-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فن الفرح!

فن الفرح!

مرة أخرى، لم يتوقف الفرح، في بلادنا بعد تتويج منتخب كرة القدم بسيادة الوطن العربي، عند مظاهر البهجة والسعادة والأمل، بعد أن حدثت مآس أخرى بسبب طلقات النار العشوائية والتهور في السياقة. وبقدر ما تحدث الجزائريون عن الأهداف الجميلة التي سجلها لاعبو الخضر في مرمى منافسيهم من دون استثناء، بقدر ما تحدثوا عن هلاك مناصر في غليزان وآخر في سطيف، وعن إصابات خطيرة بالشماريخ والبارود، فكانت النهاية أليمة، في بلد لا يعشق الكرة، لأنها لعبة جميلة مليئة بالحماس، وإنما لأنها هي الوحيدة التي تقرّب الجزائريين من بعضهم البعض، وتؤكد مدى حبهم لألوان العلم الجزائري، ونشيد قسما الذي نقش أبياته الخالدة، في ذاكرة كل الذين استمعوا إليه من الأشقاء العرب، فأذهلتهم بلاغته وتأثيره الساحر على كل الجزائريين.

لقد عجزت الجزائر بكل أجهزتها الأمنية والاجتماعية والدينية والتعليمية عن منع الشماريخ عن بلوغ أيدي المراهقين والأطفال، حتى وصلت الآن إلى الأفراح الحميمية وصارت تنافس البارود، وتكاد تتحول بعض المناسبات العائلية إلى خطر يهدّد حياة المدعوين وحتى العرسان بالموت، من مواكب مجنونة واستعمال للبارود والشماريخ الخطيرة، ولم يعد يثير خبر سقوط طفل من سيارة في موكب عرس أو إصابة طفلة بريئة بطلق ناري في حضرة عروس أو عريس، الناس، بعد أن دخلت مثل هذه الأحداث المؤلمة يوميات الجزائريين.

لقد أدرك الجزائريون بعد مرورهم بدولة قطر، وتتويجهم بلقب البطولة الغالي، بأن الدولة ليس من انشغالاتها أن تساعد اللاعبين والطاقم الفني بتوفير ظروف العمل السانحة من بُنى تحتية وتوفير فرص التربص، وتحدد المستحقات، فقط، وإنما عليها أن تهتم بهذا المناصر أو المحبّ الذي بقي على الهامش بعيدا عن العين وعن القلب، حتى أنه يدفع من عمره وصحته وماله وأعصابه من أجل متابعة تسعين دقيقة من اللعب في ملاعب أشبه بالجحور أو السجون الباردة، فتراه يفقد مع مرور السنوات طرق التشجيع الصحيحة وأيضا طرق الفرح السليمة، بعد أن يحقق ناديه أو منتخب بلاده الانتصار.

لا يمكن أن تبقى الأعياد الدينية من مولد نبوي شريف ورمضان الصوم والتقوى، مواسم للقلق والخوف والحزن، وأن تبقى الأعراس والأيام الكروية الملاح، فترات لعدّ القتلى والجرحى. فبعد أن فشلت كل طرق النصح التقليدية، وجب البحث عن وسائل وقائية وردعية عاجلة، لأن المنابر الإعلامية العربية والعالمية التي نقلت الصور الجميلة التي صنعها اللاعبون والأنصار على مدار أيام البطولة العربية، هي نفسها التي تحدثت عن المآسي التي وقعت خلال ساعات الاحتفال بالتتويج العربي في أخبار تتكرر منذ عقود، فتحوّل الفرح إلى قرح كلما حققت الجزائر انتصارا كرويا كبيرا بأبعاد تاريخية واجتماعية وثقافية، كما حدث في دورة قطر التي جمعت العرب من المحيط إلى الخليج.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!