فيلالي يشرّح أطروحة استقلالية الجزائر عن الباب العالي
في نقاش مع أحد المختصين في التاريخ العثماني، يدافع الدكتور عبد السلام فيلالي على أطروحة استقلالية الجزائر عن الباب العالي بعد سنة 1710 التي تضمنها كتابه الموسوم بـ: “المحروسة..الجزائر خلال الحكم العثماني (1519-1830)”، الذي صدر عن دار العقاد للنشر والإعلام، منطلقا من وجهة نظر حول: “استخدام تسمية إيالة الجزائر بعد سنة 1710″، معتبرا إياها غير دقيقة من ناحية أن وضعها قد تغير بالنسبة للحكم العثماني في الأسِتانة. وهو لهذا يطرح بدلا عنها مفهوم “دولة الجزائر”.
وقد حاجج مؤلفنا تسميتي امارة (régence) ومملكة الجزائر، فيخلص إلى نتيجة مفادها أنها تسمياتٌ غير دقيقة ولا تعكس وقائع ممارسة الحكم والسلطة سواء بالنسبة للسلطان العثماني أو بالنسبة للزعامات المحلية، معللا ذلك بالنتائج التي خلصت إليها دراسته هذه.

إنه يوافق الرأي القائل بضرورة إقامة ربط بين وقائع الحكم وتقاليده في الجزائر مع ما هو موجود في الباب العالي (تسمية فرنسية)، وذلك كان بالرجوع المستمر إلى بنية ووظائف التنظيمات والمؤسسات العثمانية: الانكشارية، الأشراف، تنظيم الحكم والإدارة: بما يستدعي مراجعة دائمة لمنشئه من أجل فهم آليات عمله وكذلك آليات التحكم والسيطرة وأهداف النخبة الحاكمة تبعا للمعطيات المحدِّدة لوجوده واستمراره والوقائع الاجتماعية في مختلف أبعادها المميزة، عبر مختلف مراحل تطوره
يطرح الدكتور فيلالي في مسار هذا النقاش مع الرافضين فرضية الاستقلالية، بأن الجزائر لم تكن مستقلة فعليا عن الباب العالي، ومن ثم فهي ظلت إلى آخر دقيقة قبل الاحتلال الفرنسي ولاية عثمانية. وفي سبيل تأكيد أو نفيها بالنسبة لرد فعل السلطان العثماني من الغزو الفرنسي، محيلا إلى ما عرضه في دراسة سابقة له حين كتب: “وكان احتلال الجزائر سنة 1830 قد أعطى الانطباع بأن الولايات العثمانية هي في حكم الانفصال، نظرا لطابع الاستقلال الذاتي الذي كان قائما فيها. ثم عدم تدخل القوات العثمانية لمواجهة القوى الأجنبية الغازية. تأكد هذا فيما بعد في كل من تونس وليبيا، أما المغرب الأقصى فكان له وضعه الخاص من ناحية أنه لم يُضمّ إلى الدولة العثمانية”. ومن ثم يقدم نفيه لأي تدخل لقوات عثمانية، أدى ذلك إلى الاستسلام عندما انسحب الأوجاق: “سريعا بعد مقاومة قصيرة وركبوا سفنهم كما جاؤوا، عكس المرات السابقة التي تصدُّوا فيها لمختلف هجمات الأوربيين بقوة بأن استفادوا من النزاع الانجليزي الفرنسي بعد الحروب النابوليونية”، ليخلص إلى القول بأنه: “لا يوجد أي تجنّ على هذا الانسحاب، إن قراءتنا لوجهة نظر تركية حول موقف الأتراك من احتلال الجزائر لا تكشف عن أي تحرك جدي من أجل “استعادة” الولاية المحتلة، ما عدا محاولات “دبلوماسية” في شكل وساطة قام بها الباب العالي لأجل حل الخلاف بين فرنسا والأيالة وعقد صلح، إلا أنها قوبلت برفض الفرنسيين. لقد كان احتلال الجزائر قد نتج عن غزو ضد حكم تركي، ولكن عواقبه قد نكبت سكان البلاد ولزمن طويل”.
هذا الحكم بناه -مثلما يضيف- من خلال قراءة وجهة نظر تركية عرضها الكاتب كوران آرجمنت في مؤلفه: “السياسة العثمانية تجاه الاحتلال الفرنسي للجزائر (1827-1847) الذي يرى بعدم استقلال الجزائر عن السلطنة العثمانية. يتريث صاحب “المحروسة…” قبل بناء حكم موضوعي حول دفاع الدولة العثمانية عن الجزائر لمنع احتلالها من قبل الفرنسيين، بأنه لا نقرأ عن مشاركة قوات عثمانية أو إرسال مساعدات عسكرية لدعم المدافعين وبعد ذلك المقاومين، سواء في سيدي فرج أو الأمير عبد القادر أو أحمد باي. و هو في هذا الصدد يقول: “أنا منفتح على عرض معلومات تدحض هذا الحكم العامّ”. ليصل إلى اعتبار مساعي “محاولة الدولة العلية إيقاف الحملة ضد الجزائر وتأكيد الباب العالي بصراحة حقه في الجزائر”، بأنها تدخل ضمن سياسة حفظ ماء الوجه، وهي بالتالي كمن يسعى للدفاع على شيء لا يملكه منذ مدة بعيدة.
يواصل الدكتور فيلالي نقاشه بالحديث عن تراجع قوة الدولة العثمانية الذي كان بدأ منذ هزيمة معركة ليبانت التي أدرك فيها الأسطول العثماني ضعفه أمام سفن بريطانيا. محيلا إلى ما ذكره في مؤلفه: “وهكذا نرى توازيا في الانحدار لقوتي ذلك العصر، العثمانيون والإسبان، أي منذ نهاية القرن السادس عشر. يمكن قراءته بالنسبة للعثمانيين في نتائج الحروب التي خاضوها “في ربع القرن بين 1578 و1606، لما شن العثمانيون سلسلة من الحروب المرهِقة ضد الفرس في الشرق وهابسبورغ في وسط أوروبا”، وكذلك ثورات داخل الأناضول، كلفتها خسائر باهظة في الرجال والعتاد مسئولة إلى حد كبير عن الإفلاس المالي… وغرست بذور التدهور والانحطاط في هذا الجسم المتضخّم (المنور مروش). بما جعلهم يوقعون معاهدات سلام مع الإسبان سنة 1577 ثم مع آل هابسبورغ سنة 1606.
وعليه، ساهم تراجع قوة العثمانيين في البحر الأبيض المتوسط في عجزهم عن فرض الطاعة على أوجاق الجزائر، وأدى فشلهم في فرض حاكم مهاب الجانب إلى تسريع الاستقلال، وأدى توفر الأوجاق على مورد مالي مهم وهو القرصنة إلى عدم الحاجة إلى أموال الباب العالي. فكان انسحاب العثمانيين تأشيرة أخرى نحو دعم حالة الاستقلال، وانتقال الدول الأوروبية إلى التعامل المباشر مع القوة السياسية والعسكرية القائمة من أجل حل أي مشكلة.
بسبب هذا الضعف، اكتفى رد الدولة العثمانية على إرسال مبعوثين (مساعي ديبلوماسية) إذ أرسل السلطان طاهر باشا وحدد له مجموعة نقاط مؤلفة من خمسة بنود يتعامل وفقها. ولكن الفرنسيين تجاهلوها بل أنهم منعوه من دخول الجزائر، فأذعنت المحروسة لقدرها المحتوم، بنفس القوة والإرادة الذي واجهت به عدة محكات أصعب من هذا المحك.
من هذا البعد وتصورات أخرى تقررت كخلفية عامة لموضوع هذه الدراسة، يحلل الدكتور عبد السلام فيلالي في “المحروسة…” التي تنضم إلى الأجزاء السابقة من مشروعه العامّ حول الجزائر مجتمعا ودولة وما يتصل ذلك بتكوينية بناها، بفصولها الأربعة:
الفصل الأول المعنون: بين الإمبراطوريات، قيام أيالة- دولة الجزائر في القرن 16. سعى من خلاله وعبر أربعة مباحث إلى عرض تصوُّره ومقاربته للظرف التاريخي الذي أتاح تأسيس أيالة- دولة الجزائر وقابليتها للحياة وفرض السيطرة بحرا وبرّا.
ساهم تراجع قوة العثمانيين في البحر الأبيض المتوسط في عجزهم عن فرض الطاعة على أوجاق الجزائر، وأدى فشلهم في فرض حاكم مهاب الجانب إلى تسريع الاستقلال، وأدى توفر الأوجاق على مورد مالي مهم وهو القرصنة إلى عدم الحاجة إلى أموال الباب العالي. فكان انسحاب العثمانيين تأشيرة أخرى نحو دعم حالة الاستقلال، وانتقال الدول الأوروبية إلى التعامل المباشر مع القوة السياسية والعسكرية القائمة من أجل حل أي مشكلة.
الفصل الثاني، حمل عنوان المركز السياسي يستقلّ، من الرياس إلى الدايات. وقد تضمَّن أربعة مباحث، إذ تناول مراحل تشكُّل المركز السياسي، بالنسبة لمعطيات القوى العاملة (الرياس، الانكشارية) والدولة العثمانية والتغيُّرات الدولية، يظهر هذا من خلال مدونة دايات الجزائر الستة عشر الذين -بعرض أسمائهم وإبراز سمات حكمهم- جرى تشكيل صورة عامة عن طبيعة المركز السياسي.
وجاء الفصل الثالث، تحت عنوان بنية المركز السياسي و أعوان التحكم والتنفيذ. هذا الفصل هو عبارة عن مقاربة لبنية ووظائف المركز السياسي، الفئات والحكم والجيش والقوات الرديفة.
في الفصل الرابع الموسوم بـ: “سوسيولوجية المركز السياسي، التحكم في المجتمع الأهلي، والموارد”، درس الباحث التشكيلات الاجتماعية في المركز (مدينة الجزائر) وفي المقاطعات، وعلاقات التحكم للمركز وزعماء المجتمع الأهلي، ثم الموارد المتاحة وما يتحدد منها كعلاقات سلطة لأجل فرض السيطرة.
الفصل الخامس حمل عنوان: الاقتصاد، عدم الاستقرار والعلاقات الخارجية. وهج لم يشِعّ بمباحثه الأربعة. سلط من خلالها الضوء على النظام الاقتصادي والتبادلات التجارية، وما تغيَّر مع تراجع الموارد المالية وما عاشته الجزائر من عدم استقرار ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر وإلى غاية الاحتلال الفرنسي، وكيف أثّرت التغيرات الدولية عليها، عوامل قادت إلى التفكك والانهيار.
في خاتمة دراسته هذه كتب الدكتور فيلالي يقول: “التقييم العامّ لحقبة حكم العثمانيين للجزائر أن المغامرة التي كان يفترض أن تنتهي مع موت صاحبها، استمرت ثلاثة قرون. أسباب الاستمرار وضعناها تحت عنوان التوفيق. توفيق الاستقلال عن الباب العالي، وتوفيق رد الحملات الإسبانية الكبيرة، وتوفيق عدم التعرض لأي خطر حقيقي من قبل القوى المحلية أو الجار الغربي، وتوفيق حفاظ الأسطول البحري على ألقه رغم عدم مواكبته التطورات الحاصلة في بناء سفن جديدة قوية، ثم توفيق البقاء قوة كبيرة رغم عدم التحول إلى التجنيد المحلي للجنود. استمرار كرَّس انطباع المهابة إلى آخر لحظة من حياة هذا الحكم، على الرغم من المعوقات البنيوية التي ظلت تهدده، فيما يتعلق بحالة الانفصال عن المجتمع الأهلي واضطرابات الجنود التي انتهت في كثير من الأحيان إلى اغتيال الداي، طبيعة المؤسسات التي لم تدخل عليها إصلاحات وغابت مشاريع التحديث في جميع المجالات، فتشبيه الوضعية العامة للبلاد بالسفينة القديمة التي يتسرب الماء إليها من جميع الجهات، هو تشبيه صائب، على الأقل لجهة عدم إدخال تعديلات على عمل الجيش وجلب فنون وأدوات الحرب الحديثة وتطوير عمل المؤسسات السياسية ونظام الحكم، كذلك ما يتعلق بالقطاعات الإستراتيجية كالصناعة والتعليم والصحة والطرق، إذ استمرت أساليب الحياة الوسيطية قائمة. تسرُّبُ الماء يؤدي حتما إلى الغرق.