الجزائر
واجهة للإشعاع الديني والعلمي ومنارة للاعتدال

في الذكرى الثانية لافتتاحه.. “جامع الجزائر” عامان من العطاء!

مريم زكري
  • 206
  • 0

تمر سنتان على افتتاح جامع الجزائر.. صرح حضاري جمع بين أصالة الماضي وإشعاع الحاضر، وفضاء نابض بالحياة والفكر والروح، احتضن التاريخ وعانق المستقبل… وعلى مدى عامين من العطاء المستمر، تحول الجامع إلى منارة وطنية تجمع بين التراث والثقافة المعاصرة، وقدم نموذجا حيا للوسطية والاعتدال، معززا رسالة الجزائر في الدفاع عن هويتها الثقافية والدينية… وجسرا حضاريا ربط الجزائر بالقارة الإفريقية والعالم الإسلامي… في الذكرى الثانية لافتتاحه، يقبل جامع الجزائر على مرحلة جديدة، تكون أكثر جدية وتميزا بعد الاستفادة من تجربة السنتين الماضيتين.

تجاوز “جامع الجزائر”، خلال سنتين من تأسيسه، دوره التقليدي كفضاء للعبادة، وأصبح منصة علمية وفكرية مفتوحة على محيطه الوطني والدولي، حيث ظهر بقوة في مجال البحث العلمي وتنظيم الملتقيات العلمية ذات البعد الحضاري والإنساني، وهو توجه انسجم مع المرجعية الدينية الوطنية، حيث مكّن الجامع من استقطاب اهتمام الباحثين والدكاترة والمفكرين من داخل الوطن وخارجه، كما فتح آفاقا واسعة للنقاش العلمي الرصين حول قضايا فكرية ودينية معاصرة، تمس واقع المجتمعات الإسلامية والإنسانية عموما، فتحول إلى فضاءات تفاعلية تجمع بين الخطاب الديني المستنير والبحث الأكاديمي التطبيقي، في مقاربة تراعي التحولات العالمية وتستشرف المستقبل.

الذكرى الثانية.. أمانة الحاضر والمستقبل

احتضن “جامع الجزائر”، في الذكرى الثانية لتأسيسه والتي تزامنت مع المنتصف من شهر شعبان، فعاليات احتفالية استثنائية جسدت روح الصرح ومكانته في قلب كل جزائري، تميزت بعروض وثائقية رقمية نقلت الزوار عبر الزمن، لتسرد مسيرة الجامع، من حلم الأمة إلى منارة للعلم والثقافة والوسطية، وفي رحاب المركز الثقافي، تألقت الفنون الإسلامية من خلال معرض الخط العربي والزخارف والمنحوتات المعمارية.

مشروع ماستر ودفعة من الطلبة الأفارقة قريبا  

بينما احتضنت القاعة جلسات ذكر وتأمل أضفت على المكان أجواء من السكينة والروحانية العميقة، ولم يقتصر الاحتفال على البعد الروحي والثقافي، بل شمل مراسم استلام المكتبات الوقفية التاريخية، وتوقيع اتفاقيات تعاون دولية مع جامعات مرموقة مثل جامعة “الزيتونة” في تونس والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، لتؤكد أن الجامع أصبح منصة للبحث العلمي والحوار الحضاري، ورمزا لإشعاع الجزائر على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شهدت الاحتفالية مشاركة واسعة من كبار المسؤولين وممثلي السلك الدبلوماسي، والمشايخ والأئمة والأساتذة والطلاب، وبالموازاة مع ذلك، تم افتتاح سلسلة المعارض بمتحف الحضارة الإسلامية، التي تجسد هوية الأمة في كل زاوية وكل كتاب وكل مخطوط محفوظ بها.

باحثون دوليون في ملتقيات وندوات علمية

وفي هذا السياق، عرف “جامع الجزائر” تنظيم سلسلة من الملتقيات والندوات العلمية الدولية على مدار 24 شهرا من الافتتاح، عالجت محاور متعددة شملت الدراسات القرآنية، والفكر الإسلامي، وكذا الحوار بين الأديان، وقضايا الهوية والانتماء، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء من جامعات جزائرية وإفريقية وعالمية.

هذه الملتقيات شكلت لبنات أساسية في مسار علمي طويل المدى، يهدف إلى جعل الجامع مركز إشعاع علمي حقيقي، يساهم في إنتاج المعرفة وتبادل الخبرات، كما ساهمت هذه اللقاءات في تعزيز حضور الجزائر العلمي والثقافي على الساحة الدولية، خاصة في القارة الإفريقية، التي باتت تمثل محورا استراتيجيا في رؤية “جامع الجزائر”، من خلال فتح نقاشات علمية مشتركة حول القضايا الدينية والثقافية التي توحّد شعوب القارة وتخدم مستقبلها المشترك.

الذكاء الاصطناعي في خدمة التراث المخطوط

احتضن “جامع الجزائر” سلسلة من المبادرات العلمية والثقافية التي جسدت دوره الريادي في ربط التراث الإسلامي واللغة العربية بالتحول الرقمي والابتكار التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي ودور التحول الرقمي في خدمة لغة القرآن، بمشاركة باحثين وخبراء في مجال الحوسبة والتكنولوجيا، حيث تم عرض مشاريع رائدة لتسخير الذكاء الاصطناعي في حوسبة التراث المخطوط، وتحليل النصوص القرآنية، وتطوير أدوات تعليمية مبتكرة تحافظ على أصالة المحتوى العربي، وتحمي التراث المخطوط من الاندثار والتزوير، وتربط الذاكرة الحضارية بالمجتمع المعاصر لتصبح الجزائر من خلال جامعها منارة للعلم وحاضنة للابتكار في العالم العربي والإسلامي.

أول دفعة دكتوراه في العلوم الكونية

أسدل الستار منذ أزيد من شهرين على تخرج أول دفعة من النخب العلمية الجديدة من مختلف التخصصات في العلوم الكونية بدار القرآن، التابعة للمدرسة العليا للعلوم الإسلامية والمراهنة من خلالها على تكوين الباحث الجامعي المتكامل.

وفي السياق أكد عبد القادر بن عزوز، مدير دار القرآن بـ”جامع الجزائر”، أن مرور عامين على افتتاح دار القرآن شكّل محطة مهمة لتقييم التجربة، خاصة أن الانطلاقة كانت في ظرف زمني وتربوي مليء بالتحديات، مشيرا إلى أن المؤسسة استطاعت، رغم حداثة عهدها، أن تفرض وجودها تدريجيا ضمن المشهد العلمي والتكويني.

وأوضح بن عزوز أن الدراسة انطلقت فعليا سنة 2024 بتخصصات متعددة، بعد تسخير نخبة من الأساتذة من مختلف ولايات الوطن، إضافة إلى أساتذة متعاونين، وهو ما سمح بضمان تكوين نوعي يجمع بين العلوم الإسلامية المعروفة وتخصصات معرفية مكملة.

وأشار المتحدث إلى أن دار القرآن تبنت منذ البداية رؤية مختلفة في التكوين، تقوم على المزج بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والمعرفية، مثل علم الاجتماع، والاقتصاد، وتاريخ الرياضيات، وحتى العمارة، معتبرا أن الجزائر تزخر بمخطوطات علمية قيّمة، خاصة في مجالات الرياضيات، لا يمكن تحقيقها إلا من طرف باحثين يمتلكون تكوينا مزدوجا يجمع بين الشرعي والتخصص الدقيق.

طلبة أفارقة بدار القرآن قريبا

وشدد بن عزوز على أهمية البعد المعماري في التكوين، موضحا أن الهدف هو إعداد باحثين ودكاترة في العمارة يحملون رؤية حضارية، تعيد للسكن روحه ومعناه في ظل ما تشهده المدن الحديثة من فقدان للخصوصية والجمالية التي ميّزت العمران الجزائري التقليدي، خاصة في مدن مثل غرداية وأدرار وبشار.

وكشف بن عزوز أن طلبة هذا التخصص أنهوا المرحلة النظرية، وهم اليوم في مرحلة البحث العلمي، حيث سجّل عدد منهم تقدما معتبرا في أعماله، على أن تجرى أولى مناقشات الدكتوراه فور استكمال الإجراءات المعمول بها في وزارة التعليم العالي.

كما أعلن المتحدث عن قرب استقبال دفعة جديدة من الطلبة بعد الانتهاء من المقابلات الشفوية، مؤكدا أن الدفعة الثانية ستضم طلبة من دول إفريقية، من دون تحديد عدد دقيق، لكنه قد يتراوح في حدود الثلاثين طالبا، بحسب ذات المتحدث.

وأضاف مدير دار القرآن، أن المؤسسة تعمل حاليا على استكمال مشروع الماستر، الذي من المرتقب أن ينطلق مع بداية السنة الجامعية القادمة، وسيكون بتصور خاص يجمع بين التكوين المحلي والأبعاد الإفريقية والمتوسطية والعربية، مؤكدا أن مرحلة التأسيس كانت صعبة بطبيعتها، غير أن العمل متواصل بروح نقدية بناءة، معربا عن تفاؤله الكبير بمستوى الطلبة، مشيرا إلى أن القادم سيكون أفضل، كلما تراكمت التجربة وتقدّم المشروع العلمي.

أشواط في خدمة الشعائر وترسيخ رسالة الاعتدال

بالمقابل، كشف الدكتور، عماد بن عامر، مدير الفضاء المسجدي بـ”جامع الجزائر”، أن هذا الصرح شكّل، منذ افتتاح “جامع الجزائر”، أحد أول المرافق التي باشرت نشاطها الفعلي، باعتباره الأقرب إلى حياة المواطنين اليومية، من خلال ضمان إقامة الشعائر الدينية على مدار السنة، من صلاة ورفع للآذان وإقامة للجمع والأعياد.

وأوضح بن عامر أن الفضاء المسجدي استطاع، خلال السنتين الماضيتين، أن يحقق تقدما معتبرا في أداء مهامه، حيث تم الحرص على ضمان إقامة مختلف الشعائر الدينية بانتظام، بما في ذلك صلاة التراويح وصلاة التهجد خلال شهر رمضان، في أجواء تنظيمية وروحية تعكس مكانة “جامع الجزائر” ودوره الديني.

وأشار المتحدث إلى أن نشاط الفضاء المسجدي لم يقتصر فقط على أداء الشعائر، بل تعداه إلى المساهمة في نشر الخطاب الديني المعتدل القائم على الوسطية والاعتدال، والمحافظ على المرجعية الدينية الوطنية، وأضاف المتحدث أن “جامع الجزائر” أصبح قبلة لشرائح واسعة من المجتمع، داخل الوطن وخارجه، حيث يستقطب اهتمام المواطنين، إلى جانب متابعة متزايدة من الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، فضلا عن اهتمام لافت من زوار من دول عربية وإسلامية وحتى من غير المسلمين، الذين يتابعون ما يُقدمه الجامع من أنشطة دينية وثقافية.

وفي حديثه عن الآفاق المستقبلية، أكد الدكتور، عماد بن عامر، أن الفضاء المسجدي مقبل على مرحلة جديدة مع دخول السنة الثالثة، سيتم خلالها تقييم التجربة السابقة وتدارك النقائص، والعمل على تطوير الأداء والارتقاء بمستوى التنظيم والخدمات، حتى يكون الفضاء في مستوى تطلعات المواطنين والدور المنوط بـ”جامع الجزائر”.

       العام الثالث.. أكثر تميّزا واستقطابا دوليا

من جهته، أكد الدكتور موسى إسماعيل، رئيس المجلس العلمي، أن “جامع الجزائر” حقق خلال السنتين الماضيتين خطوة كبيرة ومهمة على مستوى الحضور والتأثير، سواء داخل الوطن أو خارجه، مشيرا إلى أن المؤسسة الدينية أصبحت محط اهتمام واسع من المواطنين، خاصة من ولايات العاصمة وضواحيها، عبر متابعة مختلف الأنشطة الدينية والثقافية والعلمية التي يحتضنها الجامع.

وأوضح الدكتور، موسى إسماعيل، أن الخطاب الديني الموجه من خلال “جامع الجزائر” يقوم على الوسطية والاعتدال، مع الحفاظ على المرجعية الوطنية، بل ويتجاوز ذلك إلى الانفتاح على قضايا أوسع تهم المجتمع.

برامج للأطفال والفنانين والشعراء

وأشار المتحدث، إلى أن خصوصية “جامع الجزائر” تكمن في تنوع برامجه، حيث تستهدف مختلف الشرائح الاجتماعية، من الأطفال إلى كبار السن، ومن المثقفين إلى عامة المواطنين، وفي شتى المجالات، مضيفا أن الفنان يجد فضاءه داخل الجامع من خلال المعارض والإنتاجات الفنية، كما يجد المثقف والشاعر مكانه أيضا.

وفي حديثه عن المرحلة المقبلة، أكد رئيس المجلس العلمي أن “جامع الجزائر” مقبل على مرحلة جديدة مع الدخول في السنة الثالثة، ستكون أكثر جدية وتميّزا، بعد الاستفادة من تجربة السنتين الماضيتين، مشيرا إلى أن النتائج المحققة إلى حد الآن موجودة وملموسة، خاصة على الصعيد الإفريقي والدولي، مع العمل على تفعيل البعد الإفريقي بشكل أكبر.

كاشفا عن وجود عدة اتفاقيات تم توقيعها أو يجري التحضير لها، لاسيما مع جامعات ومراكز ثقافية في أوروبا والعالم العربي والآسيوي، مع توجيه خاص نحو البلدان الإفريقية، بهدف فتح جسور تعاون في الجانبين الديني والثقافي، وبأبعاد تاريخية ومصيرية مشتركة، وأن العمل متواصل لجعل “جامع الجزائر” منارة دينية وثقافية ذات إشعاع وطني ودولي.

مقالات ذات صلة