في “أولاد مع الله”
في مكتبتي ثلاثة كُتب تحمل عنوانا مشتركا هو “مع الله”، اثنان من هذه الكتب الثلاثة هما للدكتور أحمد زكي (1894- 1975)، وهو عالمٌ مصري درّس في إحدى جامعات بريطانيا، ورأسَ جامعة القاهرة، وتولّى وزارة الشؤون الاجتماعية، ثم رأسَ مجلة “الهلال” لينتهي قطارُ عمره رئيسا لمجلة “العربي” الكويتية منذ تأسيسها في عام 1958 إلى أن حان حينُه. وقد كان يكتب في كلّ عددٍ مقالين؛ افتتاحي يتناول فيه قضايا سياسية، وثقافية، وفكرية، ومقال ثان تحت عنوان ثابت هو “في سبيل موسوعة علمية” يتناول فيه عجائب صنع الله في ما خلق من مخلوقات، وقد جُمعت هذه المقالات في مجلَّدٍ كبير مزيَّن بالرسوم والصور عنوانه “في سبيل موسوعة علمية”.
أمّا كتابا الدكتور أحمد زكي فهما “مع الله في السماء”، و”مع الله في الأرض”، تناول فيهما بعض آيات الله في أقطار السموات والأرض، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، ويستيقنوا أنّه لا إله إلا الذي خلق المخلوقات وكوّن الكائنات، وليؤكّد مقولة الدكتور كلود تراسموتان: “لقد أصبح الكفرُ مستحيلا”. ومن أهمّ ما يمتاز به أسلوب الدكتور هو الوضوح والدقّة وتبسيط أكثر المواضيع تعقيدا.
وأمّا الكتابُ الثالث فهو ديوانٌ شعريٌّ للشاعر السوري الدبلوماسي بهاء الدين الأميري (1916- 1992)، وقد انتهى به الأمرُ إلى معارضة النظام السوري، ولجأ إلى المغرب الأقصى حتى أقعده المرضُ فنُقل إلى الرياض وهناك التحقت ورْقاؤُه بعالمها الأسمى، ودُفن بوصيّة منه في البقيع بالمدينة المنوَّرة. ولعلاقته بالجزائر عن طريق الأستاذ الفضيل الورتلاني في باريس الذي كان ممثّلا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتقائِه الإمامَ الإبراهيمي الذي زار باكستان في 1953 عندما كان الأمير سفيرا لسوريا هناك، رغب من الإمام الإبراهيمي أن يكتب له مقدّمة لهذا الديوان، وقد نُشرت بخطّ الإمام الإبراهيمي.
لقد افتجأتُ –بلغة من تعرفونها في لحن القول- عندما حللتُ في يوم الأحد الماضي 19- 04- 2026 في بلدة “أولاد مع الله”، بدائرة سيدي علي بولاية مستغانم.. ولكن الفرنسيين الفاسدين المُفسدين لكلّ جميل في الجزائر حرَّفوا هذا الاسم إلى “مْعَالهْ”.
سببُ وجودي في بلدة “أولاد مع الله”، وأنساني اللعينُ أن أسأل عن هذا الاسم، هو استجابةٌ لدعوةٍ كريمة من إمام مسجد سلمان الفارسي ولجنته الدينية، للمشاركة في فعاليات الاحتفال بـ”يوم العلم” الذي يخلّد ذكرى وفاة أعلم علماء الشمال الإفريقي في عصره كما يقول الإمام الإبراهيمي، وهو الإمام عبد الحميد ابن باديس (1889- 1940)، وهو “موقظ الضمائر” كما سمّاه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
لقد زرتُ بعض ما يجب أن يُزارَ كضريح الشيخ المجاهد لخضر ابن خلّوف الذي جاهد الصليبيين الإسبان باللسان وبالسّنان، وخلّد هذا الجهادَ بقصائد رائعة.. ومن عجائب ما يوجَد في رحاب هذا المسجد نخلة كأنّها ثعبان.. كما زرتُ مقبرة شهداء البلدة، وما أكثرهم، وفي مقدّمتهم المجاهد الشهيد رمضان ابن عبد المالك الذي استُشهد في 4 نوفمبر 1954.. كما زرتُ أشهر وأبشع مركز تعذيبٍ حيث رأيتُ ما لا يتخيّله إنسان.. وكان مبرمَجا أن أزور “غار الفراشيش” الذي قتلت فيه فرنسا حرقا جميع من التجؤوا إليه من الجزائريين في أحد أيام 1845.
شكرا جزيلا للإخوة في سيدي علي وأولاد مع الله، وكان اللهُ معهم ومع جميع الجزائريين والمسلمين الشرفاء.