الرأي

فوائد سيزكين

عندما يكون شخص ممتلئ الرأس بالعلم النافع، عامر الجوارح بالعمل الصالح مطبوع السلوك بالخلق النبيل؛ عندما يكون كذلك يستغنى في الحديث عنه عن إيراد تلك الصفات الجليلة وسرد تلك النعوت الجميلة لتقريبه إلى الناس، وتعريفهم عنه، وتحبيبهم فيه.. بينما هي لا تزيد في قيمته شيئا، ولا تنقص من شأنه مثقال ذرة.. أما أولئك الذين ليس لهم في المكرمات جلّ ولا قلّ، ويريدون أن يحمدوا بما ليس فيهم من علم واسع ومن عمل نافع، ومن خلق كريم فهم من السابحين في “بحر الشيطان” الذي إذا جاءه الناس لم يجدوا شيئا……. (بحر الشيطان في لسان بعض العرب هو السراب).

يستهويني أدب المذكرات، لما يعرّفني على رجال وما يعلمون من معارف، وما يقفون من مواقف، ولكن كثيرا من تلك المذكرات أندم على ما أنفقته فيها من وقت ثمين، وثمن أثمن، حيث يكون مثلي مثل جائع رأى مائدة، فلما جاءها لم يجد إلا “جبنة وزيتونا”، كما تقول الأغنية الشرقية، حتى تلك الجبنة وذلك الزيتون لا يسيلان لعابا، ولا يسرّان نظرا، وتزكم رائحتهما الأنوف، فتقول في نفسك: الجوع أشهى إليّ وألذ مما أرى وأشم.. وقد قال أحدهم عن طعام قدم إليه: كل الطعام مآله أن يصير… ولكن هذا الطعام هو… قبل أن يؤكل..

يلاحظ القارئ أن كثيرا من تلك المذكرات ـ خاصة مذكرات السياسيين ـ هي “كالأطعمة المعتدّة”، لا لون فيها ولا رائحة، فهي سطحية، وسرد ممل، لأنها خالية من “الروح”؛ وما روحها إلا قضايا الفكر وشئون الثقافة، لأن الإنسان، في حقيقته وأبعاده، هو ثقافة وفكر، ثم عمل وموقف، وقد علّمنا أساتذتنا أن العلم يسبق العمل، وكأن الإمام ابن باديس ـ رحمه الله ـ يقول: “العلم هو الإمام المتبع في الحياة… ومن دخل في العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال”، وقديما قال شاعرنا الحكيم:

لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده    فلم تبق إلا صورة اللحم والدم

لقد قرأت “مذكرات جزائري” ـ ذات الأجزاء الثلاثة – للعالم المجاهد أحمد طالب الإبراهيمي، فاستفدت واستمتعت، لما فيها من حوادث رآها أو رواها، عن كتب أو عن أشخاص؛ ولما تحدث فيها عن أناس تعرف منهم وتنكر، ولا عجب في ذلك فقد علمنا سيدنا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن “الناس معادن”، ومعادن الناس تظهر في اليسر والعسر… والسراء والضراء.. في المنشط والمكره…

مما لفت نظري في الفصل السابع من الجزء الثالث من تلك المذكرات ما تناوله الدكتور من حديث عن مؤسسة ليست كواحدة من المؤسسات، وعن شخص ليس كأحد من الأشخاص..

فأما الشخص فهو العالم الكبير فؤاد سيزكين، وهو تركي، تديّر ألمانيا، واعتلى منصب أستاذ العلوم العربية الإسلامية، ليس في ميدانها الديني واللغوي والاجتماعي؛ ولكن في مجالها العلمي الدقيق (طب ـ رياضيات ـ موسيقى ـ هيئة ـ بصريات ـ زراعة…) ثم علت به همته، ودفعته إرادته وعزمه فألّف موسوعة سماها “تاريخ التراث العربي”، “تعتبر تكملة، أو بديلا لكتاب “تاريخ الأدب العربي” الذي وضعه كارل بروكلمان” (مذكرات جزائري ج3. ص132).

لم يقتنع فؤاد سيزكين بما حققه، فراح يسعى إلى تحقق فكرة انقدحت في فكره هي إنشاء “معهد لتاريخ العلوم العربية والإسلامية” فاتصل ببعض الشخصيات ممن لهم قيمة علمية واجتماعية في بعض الدول، وكان منهم الأستاذ عبد العزيز حسين من الكويت، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من الجزائر.. وكانت النتيجة أن دشن “المعهد” يوم 10 جانفي 1981، في بناية ـ فبرانكفورت ـ كان لدولة الكويت فضل إهدائها للمعهد، ومساعدة كل من السعودية والجزائر وقطر وليبيا والإمارات العربية.

ومن أجمل ما قام به هذا المعهد ـ بسعي من سزكين ـ إنجاز أدوات تصورّها وأنشأها واستعملها علماء مسلمون في القرون الماضية في جميع الميادين.. وأصبح المعهد أجمل واجهة للحضارة الإسلامية في الغرب ـ (المرجع نفسه ص 133). وقد أهدت الحكومة التركية في 2007 برئاسة رئيسها أردوغان أحد القصور التاريخية في استامبول ليستقبل نسخا مما يضمه معهد فرانكفورت، ولو أنفقت حكومتنا “الرشيدة” الأموال التي أنفقتها على ذلك المهرجان الإفريقي “المسخ” على فتح فرع لذلك المعهد هنا في الجزائر لكان ذلك أجدى وأنفع، وأبقى..

وللمعهد مكتبة غنية نواتها ما تبرع به سيزكين نفسه، ويضم 16000 مجلد، وله مجلة ذات قيمة علمية، وعدة كتب علمية مستنسخة من المخطوطات، وقد حدثني عن أحدها الأخ الدكتور مصطفى عشوي المقيم في الكويت حيث يعكف على تحقيقه رفقة أستاذ من السودان. والمعهد يعلم العربية من يريد تعلمها في فرانكفورت.. (ليست لغة ابن غبريط وحزبها، ولكنها اللغة التي علمت أوربا، وأخرجتها من الظلمات إلى النور)، وقد نشر المعهد كثيرا من مؤلفات لمستشرقين، تعتبر نادرة إن لم تكن مفقودة.

إن هذه المؤسسة العلمية الحضارية الممتازة يديرها هذا الشخص بما تستلزمه من “صرامة تركية ألمانية”، وهو لم يستعمل إلا فوائد الأموال التي جمعت في 1980 والمودعة في البنوك… وما أنقذها إلا تلك “الصرامة” وعدم إيداعها في “بنك جزائري”، وهو لا يتقاضى أي مقابل.

للجزائر العالية التي ردّها أسفل سافلين من نعرف، والغالية التي أرخصها من نعلم؛ لهذه الجزائر أن تفتخر بنصيبها ـ خاصة البشري ـ في هذا المشروع الحضاري المتميز:

1 ) برئيس هذا المعهد، وهو الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الذي انتخب لرئاسة هذا المعهد منذ 1994، دون غش، أوتزوير، أو شراء ذمم، وهو لا ينال من هذه الرئاسة ـ التي لا ينالها الجهلاء ـ مقابلا ماديا، فضلا عن أن تزيغ عينه، وتمتد يده، كما يفعل غيره.

2) برئيسها “الطيب” الشاذلي بن جديد ـ رحمه الله ـ الذي “أمر بتقديم مساهمة مالية قدرها مليون مارك” لما عُرض عليه المشروع، فجعل الجزائر من المسارعين في الخيرات…

3) بابنها العالم فريد بن فغول الذي اضطلع بترجمة مصنّف ـ في 5 أجزاء ـ من الألمانية إلى الفرنسية، الذي هو عبارة عن مصنف يهدي زوار المعرض، ويعتبر أهل الذكر أنه “أفضل مدخل إلى تاريخ العلوم والتقنيات في الإسلام” وهو من أقرب مساعدي الأستاذ فؤاد سزكين.

كنا نود لو أن هؤلاء العرب والمسلمين ـ دولا وأفرادا ـ أنفقوا بعضا مما آتاهم الله من فضله، مما جعلهم مستخلفين فيه؛ أنفقوه في مثل هذه المشروعات، فينشروا حضارتهم الرائعة وقيمهم الإسلامية النبيلة؛ بدلا من إنفاق ما ينفقونه في المحرمات، التي تغضب الله ـ عز وجل ـ وتجلب احتقار الشعوب التي يبذون تلك الأموال بينها، بينما شعوبهم تعيش معيشة ضنكا…

ألا يستطيع هولاء العرب والمسلمون ـ دولا وأفرادا ـ أن ينشئوا في كل عاصمة من العواصم الكبرى “معهدا” كمعهد فرانكفورت؟ بلى، إنهم لقادرون لو صدقت النيات، وصحت العزائم.. ولن تصدق نياتهم، وتصح عزائمهم حتى تكبر عقولهم، وتترفع عن الصغائر، ونظروا إلى الحياة بعقولهم لا بشهواتهم؛ فإن أبوا إلا البقاء على ما هم فيه فلا يلومُنّ غيرهم إن عاملوهم كالأنعام..

مقالات ذات صلة