الرأي

في أولاد سلاّم

أولاد سلاّم بلدة صغيرة تتبع إداريا ولاية باتنة، ولكنها جغرافيا أقرب إلى مدينة العلمة من ولاية سطيف، ولصغر البلدة النسبي، فهي لا تحتوي إلا على مسجد يسمى “العتيق” (!)، ويتطلع السكان إلى مسجد أكبر هو الآن في طور الإنجاز.. وأقرب مدينة كبيرة إليها هي مدينة مروانة.
حللت بأولاد سلام في يوم الخميس 19/9/2024 في منتصف النهار، وبعد قسط من الراحة جرّاء نصب السفر، أديت صلاة العصر في المسجد، وطلب مني السيد الإمام إلقاء كلمة، فذكّرت الحاضرين ببعض جهاد رسول الله – صلى الله غليه وسلم- الذي اقتبست منه الجزائر نصيبا موفورا حتى استحقت لقب “بلد الجهاد”، وسمي أحد أبواب عاصمتها “باب الجهاد”، وصارت كما قال شاعرها مفدي زكرياء: “تصدّر فن الجهاد”.
في صبيحة يوم الجمعة، برمج لي السيد إمام المسجد ومن تفضل، فاستضافني في منزله رفقة سبطي عبد الوهاب وبرمج لي زيارة إلى منطقة جميلة تسمى “ماركوندا” التي لا تحتاج إلا إلى قليل من الاهتمام والعناية لتصبح قبلة للسائحين طيلة العام، فهي حاليا يمكن تسميتها “الجنة الضائعة” كما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، وكان دليلنا في هذه السياحة الجبلية الأستاذ مفتش التربية حمادة.
تقع هذه المنطقة الساحرة بين جبلين من جبال الأوراس الأشم، هما جبل “رفاعة”، وجبل “بوغيول”، وهما وغيرهما من أنحاء الجزائر ما آوى إليه المجاهدون في أثناء جهادنا ضد الغاصبين الفرنسيين، وصدق الشاعر المجاهد محمد شبوكي القائل في قصيده الرائع “جزائرنا” عن هذه الجبال الشامخات الشاهقات: “فهي القلاع لنا والعماد”، و”فيها قهرنا الأعادي في كل واد”..
ومن أبدع ما رأينا صخرة متوسطة الحجم، ومستطيلة الشكل بها فتحة ليست من صنع الإنسان وإنما هي مما أبدعه الرحمن، المتأمل في هذه الفتحة الكبيرة يرى خريطة الجزائر.. فسبحان الله العلي القدير..
وقد توقفنا في عدة أماكن مما كان المجاهدون يحتمون بها لوعورتها، ولما توفره لهم من نباتات يقتاتون بها وأهمها تمر البلوط والصنوبر.. ومما توقفنا عنده عين في هذه المنطقة تسمى “عين الخلد”، وقد تضلّعنا من مائها العذب الفرات السائغ للشاربين.. وعندما أخبرنا الأستاذ حمادة باسم العين وهو “الخلد” تذكرت قول الشاعر الفلسطيني ابن الفكون عن قطعة ساحرة من الجزائر التي جمعت الحسن كله، وهذا القول هو:
يا سائلا عن وصفها إن كنت ذا نصف قل: “جنة الخلد” فيها الأهل والولد.
لقد امتلأت سرورا وحبورا وأنا أرى الكهرباء والغاز والمدارس تملأ القرى والمداشر، وهي نعم حرمتنا منها فرنسا اللعينة ليستمتع بها أبناؤها الذين رغم ما توفر لهم لم يستطيعوا الدفاع عنها، فلجأوا إلى أبناء الجزائر ليحرروهم من ضربات الألمان، ومن قبلهم الإنجليز والإسبان.
شكرا للإخوة في أولاد سلاّم الذين غمروني بحب جارف جعلني أتذكر أغنية المطرب المصري التي يقول فيها: “ماتحبينيش بالشكل دا”.

مقالات ذات صلة