في أدرار
إذا كان بعض الناس قد استزلهم الشيطان فدعاهم فاستجابوا له لإحياء ما يسمونه “نهاية السنة” في مواطن الفواحش والمنكرات، فأنا – بفضل الله وحمده- ممن أغلقوا قلوبهم وآذانهم فلم يستجيبوا لهذا الداعي، بل وفقني الله – عزّ وجل- إلى الاستجابة لما يحييني، حيث قضيت هذه المناسبة في أحد حصون القرآن الكريم في الجزائر، وأعني مدينة أدرار، عاصمة منطقة توات، التي ما ذكرها الذاكرون إلا تبادر إلى الأذهان عبد صالح من “عبد الرحمان”، وهو الشيخ الجليل محمد بلكبير، الذي قضى سواده وبياضه في تعلّم القرآن وتعليمه، فعّالا للخير، دالا عليه، داعيا إلى وحدة الجزائر دينا، وشعبا، وأرضا..
وقد أحسن من دعا وسعى إلى إطلاق اسم هذا العالم العامل على مطار أدرار.
الفضل في هذه الزيارة يعود إلى ورثة أحد طلاب الشيخ بلكبير، الذي أخذ عنه “الكتاب بقوة”، وحمل الأمانة، ولم يؤده حفظها وتبليغها، لأنه قبض قبضة من أثر شيخه في العزم والحزم، وهو الشيخ سالم بن براهيم.
كانت المناسبة هي إحياء الذكرى السادسة لوفاة الشيخ سالم، هذه الذكرى الحزينة التي حوّلها الخيّرون إلى مناسبة لنشر العلم، والتذكير بمناقب الشيخ، وأياديه البيض في نشر كتاب الله، وغرس القيم الدينية والوطنية وقد تكرم هؤلاء الخيرة فدعوني إلى المشاركة في هذا الخير، واستسمنوني فعهدوا إليّ بإلقاء كلمة في “الملتقى الوطني الرابع للشيخ سالم بن براهيم”، الذي اختاروا له عنوانا هو “الرسالة الاجتماعية للمشيخة الدينية… الشيخ سالم بن براهيم نموذجا”.
هذا الرجل العالم العامل له مكانة في نفسي، وكانت تحدثني عنه مساءلة الركبان، حتى التقينا، فلا والله، ما سمعت أحسن مما قد رأيت، حيث انتسبتا مدة إلى وصاية واحدة، هي وزارة الشؤون الدينية، والتقينا عدة مرات في أنشطة المجلس الإسلامي الأعلى الذي كان عضوا فيه، وعرّفني ما لم أعرفه عنه الشيخ الفاضل محمد الزاوي من عين صالح.. كما زرته في مدرسته لتدريس القرآن والعلوم الشرعية في أدرار، التي وصل إشعاعها إلى دول إفريقية كالنيجر ومالي، وأنا أدعو من أتاهم الله من فضله أن لا يبخلوا على هذه المؤسسات التي هي للمجتمعات كالجبال الراسيات للأرض..
وليعلموا بفتوى الشيخ بلكبير “اللّي أدى فرضوا يشد أرضو” أي لا يكثر من الحج والعمرة على حساب فعل الخير في وطنه. وكثيرا ما ردّدت كلمتي وهي: “إن فعل الخير كفعل النحو متعدّي ولازم”، فمن أكثر من الحج والعمرة نفع نفسه إن أخلص، أما من أنفق ماله في ميادين العلم والاجتماع، فقد نفع نفسه وغيره..
لقد تفضل أحد الإخوة – مشكورا- فقادني إلى إحدى قلاعنا العلمية، وهي بلدة تيمنطيط، التي ذكرتني بأحد علمائنا الأعلام، وهو الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي (ت909هـ/ 1504م)، وهو فيما نعلم أول، أو من أوائل، من تنبّه ونبّه إلى خطر اليهود الاقتصادي، ولم يكتف بالتنبيه، وإنما واجه هذا الخطر، وشنّ حربا ضروسا على فسادهم واحتكارهم، وما يزال أخلافهم يتذكرونه إلى اليوم.
أمر واحد لاحظته، وأرجو أن تتسع له صدور الإخوة في أدرار، وهو غياب أخواتنا وبناتنا عن مثل هذه النشاطات المفيدة علميا واجتماعيا، وقدوتنا في ذلك هو أحسن من قذفته رحم وسعت به قدم، صلى الله عليه وسلم..
شكر للإخوة في أدرار، وندعو الله أن يوفقهم ويثبتهم على ما هم فيه من خيري الدين والدنيا.