الرأي

في‭ ‬الأعراف‭ ‬الإجتماعية‭ ‬والعمرانية‭ ‬لسكان‮ ‬منطقة‮ ‬القبائل

عمر أزراج
  • 3225
  • 0

لاشك أن العلاقة بين الفضاء الذي يتربى فيه الشاعر أو الفنان التشكيلي أو المهندس المعماري وبين الإنتاج الإبداعي والفني الذي ينتجه هؤلاء يتميزان بالعضوية والتأثير المتبادل، مما يجعلنا نقول إن بنية الفضاء تلعب دورا محوريا في تشكيل البنية الفنية للقصيدة، أو للرواية، أو للقصة القصيرة، أو للعمل المسرحي. كما يمكن القول أيضا بأن بنية العمل الفني هي انعكاس معدّل لبنية فضاء البيئة التي تشمل أشياء الطبيعة وحياة الناس فيها. لقد تأكدت مرارا من صواب هذه الفرضيات أثناء كتابة القصائد أو أثناء تحليل الأعمال الشعرية لشعراء آخرين باختلاف جنسياتهم وتجاربهم الحياتية والإبداعية. ومن هنا شرعت في تقصي خلفيات البيئة الطبيعية والإنسانية التي نشأت بداخل تضاريسها من أجل استرجاع عناصرها ونفض الغبار عنها وإحياء العلاقة القديمة التي كانت لي معها. وهكذا أصبحت أدرك أن تاريخ الشاعر مؤسس دائما على تاريخ الفضاء الذي كان أو يكون له المسرح الذي يمثل فيه دوره في الحياة. على ضوء تجربتي وجدت “البيت” يحتل مركزا بارزا في الحياة المادية والروحية لأهل منطقتي “أثمليكش”، كما يبرز كموضوعة حميميّة في أشعارهم وأغانيهم وأمثالهم. هناك كان الصغير والكبير يردد هذا المثل: “إذا ملك القبائلي الأموال فاعلم أنه سيتزوج أو يبني بيتا أو يشتري حمارا”. روى لي والدي قصصا كثيرة عن أشكال البيوت المبنية في المنطقة في فترات العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وأكد أنها كانت إما مستطيلة أو مربعة، ونادرا ما تجد بيتا يملك أكثر من طبقة واحدة، وإذا حصل أن بني من طبقتين فإن الجزء العلوي كان يسمى بالأمازيغية “ثيسي” أو العلية باللغة العربية. وتخصص “ثيسي” / العلية دائما لخزن الحبوب والزيتون والشحوم، والمجففات من الخضر والفواكه، وتستخدم أيضا كمكان تتنقل إليه النساء الجميلات المحجبات أثناء استقبال ضيوف غرباء أو عابري السبيل. من مميزات البيوت هناك أن لكل بيت موقداً ويدعى “الكانون” وله فتحة في الجزء العلوي من الحائط كمخرج للدخان. كما أن لكل دار “كنبات” أو “إذكّونان” عديدة تبنى بالطين والحجارة وتستعمل للجلوس والاسترخاء وأحيانا كسرير للنوم بعد وضع جلد خروف عليها. أما السقف فهو عبارة عن مجموعة أعمدة خشبية تمتد من جهة إلى جهة ويوضع فوقها قصب يربط بالسلك ويغطى بنوع من الحشيش ويدعى بالبربرية “أذلس”، ليحول دون دخول الأمطار. أما تاريخ دخول القرميد الإنجليزي، كما يسمى عندنا، إلى المنطقة ليحل محل السقف التقليدي فهو تاريخ حديث جدا ولم يتعمّم إلا منذ سنوات قليلة بعد استقلال بلادنا. ففي اللحظة التي يستبدل فيها أحد السكان سقف القصب والخشب والحشائش بالقرميد الإنجليزي الأحمر فإن أهل القرية سرعان ما يطلقون عليه لقب “الباريسي الذي تنقصه القبعة والزوجة‭ ‬الرومية‮”‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الألقاب‭ ‬التي‭ ‬يقصد‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬المزاح‭ ‬والدعابة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬مبطن،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الشكل‭ ‬غربي‮ ‬والجوهر‭ ‬محلي‭ ‬وأن‭ ‬التناقض‭ ‬بينهما‭ ‬واضح‭. ‬

مقالات ذات صلة