في باريس السياسة تخنق الثقافة
كم نسمع من أصوات داعية إلى الحرية والديمقراطية والانسانية من الغرب، لاسيما من باريس عاصمة الثقافة والحريات، كما يحلو لأصدقائها أن يصفو ..؟؟ وكم يتغنى عبيد الثقافة الفرنسية بالمستوى الانساني الذي تتمتع به الإدارة الفرنسية ؟.. إلا أن الواقع يكذب هؤلاء وأولئك جميعا عندما يدخلون قاعة الامتحان، ويكون الموضوع اسرائيل وجرائمها العنصرية..
في باريس منح رئيس جامعة باريس 8 السيد بسكال بينزاك ترخيصا لمجموعة من طلاب الجامعة لتنظيم ندوة أكاديمية عن سياسة الابارتيد (الفصل العنصري)، التي تنتهجها إسرائيل إزاء الشعب الفلسطيني، احتضان الندوة الأكاديمية التي من المقرر أن تعقد تحت عنوان “مقاربات جديدة سوسيولوجية وتاريخية وحقوقية للدعوة لمقاطعة دولية إسرائيل: دولة أبارتايد؟”.
..إلا أن رئيس الجامعة تراجع عن قراره، الأمر الذي دفع بأكثر من 500 أستاذ وباحث جامعي للإعراب عن غضبهم.. واعتبر الأساتذة والباحثون أن هذا القرار -الذي اتخذ انصياعا لضغوط مارستها هيئتان يهوديتان مواليتان لإسرائيل على بينزاك- ينذر بما أسموه “الخطر البالغ” على حرية التعبير والحريات الأكاديمية في البلاد، ورّد منظمو الندوة على بيسكال أن الأسباب التي قدمها للعدول عن الندوة “غير مقنعة”، مشددين في رسالة مفتوحة وجهوها له على أن رئيس الجامعة خضع لإملاءات مجموعتي الضغط اليهوديتين.
واعتبر موقعو الرسالة -الذين تصدرهم الباحث في علم السياسة فرانسوا بورغات، والأستاذ الجامعي برتراند بادي، وعالم الرياضيات المصري رشدي راشد- أن خطوة رئيس الجامعة تنذر بـ”خطر بالغ على حرية التعبير والحريات الأكاديمية” بفرنسا. وأوضح الأساتذة والباحثون أنهم يدافعون عن حق أساسي يكمن في السماح لأعمال وآراء تستحق أن تسمع ولا تخالف القانون بأي حال من الأحوال أن تناقش في الفضاء العام، وبالتحديد في هذا المكان الرمزي الذي تمثله الجامعة..في الوقت ذاته، أكد منظمو الندوة تصميمهم على تحدي رئيس الجامعة وعقد الملتقى بموعده المحدد داخل الحرم الجامعي.
في فرنسا كما في الغرب عموما هناك خطان أصبح الانفراج بينهما بائنا خط الثقافة وخط السياسة، فخط السياسة المرتبط باللوبيات الصهيونية وأرباب المال وأصحاب الشركات العملاقة والعابرة للقارات، لاسيما مصانع الأسلحة، وسواها من السلع يسير في اتجاه تدمير مقومات وجود أمتنا الحضاري، ويلغي احتمالات الحوار الانساني المفيد .. وهناك خط ثقافي يمثله رجالات كبار في فرنسا والغرب عموما ينحازون إلى الضمير الانساني ولا يترددون في الاعلان عما تمليه عليهم ضمائرهم.
وبين الخطين مسافة بعيدة ..
في الغرب وفرنسا منه عزلة رهيبة ضد المثقفين الأحرار والمفكرين الشرفاء والسياسيين القلائل العقلاء..في الغرب وفرنسا منه لا اكتراث بصراخات المثقفين والمفكرين والأكادميين .. فكلنا يتذكر خروج الملايين في لندن وباريس ومدريد ضد الحرب الثلاثينية على العراق .. وكلنا مطلعون على الرأي العام في الغرب الذي رغم التعتيم والتضليل الرسميين يظهر أن أكثر من 65 بالمئة منه يعتقد بأن اسرائيل هي الخطر الأول الذي يتهدد السلام العالمي.
في فرنسا السياسة تخنق المثقف وإنها معركة حقيقية في الجامعات والنوادي والمراكز، فأين يقف المثقفون العرب والساسة العرب من هذه المعركة الحقيقية التي سيكون لنتائجها دور كبير في مستقبلنا العربي.