك الصورة، وبعدها ارجعها له وامر السائق بالانطلاق نحو الأمام في رسالة واضحة عن التهميش واللامبالاة ..
“غاضتني عمري بزاف”، هي الكلمة التي ردّدها كثيرا مختار حين تذكر هذه الحادثة، لانه – كما قال – مواطن جزائري وينحدر من اسرة ثورية، ومع ذلك لم يتسن له الظفر ببيت العزة في بلاد العزة والكرامة، وهو الذي لا يفوت
كما قال موعدا انتخابيا إلا ويشارك فيه، باعتباره حقا مشروعا وواجبا في نفس الوقت، لكن اليوم وفي مثل هذه الظروف لم يعد يصدق الكلام المعسول والوعود الوردية التي يوزعها المنتخبون قبل اعتلائهم المناصب.. وبعد طرده من السيارة من طرف رجال الشرطة قرر المعني اقتحام إحدى الغرف التقنية الخاصة بشركة سونلغاز للاحتماء من قساوة الطبيعة وأعين الناس الحارقة التي لا ترحم.
سألنا مختار عن النتائج الوخيمة التي نتجت عن هذا الكابوس المزعج ليسبقه في الإجابة إبنه الصغير صاحب الـ13 سنة… قائلا أسوا نتيجة وصلنا إليها هي تشتت عائلتي، قالها وعيناه تبرقان بدموع حارقة لو تسقط على الأرض لتركت آثارها، لكن لم تنجح في تحريك ضمائر المسؤولين، وقد فهمنا من كلام الصغير أن الوالدة قررت العودة إلى أهلها بعد ان طلبت الطلاق، لانها لم تعد تحتمل المزيد من المآسي والمعاناة ،حتى انها عانت – حسب شهادة زوجها – من امراض نفسية وعصيبة جعلتها لا تقدر على النوم إلا بالأدوية المهدئة، وقد اخذت البنت الكبرى لتعيش معها، في حين بقي الابنان مع والدهما يحاولان بشتى الطرق تلطيف حال والدهم المقهور. وتعجبنا أيضا لما أكد السيد ورتاسي ان ابنيه لا يزالان يدرسان، الاول السنة الثانية ثانوي، اما الآخر ففي الأولى متوسط، وكلهم حزم على بلوغ أقصى مراتب النجاح – حسب ما صرح لنا به الوالد – الذي تحدث بلغة المتذمر على حال أبنائه حين يراهم يراجعون تحت ضوء الشموع حيث تنهمر دموعه، هذا وقد اعتبر السيد ورتاسي حرق الجسد أو شرب الآسيد ضعفا ونقص وعي، بل بالعكس مهمة الإنسان في الحياة هي الصبر والشجاعة، لغاية تحقيق حلم فلذات الأكباد في التمتع بمسكن محترم قد ينسيهم ما عانوه طيلة مرحلة التشرد. وعن الأفلام التي شارك فيها مختار ذكر لنا بعض اسمائها
L’HOMME X FEMME
TOBY BISNESSE
HAZIME NE PARDONNE JAMAIS .
وهي أفلام من نوع الهزل، قاسم فيها البطولة نجوم الفكاهة بوهران، على غرار حزيم وعمر بن شراب، ونخبة من الممثلين النجوم، ودّعنا العائلة البائسة على أمل ان تسمع صرخاتهم المدوية الجهات المعنية، ولكن قبل ذلك، حاولنا أن نعرف ماهي الأمنية التي تجول بخاطر الطفل الصغير محمد الأمين، فكان رده عفويا وبريئا، حين قال لنا أنه يحلم ان يعيش في غرفة تحتوي على الإنارة لأنه سئم حياة الظلمة والسواد في هذه الغرفة الموحشة.