الرأي

فيلم كارتوني ساذج لإرهاب استخباراتي ملثم

حبيب راشدين
  • 5797
  • 15

لمن فاته متابعة الفيلم الهوليودي لأحداث 11 سبتمبر، له أن يسلي النفس بالنسخة الفرنسية الهزيلة لعملية “شارلي إيبدو” التي سوف يكون لها ما بعد من الفضائح المدوية، بعد أن تنتهي الدولة الفرنسية من استثمار نتائجها السياسية، ويطرح سؤال واحد فقط: كيف أمكن الترخيص بتنظيم مسيرة مليونية بحضور قرابة 40 رئيس دولة وحكومة 48 ساعة بعد انتهاء واحدة من أخطر العمليات الإرهابية في تاريخ فرنسا الحديث؟

لست متأكدا أن مشاركة قرابة 40 رئيس دولة وحكومة غربية وعربية في مسيرة باريس أمس الأحد، تحت عنوان خادعأنا شارليسوف تكون كافية للتستر على الفضائح التي واكبت العملية تحتراية جهادية كاذبةضد المجلة الساخرة، أو تسمح بصرف النظر عن الآبار السود في الرواية الفرنسية الرسمية، التي حاولت محاكاة رواية إدارة بوش لخدعة أحداث 11 سبتمبر.

الفضائح التي واكبت العملية لن يسلم منها لا المؤسسات الأمنية الفرنسية، ولا الحكومة، ولا مكونات المشهد السياسي الفرنسي، ولا وسائل الإعلام الفرنسية التي اشتغلت من داخلالسرير الأمني، بل وبحضور للعناصر الأمنية والمخابراتية الموظفة داخل هيئات التحرير، كما لن تسلم مجاميع المثقفين العضويين، ومنهم بعض النخب العربية والإسلامية، التي سخرت بطريقة مفضوحة لتمرير رواية رسمية حملت المسلمين منذ البداية مسؤولية العملية.

الذين تابعوا أحداث 11 سبتمبر على المباشر، والرواية الرسمية التي كانت تكتب ساعة بساعة، والطريقة التي سخر بها الإعلام لتضليل الرأي العام، لم يفاجئهم السيناريو الفرنسي، الذي ادعت فيه السلطات الفرنسية منذ البداية أن الاعتداء هو نسخة فرنسية لأحداث 11 سبتمبر، لولا أن السينما الفرنسية هي أضعف خيالا من هوليود، والإعلام الفرنسي أقل حرفية من الإعلام الأمريكي.

كتاب السيناريو الفرنسي كانوا بلا ريب أقل خيالا من نظرائهم الأمريكيين، واكتفوا بالنقل الساذج، وحيث كان لا بد من إعطاء وجوه للملثمين حتى قبل نهاية العملية، فقد قدم الأمن ووكيل الجمهورية للإعلام رواية مدعومة بالصور، تقول بعثور الشرطة على بطاقة هوية أحد الأخوين كواش بسيارة سيتروان السوداء، كما ذكر أن أمدي كوليبالي قد ترك قناعه، الذي سمح بالتعرف عليه بتحليل الحمض النووي، وقيل أن أحد الأخوين قد ترك حذاءه وهو يمتطي السيارة بعد تنفيذ العملية.

يذكر من تابع ساعة بساعة الأحداث على القنوات الفرنسية، أن الجميع قد نوه بالحرفية التي أظهرها الملثمون، وقيل أنهم تلقوا تدريبا عسكريا رفيع المستوى، فكيف يعقل لمحترفين أن يحملوا معهم هوياتهم، ويعثر في السيارة المهجورة على رايات للجهاديين، وأسلحة، وكوكتيل مولوتوف؟ وكيف يكون كوليبالي قد ترك لثامه في حين أظهرت صور اقتحام المتجر نفس الشخص وهو يرتدي اللثام؟

الثغرات لم تتوقف عند هذا الحد، فقد راج على الشبكة مقطع فيديو للملثمين بعد خروجهم من مقرشارلي إيبدووهم يعدمون على ما يبدو شرطيا من أصول جزائرية كما قال الإعلام، فيما يظهر المقطع أن العملية هي محض تمثيل، حيث لم يصب الشرطي، ويظهر كيف أن الملثم يطلق الرصاص بالقرب منه بشكل متعمد، ويتظاهر الشرطي أنه أصيب مع غياب ظاهر لأثر الدماء.

وتتواصل الثغرات في الرواية الرسمية في أكثر من محطة، حيث نقرأ بعد ثلاث دقائق من بداية الحادث الخبر بموقع “20 دقيقةالإخباري، وتنشر بعد 10 دقائق صورا لصحفيين ومصورين من القناة الإسرائيليةإي 24″ وهم يعتلون أسطح بنايات قريبة منشارلي أيبدويرتدون السترات الواقية، فيما لم تكن الشرطة الفرنسية قد وصلت للموقع بعد، وتستطيع نفس القناة على الساعة الثالثة ظهر الأربعاء التفرد بنشر أسماء الأخوين كواشي وأمدي كوليبالي.

الرواية الرسمية تسلك بعد ذلك متاهات كثيرة، وتسخر القنوات الإعلامية للتسويق لعملية إرهابية محكمة، تكون قد نفذتهاخلية مدربةنسبت أولا للقاعدة، بالترويج لمعلومة أمريكية ويمنية، تدعي أن سعيد كواشي قد درب باليمن، والتقى بالعولقي، فيما تنقل قناةبي آف آماتصالا مباشرا مع كوليبالي من داخل المتجر اليهودي، يدعي فيه التنسيق مع الإخوين كواشي، وانتماءه للدولة الإسلامية. القنوات نشرت أيضا فيديو لكوليبالي، وهو يرتدي قميصا إسلاميا، يروي فيه تفاصيل العملية، ولا ندري متى يكون قد سجله؟

منذ هذه اللحظة، كان واضحا أن النهاية سوف تكون بتصفية العناصر الثلاثة، إذا لم تكن التصفية قد تمت حتى قبل تنفيذ عمليةشارلي أيبدووأننا بصدد تكرار لعملية اغتيال الشاب مراح، وأن كل ما شاهدناه من صور عن عملية اقتحام المطبعة وقتل الأخوين كواشي، واقتحام المتجر اليهودي وقتل كوليبالي، هو محض فيلم مركب بسيناريو ركيك.

 لنتوقف قليلا عند عملية اقتحام المتجر اليهودي، فنشاهد بوضوح كيف يتجمع عناصر الشرطة الخاصة أمام المتجر، وينتظرون أن يفتح الستار الحديدي للمتجر ـ ولا ندري من فتحه؟ـ ثم نشاهد مجموعة من الرهائن على الأرض، ليتقدم أحد عناصر الشرطة داخل المتجر، ثم نشاهد الملثم وهو يحاول مهاجمة الشرطة، قبلإعدامهوبداية فرار بقية الرهائن ؟

الرواية هنا تمر مرور الكرام عن أكثر من سؤال: كيف فتح الباب هكذا من الداخل، وكيف أن كوليبالي قتل أربعة من المحتجزين وعفا عن البقية، وهو الذي قتل الشرطية البلدية بدم بارد، ثم كيف لم تنشر حتى الآن صورا للمتهمين الثلاثة بعد إعدامهم، كما لا تفسر الرواية لماذا اختار الأخوان كواشي نفس التوقيت للخروج من مخبئهم بالمطبعة، والخروج لمواجهة الشرطة بعد ساعات من الحصار؟

في نفس اليوم الذي نفذت فيه عمليةشارلي إيبدونشرت اليومية الأمريكيةماكلاتشيخبرا منسوبا لجهات أمنية أمريكية يقول: “أن الأخوين كواشي كانا قد جندا من طرف مجموعةخراسانالتابعة للقاعدة بسورية، وكانت نفس اليومية قد كشفت العام الماضي عن هوية الفرنسيدافيد دروجيونودوره داخل تنظيمخراسانالتابع للقاعدة، وقالت أنه عضو بالمخابرات الفرنسية، كما أكد البنتاغون المعلومة واعتبره أحد أهم أهدافه، وفي 6 نوفمبر الماضي أعلنت شبكة فوكس نيوز مقتلدافيد دروجيونبواسطة طائرةدرونوجددت بالمناسبة انتماءه للمخابرات الفرنسية. المقال بتفاصيل كثيرة حول العلاقة بين المخابرات الفرنسية والأخوين كواشي نشر الأربعاء 8 يناير ضمن عرض أقوال الصحف اليومي الداخلي للبانتاغون.

التخبط الواضح في الرواية الفرنسية الرسمية هو في الحد الأدنى مؤشر على وجود أكثر من فاعل في العمليات التي هزت الكيان الفرنسي كما لم يحصل من قبل. ومن الواضح أن طرفا آخر يكون قد نفذ عمليةشارلي إيبدوليس بوسع الحكومة الفرنسية أن تكشفه، كما لم يكن بوسع الإدارة الأمريكية أن تكشف منفذ عمليات 11 سبتمبر، وأن كل ما جرى عقب الحادث هو عملية مركبة، ومسرحية تريد أن تبعد التهمة عن الجهة المنفذة، سواء كانت من داخل الدولة العميقة الفرنسية، أو من الموساد الإسرائيلي، الذي يكون حسب مقال لصحفي من أصول هندية اسمه غوبي شاندرة خاريل وراء العملية، وقد تعرض مقال الصحفي لمقص الرقيب وللحذف من موقعذي أنتيرناسيونال بزنس تايمزذكر فيه بالغضب الإسرائيلي من الموقف الفرنسي الأخير في مجلس الأمن، ومن اعتراف البرلمان الفرنسي بالدولة الفلسطينية.

 

من أهم القرائن التي تبعد التهمة عن المجاميع التابعة للقاعدة أو للدولة الإسلامية، أن الحكومة الفرنسية لم تكن لتجازف بتنقل الرئيس هولاند إلى موقع الحادث بعد 56 دقيقة من وقوعه، وفي الوقت الذي كانالجناةتحت المطاردة، كما لم يكن ممكنا لأي مسئول أمني مسؤول، أن يشجع الحكومة الفرنسية على تنظيم مسيرة الأمس المليونية، وبحضور قرابة 40 رئيس دولة وحكومة غربية وعربية، في وقت يفترض أن التحقيق هو في البداية، ولا دليل على غياب تهديد قد يأتي من خلايا نائمة متضامنة معخلية الإخوة كواشيوحده العلم المسبق بالمنفذ الحقيقي، ووجود يقين أمني من غياب أي تهديد إرهابي داخل التراب الفرنسي، كان يسمح للحكومة الفرنسية بالمغامرة بتنظيم هذه المسيرة، بهذا الحضور الدولي الرسمي رفيع المستوى، الذي له نفس اليقين الأمني من غياب تهديد أمني إرهابي على الأقل في باريس، وإلا ما كانت هذه الدول لتجازف بإرسال قادتها بعد يومين من نهاية واحدة من أخطر العمليات الأمنية في تاريخ فرنسا؟؟؟

مقالات ذات صلة