-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني

مصطفى فرحات
  • 5040
  • 8
في الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني
ح. م

يُصنّف المشتغلون بالتأليف في العلوم الإسلامية من حيث كثافة الاهتمام بها كتابة إلى علوم أنضجها التصنيف وعلوم أخرى تجاوزت النضج إلى الاحتراق، كناية عن كثافة ما حظي به علم من العلوم من الاهتمام أو قلته.

ويُعتبر موضوع تجديد الخطاب الديني من العلوم التي قفزت إلى مرحلة الاحتراق دون أن تمر ضرورة بمرحلة النضج، لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعة المشتغلين في هذا المجال من جهة، وطبيعة المتلقين له من جهة أخرى.

ولج كثيرون غمار هذا الباب “المُحدث” بعدما قام المستشرقون بالخطوة الأولى بتحقيق المخطوطات وطبعها، موازاة مع تقديم نظرات وقراءات لها من خارج الصندوق.

وتلقى المثقفون المسلمون كتابات المستشرقين بكثير من التوجس والريبة نظرا لالتباس الهاجس المعرفي لدى بعضهم بأغراض استعمارية تحاول فهم طبيعة “الشرق” من أجل إحكام السيطرة عليه بطريقة أفضل.

وخفت صوت الاستشراق ليأخذ جيلٌ من المسلمين أنفسهم زمام المبادرة ويقدمون قراءاتهم الحديثة لتراث قديم، رغم أن كثيرا منهم بقي أسير النظرة الاستشراقية دون الإلمام اللازم بالجانب المعرفي الإسلامي، فلم تحظ أفكارهم بالقبول وسط المجتمعات التي شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبيرة.

ما لم يفهمه كثيرون، من الطرفين معا، هو أن الحاجة إلى التجديد ينبغي أن يكون همّا نابعا من الشعور بالمعاناة الداخلية بسبب الفجوة الحضارية التي حصلت بين الشرق والغرب منذ صدمة الالتقاء بين مدافع نابليون وسيوف المماليك في مصر

بعد ذلك، امتد الفكر النقدي ليشمل أفرادا نشأوا في رحم التوجه الإسلامي، بمختلف أطيافه، اقتضت ظروف لم تكن معرفية بحتة أن يكسروا طوق التنظيمات التي ترعرعوا فيها، فتناولوا بالبحث قضايا تخص الفكر الإسلامي وتأصيلاته، بنفس انتقامي واضح هدفه تصفية الحسابات مع الطائفة أو الجماعة أو الفكرة التي عاشوا في كنفها ردحا من الزمن.

في مقابل ذلك، يتوجس المثقفون “الإسلاميون” من كل محاولات التجديد الفكري وتقديم دراسات نقدية تنظر إلى تراثنا المعرفي من زوايا لم يألفوا النظر عبرها، بذريعة قدوم هذه الأفكار من الضفة الأخرى لعدو واجههم تاريخيا أثناء الفتوحات الإسلامية، ثم في الحروب الصليبية، ثم في فترات الاستعمار، ثم كان حجر عثرة أمام محاولات الاستقلال السياسي بانحيازه لمصالحه الاقتصادية ولو على حساب قيمه الإنسانية التي وُلد هو من رحمها بعد الثورتين الفرنسية والإنجليزية.

وتحول السجال من عالم الأفكار إلى تراشق بالخيانة والعمالة والانهزام الفكري والحضاري أو التخلف والرجعية والانغلاق والتحجر والجمود.

ما لم يفهمه كثيرون، من الطرفين معا، هو أن الحاجة إلى التجديد ينبغي أن يكون همّا نابعا من الشعور بالمعاناة الداخلية بسبب الفجوة الحضارية التي حصلت بين الشرق والغرب منذ صدمة الالتقاء بين مدافع نابليون وسيوف المماليك في مصر.

أما رفع لواء التجديد بدافع الانتقام أو تبرير الانحرافات الشخصية أو تصفية خصومات سياسية أو فكرية فلن يضيء شمعة وسط الظلام الذي نتخبط فيه ولم نتمكن من الاهتداء إلى طريق واضح داخله.

نعاني في عالمنا الإسلامي من مآزق عديدة، منها المأزق السياسي الذي مكّن للاستبداد السلطوي وقمع حرية التعبير والفكر والنقد، ومنها المأزق الاقتصادي لمجتمعات استهلاكية اتكالية لا تؤمن باقتصاد المعرفة، ومنها المأزق الفكري الذي أبعد المجتمعات التي أخفقت في تطبيق الأمر السماوي الأول “اقرأ”، وانكفأت على ذاتها وهي تستبطن “وهم العظمة” وتعيش بين أطلال تاريخ يرسم معالم حاضرها ومستقبلها.

كيف ننظر إلى التجديد إذن؟ علينا أن ننظر إليه كسبيل وحيد للخلاص، لأن الأسئلة التي أفرزها عالمنا اليوم بكل تعقيداتها لا نجد لأجوبتها صدى في كهوفنا التي نحتمي بها تدينا أو خوفا أو جهلا.

علينا أن نعترف أننا نعيش مشكلة كبيرة، بل مشكلات قد تعصف بوجودنا كله، لأننا لم نعرف بعد كيفية التعامل مع تاريخنا الملغّم بالصراعات والتناقضات، ويأبى الناطقون باسم الله في مجتمعاتنا (من مختلف الأطياف والتوجهات) إلا استنساخه اليوم ليوجّهنا ويملي علينا تصرفاتنا ومعتقداتنا كما فعل من قبل.

التراث الذي نفتخر به هو مصدر قوتنا بما يحمله من غنى إنساني يمثل فسيفساء ثقافية وفكرية واجتماعية، لكنه في الوقت ذاته نقطة ضعفنا. هو “كعب أخيل” الذي يتسلل منه الفناء إلينا إن لم نتعامل معه بما هو أهلُه: نتاجا بشريا متأثرا بالزمان والمكان

وعلينا أن نعترف بعقم الترقيعات التي استعملناها لرتق الفتق الذي يتسع كل يوم، وجعلتنا أمام مأزق التوفيق بين ما يريده الله منا وما تريده الحياة، وكأننا لن نرضي طرفا إلا بإغضاب الطرف الآخر.

من رحم المعاناة تبزغ الحاجة إلى التجديد، ومن رحم الشعور بالأزمة الداخلية التي نعيشها تتولد الأسئلة التي تبحث عن إجابات. ويبدو لي أننا قد نلتمس ضوءا في النفق عندما نعترف – ويعترف شيوخنا – بحقنا في طرح الأسئلة التي نريد، ثم نبحث عنها في فضاءات المعرفة المتشعبة، مستفيدين من تجارب من عاشوا المعضلات ذاتها وإن اختلفت في مظاهرها.

التراث الذي نفتخر به هو مصدر قوتنا بما يحمله من غنى إنساني يمثل فسيفساء ثقافية وفكرية واجتماعية، لكنه في الوقت ذاته نقطة ضعفنا. هو “كعب أخيل” الذي يتسلل منه الفناء إلينا إن لم نتعامل معه بما هو أهلُه: نتاجا بشريا متأثرا بالزمان والمكان، وبما نحن أهلُه: كائنات مُكرّمة تبحث عن اطمئنان كاطمئنان نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي لم يحجزه الاصطفاء الإلهي عن طلب اليقين وفق المنطق البشري.

ما نملكه من تراث يشبه القنبلة الموقوتة الجاهزة للانفجار، والانفتاح على آفاق المعرفة التي لا جنسية لها ولا لون يجعلنا خبراء في تفكيك القنابل التي تصيب شظاياها البشرية كلها. أما تجاهل ذلك، فلن ينتج سوى مستبدين يجيبون عن الأسئلة بقطع ألسنة السائلين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • بدون اسم

    المشكلة ليست في الخطب الدينية المشكلة واضحة وضوح الشمس ولكن من يظنون أنفسهم نخبة هم للنعامة أقرب لن تقوم لأي أمة قائمة وهي تحت افستبداد والديكتاتورية سواء غيرت خطبها الدينية درست أم لم تدرس تراثها فالإستبداد عدو النور عدو الحياة عدو الحرية عدو كل شيئ ما عدا الهلاك والبؤس والدمار والخراب والقتل والإجرام فهي بيئته المناسبة التي ينمو فيها هنا يجب التجديد وإلا التبديد هو المستقبل

  • بدون اسم

    ما علاقة فكر مالك بن نبي بأركون ففكرهما لا يلتقيان ولا يمتزجان فهما كالماء والزيت بل هما بعيدين عن بعضهما كبعد الثريا (مالك بن نبي) عن الثرى (أركون)

  • واحد

    بوك وتراث الرياضة الذي يفسد العقول ويضعها في اجسام سليمة ظاهرا و و و تراث الاقتصاد والمال الذي فرض علينا وعلى العالم منذ 1944 وبوتن وودس و و و
    ولكن المتفيقهين والرويبضة اليوم يوجهون تجديدهم لتراث ديننا الذي عاش به نبينا عليه السلام وصحابته الكرام اما ما ذكرت آنفا فهو عندهم مبني على أسس صلبة ومتفق عليه ولا يجب تجديده. لو ان صاحب المقال درس العقيدة الصحيحة (عقيدة التراث نعم) لما انخدع هو الآخر. فالتجديد والعقل عطل في الميادين التي يجب ان يكون فيها ( ذكرتها آنفا) ووجه وفعل في الدين والله المستعان

  • واحد

    السلام عليكم
    المقال مستبصر ولكن صاحبه جعل محوره التراث فأخطأ وانتحر
    تراثنا ليس بكعب أخيل ولا نقطة ضعف يا هذا
    اذ لم لا ولن يحتاج الى تجديد الى يوم قيام الساعة
    انما هي العقول القاصرة والفاسدة التي ليس لها القدرة على فهمه واستيعابه لان اصحابها ينظرون للحياة وما حولهم بالعين المجردة لا بعين البصيرة ويحكمون عقولهم فيما يصلح حالهم بأمر بارئهم
    ولو انهم حكمو عقولهم لتجديد تراث المناهج التعليمية في المدارس والجامعات وتراث المناهج التربوية في البيوت والاماكن العامة التي تغلغل فيها تأثير الشاشات و الفايس

  • ابن القصبة

    هؤلاء الذين قلدوا محمد الجابري وأركون...انتقدوا كل شيء، حتى القرآن الكريم يقرؤونه قراءة نقدية، بل طعنوا في الكثير من نصوصه، لكنك تجدهم مع من يرون أنهم متنورون كالميت بين يدي مغسله، نصوصهم مسلمة، وأفكارهم مقدسة، ومن يعترض عليهم فهو متخلف رجعي. ظنا منهم أن هذا هو النضج الذي ينبغي أن يبلغه المتعلم كي يواكب التطور المذهل الذي توصل إليه غيرنا.
    لو تعامل هؤلاء بمبدأ واحد -أعني مبدأ النقد-مع الجميع لأدركوا أن محمد الجابري يدعو للعلمانية تحت عباءة "مراجعة الثرات".كما يقول المفكر الكبير محمد عمارة وغيره

  • ابن القصبة

    في ظل التطور والتكنولوجيا التي وصل إليها العالم، والتي غابت عن بنائها أمة الإسلامية والعربية، لم يجد الذين يسمون أنفسهم "النخبة"، "والمفكرين" ما يشاركون به العالم المتحضر إلا النبش في الثرات، والتمرد على المبادئ والمسلمات، ليكون لهم اسم في الحياة يزاحم أسماء المخترغين والمبدعين.
    ونحن ندرك أنها ردة فعل ممن انفصمت عندهم شخصيتهم الدينية والثقافية، كما تأثرت قبلهم بعض الشخصيات في مطلع القرن الماضي بالفكر العلماني.
    والذين تأثروا بهذا الفكر ماهم إلا مقلدة جمعوا مجموعة من شبهات الجابري وأركون.. يتبع

  • القردة الثلاث

    السعودية وعملائها بالجزائر
    حاربو مالك بن نبي سابقا ومحمد اركون حاليا
    ومنحو ودعمو اصناف كعلي بلحاج
    أين كنت يا مصطفى
    اليوم من بقي يستمع للخطب الدينية القديمة والحديثة
    التكنولوجية والعلم وتطور العقل الانساني هو من يخطب ويخطب صح
    انتهى زمن المشعوذون

  • محمد

    يبدو لي المقال كحضارة اندلس تحيي السمر ليلا وتدرس الفلك صباحا وتحفظ القران ظهرا وتمارس الفروسية عشية..ماكان ينقصنا في اسبانيا عدالة اجتماعية تكفل للجندي حق الراحة مثل واجب العمل وللمدرس حق النقد كواجب البناء الفكري..اماالاسلام اليوم فهوفي عنق الزجاجةالتي ادخلته فيهامجموعة من الامراءانذاك كان لهم اهداف الامارةالربانية بوسائل بدائيةاي استعمال حق النسب والارث الملكي في تسيير شؤون الرعية التي فاق علماؤها ملوكها في الحوكمة والرشاد..واليوم تحت ظل دستور جمهوري يكفل انشطة فكرية سياسية ثقافية اين العدل.