فنّ وبزنسة!
قبل أيام، قال الإمبراطور الهارب من حكم العدالة عبد المؤمن خليفة أنه في حالة الإفراج عنه وانتهاء مسلسله البوليسي وقصّته القضائية الطويلة في الخارج.
-
فهو يحلم بالعودة للاستثمار، ليس في التجارة أو الطيران ولا حتى في الصيدلة التي انطلق منها لبناء وتشييد إمبراطوريته الوهمية، بل قال انه يرغب بالاستثمار في الفن!
-
والحقيقة أن رغبة الخليفة لا تنطلق من فراغ، بل لمعرفته وإدراكه تماما، أو لمعرفة من يفكّرون له بالأصح، حجم التأثير الذي يمكن للفن أن يتركه وسط الناس والرأي العام، حتى باتت الأغنية أهمّ من الخطاب السياسي والمسلسل أكثر تأثيرا من البيان الحزبي، كما أضحت المهرجانات الفنية أقوى تعبيرا عن استقرار البلد من كل المؤشرات الرسمية الأخرى!
-
منذ فترة قصيرة أيضا، سمعنا وقرأنا عن الضجة التي سبقت مهرجان الأردن أو جرش سابقا، بسبب ما قيل عن تطبيعه مع إسرائيل، حتى أن الأردنيين انتفضوا لمجرد علمهم بوقوف شركة فرنسية تعاونت مع الكيان الصهيوني وراء إرسال الدعوات والتنسيق مع الفنانين، ولم تهدأ العاصفة إلا بتدخل ملك الأردن شخصيا ليقول أن المهرجان ليس تطبيعيا فارتاح الخلق وتراجع النجوم عن مقاطعتهم، وتم إنقاذ المهرجان بكلمة واحدة من الرجل الأول في المملكة.. لكن، لماذا ينتفض الأردنيون على شركة فرنسية متصهينة ويرفضون التطبيع الفني، ولا ينتفضون بنفس القوة عندما يرون زعماؤهم يجلسون مع الإسرائيليين لعقد صفقات تجارية وسياسية!
-
الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تتطابق تماما مع سرّ رغبة عبد المؤمن خليفة بالاستثمار في الرقص والمغنى، لأنه يدرك تماما أنه يمكن للفن أن يحقق ما تعجز عنه السياسة أحيانا، فكم من فنان تم رفعه بالمقاييس الباطلة من مجرد مغني كباريه إلى ممثل شخصي للدولة، وكم من عالم تمت إهانته بتحويله إلى ضيف غير مرغوب فيه ببلده، وبالتالي أضحى أن تعمل متعهد حفلات ومهرجانات أفضل بكثير من أن تؤلف كتابا أو تقدم اختراعا، لذلك أبدى الخليفة حرصا شديدا على إشراك نجوم الفن في فضيحته!
-
لقد تحوّلت كثير من الليالي والسهرات والمهرجانات عندنا إلى (بزنسة) تستثمر بشكل كبير في افتقاد الجزائريين إلى الفرح، وبدأ يبرز في الأفق صراع حاد بين احتكار الدولة للفرح أو خوصصته لبعض العلب والجمعيات، حتى أنّ المحافظين الذين تم تعيينهم في المهرجانات لم يحافظوا لا على المال العام ولا على الذوق العام، وأصبحوا ينافسون الخواص في الرداءة، لذا أصبح من الضروري أن تنتبه الدولة لهذا الجانب الكبير من البزنسة المتنامية حتى لا يطلّ علينا لص جديد اسمه (الخليفة للحفلات) بعد ما عشنا قصة الخليفة للطيران!