في أي فخّ وقعت روسيا؟
قبل ثلاثة قرون من الزمان وصلت أوروبا إلى دورة حضارية أشبه بالفتنة الساحرة.. وهي: الدخول إلى الثورة العلمية ثم الصناعية وبعدها الانطلاق مباشرة في التنافس على الهيمنة الجيوسياسية على العالم في القرن العشرين.
وبعد وصولها للذروة وجد الغرب عموما نفسه متحضّرا أمام نوعين من الأمم: نوع لم يبدأ بعد حضارته، مثل عدة شعوب إفريقية ولاتينية، ونوع آخر قد خرج من حضارته للتوّ كالحضارة الإسلامية وانهيار آخر خلافة فيها وهي الخلافة العثمانية سنة 1923. وحينها كان من المنطقي أن يمارس الغرب أسلوبين:
الأول وهو منع شعوب ما قبل الحضارة من التحضّر.
والثاني هو منع شعوب ما بعد الحضارة من العودة إلى التحضر.. وذلك عن طريق تسميم المفاهيم المرتبطة بذلك من أمثال:الإحياء، النهضة، الصحوة… إلخ).
أما روسيا فقد كانت في مسار حرج؛ فمن جهة استطاعت مواكبة الغرب في جانب التنافس التقني.. أما من حيث الجانب الثقافي والفكري والذي هو جزء محوري من الهيمنة الجيوسياسية، فإنّ الروس لم يستطيعوا المواكبة. ولهذا، هزمت روسيا السوفييتية أمام العولمة -كبعد ثقافي للهيمنة الغربية- قبل أن تُهزم جيوسياسيا عبر تشضّي جمهورياتها الـ15 في 1991م.
لم تدافع روسيا عن جمهورياتها بل تركتها تتشتّت في التسعينيات.. ولا حدّدت من هو ضدّها الذي تحاربه إذ توهّمت بأن الغرب هو عدوها الوحيد فإذ بها أحيانا تتصادم مع أقرب شريك لها وهو الصين وأحيانا مع شعوب بريئة أخرى كما في سوريا وإفريقيا.. ولا هي حدّدت ما هو هدفها: هل هو العودة للمسرح الدولي فحسب، أم تحييد الغرب وتبوّء مكانه أيضا؟
ولذلك، فإن عودة روسيا إلى التنافس في العشرين سنة الأخيرة جعلها تحاول جسر الفجوة بينها وبين الغرب من جهة ولكن في الوقت نفسه تحاول ترسيخ الفارق بينها وبين الشعوب الأخرى من جهة أخرى.. إذ تسعى إلى منافسة الغرب بتوسيع تحالفاتها وشراكاتها في جغرافيا واسعة من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولكن أيضا لم تشارك معهم التقنيات اللازمة لنهضتها.. وكأنها تحاول استنساخ تجربة الغرب في الهيمنة وتوسيع الفارق بينها وبين تلك الشعوب التي من المفروض أنها شريكة أو حليفة.
ومع مرور الزمن، تفطّن الغرب لهذه السياسة الروسية.. فقام باستدراجها عبر تغيير مقاربته مع تلك الشعوب إذ لم يقدّم لها التكنولوجيات اللازمة ولكن انفتح عليها أكثر من أجل استقطابها في التعليم والبحث العلمي والتكوين.. الأمر الذي سيحيل روسيا إلى مسار حرج تتطلب فيه المزيد من الانفتاح أيضا.. وهذا هو بالضبط ما لم تستطع فعله.. فبين تقاليد محلية ومتطلبات دولية خارجية، لم تجد روسيا من طريقة تجعلها منفتحة ومحافظة في الوقت ذاته. ما جعلها تدخل مرات في أزمات أو توترات حتى مع أقرب الشركاء أو الحلفاء.
لهذا، فإن روسيا إن لم تعترف أخيرا بأن قدرها الجيوسياسي ليس هو محاربة الغرب ولا منافسته، وإنما هو أن تكون جسرا بريا وثقافيا كبيرا من آسيا لأوروبا -أي جسرا أوراسيا- لتأدية دورها التاريخي في الموازنة بين أوروبا وآسيا وكبح جماح أي طرف على الآخر.. إذا لم تعترف بذلك، فلن تجد روسيا نفسها إلا من هوة إلى هوة وتترنح في رقصة متعبة لا هي بالشرقية ولا بالغربية، فقدرها ليس الصدامات نهائيا بل هي جزء من تاريخها فحسب وليس هو تاريخها الوحيد والحصري. إن “حصرية الصدام” بالنسبة لروسيا جعلتها لا تعرف عمن تدافع ولا ضد من ولا من أجل ماذا؟
لم تدافع روسيا عن جمهورياتها بل تركتها تتشتّت في التسعينيات.. ولا حدّدت من هو ضدّها الذي تحاربه إذ توهّمت بأن الغرب هو عدوها الوحيد فإذ بها أحيانا تتصادم مع أقرب شريك لها وهو الصين وأحيانا مع شعوب بريئة أخرى كما في سوريا وإفريقيا.. ولا هي حددت ما هو هدفها: هل هو العودة للمسرح الدولي فحسب، أم تحييد الغرب وتبوء مكانه أيضا؟
هذا باختصار هو الفخ الحضاري الذي سقطت فيه روسيا وتجلى في بداية فقدانها للمسوغات الحضارية لحربها في أوكرانيا. وإذا كانت المسوغات الإستراتيجية مفهومة في البداية والمتمثلة في إبعاد خطوط الناتو عن حدودها، فإن هذه الحرب وبعد مدة بدأت تدخل في مرحلة اللامعنى، وهل هي استنزاف للطرفين معا أم هي سوء تقدير من طرف ما؟ فتكون نهاية حرب أوكرانيا إذن هي أول مرحلة لاستيقاظ روسيا على حقيقة نفسها ودورها في العالم.