في ذكرى اعتلاء العرش
لقد حدثتكم الأسبوع الماضي عن الشعلة الأولمبية وعن جولتها حول المملكة المتحدة والتي تتيح للملايين من الأشخاص فرصة عيش جو الألعاب الأولمبية والاحتفال بكل ما يجعل من بريطانيا مكانا رائعا للسياحة والدراسة والأعمال. وإضافة إلى الألعاب الأولمبية وشبه الأولمبية، فإن السبب الآخر في كون سنة 2012 سنة مميزة بالنسبة للمملكة المتحدة هو أنها تصادف اليوبيل الماسي الذي يقام احتفال بالذكرى الستين لاعتلاء جلالة الملكة إليزابيث الثانية عرش بريطانيا. وحدها الملكة فيكتوريا جلست على العرش لمدة أطول. ولذلك فإنه انجاز مذهل لامرأة تستحق الإعجاب. وبغض النظر عن آرائكم حول مفهوم النظام الملكي، فقلة هم الذين ينكرون حقيقة أن جلالة الملكة خدمت المملكة المتحدة بكل صبر وتفان وكرامة كبيرة فوق كل شيء.
كانت الملكة عند ولادتها يوم 21 أفريل 1926 الثالثة في الترتيب لتولي الحكم بعد إدوارد، أمير ويلز (ثم الملك إدوارد الثامن)، وأبيها دوق يورك، لكن لم يكن متوقعا أن يصبح والدها ملكا أو أن تصبح هي ملكة.
لكنها أصبحت ملكة بالفعل بعد وفاة والدها الملك جورج السادس يوم الأربعاء 6 فبراير 1952. وقد تلقت الخبر، بينما كانت في زيارة إلى منطقة بعيدة بكينيا. وتوجب إلغاء جولتها فانطلقت من كينيا أميرة شابة لتصل إلى بريطانيا ملكةً. استقبلها في المطار رئيس الوزراء ونستون تشرشل وعدة مسؤولين آخرين.
هكذا بدأ حكم الملكة إليزابيث الثانية. وللملكة مسؤوليات مختلفة وهي بالغة الأهمية بالنسبة للمملكة المتحدة. ويمكن تقسيم مهامها بصفة عامة إلى صنفين: قيادة الدولة و”قيادة الأمة”.
كقائدة للدولة، تتكفل الملكة بمهام دستورية وبروتوكولية والتي تطورت على مر ألف سنة من الوجود.
وللملكة مهام داخلية فهي تشارك في نشاطات الدولة البريطانية، إذ عليها افتتاح جلسات البرلمان والمصادقة على قرارات مجلس الشورى الملكي والتوقيع على قوانين البرلمان والاجتماع مع رئيس الوزراء.
كما أن لها مهام خارجية في الدولة بتمثيلها بريطانيا أمام باقي دول العالم، إذ تقوم الملكة مثلا باستقبال السفراء والمندوبين السامين والاجتماع مع رؤساء الدول عند زيارتهم بريطانيا والقيام بزيارات لمختلف الدول تعزيزا للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. قامت الملكة بزيارة الجزائر سنة 1980 وقد التقيت بكثير من الأشخاص الذين لا يزالون يتذكرون هذه الزيارة. كما سرّت الملكة في جويلية 2006 باستقبال الرئيس بوتفليقة الذي كان في زيارة رسمية إلى المملكة المتحدة.
و”كقائدة للأمة” فإن للملكة دورا أقل رسمية، لكنه لايقل أهمية نظرا للمهام الاجتماعية والثقافية التي تؤديها.
ومن بين مهامها: تجسيد الهوية والوحدة والكرامة الوطنية ومنح شعور من الاستقرار والاستمرارية والاعتراف بالنجاحات والانجازات والامتياز ودعم خدمة الشعب، خاصة عن طريق الخدمات العامة والقطاع التطوعي.
وتؤدي الملكة هذه المهام من خلال التزامات مختلفة.
فخلال زياراتها المنتظمة إلى مختلف أرجاء المملكة المتحدة، تقوم الملكة بتمثيل رمز للوحدة والهوية الوطنية.
ومن خلال التزاماتها وجولاتها، تلتقي الملكة بأشخاص من مختلف مجالات الحياة. كما يظهر دور الملكة في ضمان الوحدة الوطنية في علاقاتها المميزة مع مجالس اسكتلندا وويلز غير المركزية.
وبالإضافة إلى ذلك، ففي الأفراح أو الأحزان الوطنية تجسد الملكة علنيا شعور الأمة وذلك مثلا عند الاحتفالات الوطنية بالانتصارات الرياضية أو في يوم الذكرى السنوية للجنود الذين ماتوا في الحرب العالمية الأولى والثانية.
كما أن للمكلة دورا أساسيا في بعث شعور من الاستقرار والاستمرارية في أوقات التغيير السياسي والاجتماعي. في حين أن الأحزاب السياسية تتغير باستمرار فإن الملكة تستمر في القيام بمهامها في قيادة الدولة موفرة إطارا مستقرا يسمح للحكومة بالقيام بإصلاحات مختلفة.
وبفضل ما يقارب الستين سنة التي أمضتها في قراءة وثائق الدولة والاجتماع مع رؤساء الدول والسفراء ومقابلة رئيس الوزراء أسبوعيا، كسبت الملكة خبرة لا مثيل لها والتي استفاد منها العديد من رؤساء الحكومة البريطانية.
وبينما تحتفل الملكة بمضي ستين سنة على اعتلائها العرش بجولة حول مملكتها، نتأمل نحن في التغيرات التي عرفها العالم منذ أن ولدت وإلى أن أصبحت ملكة. لقد شهدت طيلة حياتها وحكمها أوقاتا مليئة بالمآسي والأحزان وأوقاتا أخرى مليئة بالأمل والسعادة الغامرة. ستكون سنة 2012 سنة مميزة بالنسبة لكل من الجزائر والمملكة المتحدة، إذ ستحتفلون في الجزائر بـ50 سنة من الاستقلال. ومع الألعاب الأولمبية وشبه الأولمبية واليوبيل الماسي للملكة، ستكون سنة 2012 سنة مذهلة من الإحتفال بالنسبة لكل الشعب البريطاني وكل من يزور بريطانيا. إنني سعيد بشكل خاص لكوني سفير بريطانيا في الجزائر حاليا لأستمر في تعزيز العلاقات المتميزة بين بلدينا والاستفادة من الفرص المتاحة لنا.