-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في الذّكرى الثانية للطّوفان: عُذرا رجال القسّام!

سلطان بركاني
  • 406
  • 0
في الذّكرى الثانية للطّوفان: عُذرا رجال القسّام!

كنّا نتمنّى أن تعود ذكرى السابع من أكتوبر، والأمّة تمخر عباب طوفانها وتشدّ من أزر رجالها ليطهّروا لها أقصاها، ولكن مع كلّ أسف فالخذلان أمسى سيّد الموقف، ورجال الأمّة الذين حاصرهم الأقارب قبل الأباعد، يُدفعون لقبول خطّة تجرّدهم من سلاحهم وتأخذ منهم أرض العزّة لتسلّمها لقوم باعوها بثمن بخس وكانوا فيها من الزّاهدين!

كان طوفان الأقصى ملحمة تستحقّ أن تخلّد على صفحات التاريخ بأحرف من قوة وعزّ وجرأة. في يوم ظهر فيه الكيان الصهيونيّ على حقيقته، وبدا على غير ما يروّج له الإعلام بأنّه دولة قوية ومتماسكة واستخباراتها يمكن أن ترصد النملة الصغيرة في أيّ شارع عربيّ! ظهر أنّه كيان مرعوب ومهزوز، تماما كما قال الله: ((لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)).

كان نداءً في الأمّة ولم يكن عملية استعراضية!

لم يكن طوفان الأقصى عملية استعراضية دفع شعبُ غزّة ثمنها باهظا، كما يروّج له المرجفون في الأمّة، إنّما كان عملية مدروسة تنادي في الأمّة أنّ بيت هذا “الكيان” أوهى من بيت العنكبوت، فهُبّوا أيها المسلمون إلى مقاومتكم فانصروها، وإلى رجالكم فأسندوا ظهورهم.. لكنّ الأمّة –إلا ما رحم الله منها- تجاهلت الرّسالة وصمّت الآذان عن النّداء! وظلّ أبو عبيدة –تقبّله الله- يخطب في الأمّة مستنفرا أمّة المليارين لتفدي أرضها المقدّسة وتطهّر مسجدها الأقصى، حتّى رحل وفي صدره حسرة خانقة لأمّة مكبّلة بأغلال وأثقال!

كثير من المرجفين الذين ينظرون إلى الحياة على أنّها أكل وشرب ومُتع، يزعمون أنّ الفلسطينيين كانوا قبل طوفان الأقصى في أمن وأمان وسلامة واطمئنان، ولكنّ “حماس” هي من جلبت لهم الحرب والدّمار والتقتيل! ولو كان هذا هو الواقع حقيقة، ما جاز للفلسطينيين وللأمّة من خلفهم أن ترضى بالحياة الدّنيا من الآخرة، وترضى بأن تأكل وتتمتّع كما تأكل الأنعام في ذلّ وهوان وأرضها المقدّسة يحتلّها اليهود، بل حتّى لو لم تكن فلسطين محتلّة ما جاز للأمّة أن تركن إلى الدّنيا، وترضى بأن يتسلّط على هذا العالم شرار الخلق والمفسدون في الأرض..كيف وفلسطين تئنّ تحت وطأة احتلال صهيونيّ بغيض؟ كيف وأكثر من 77 % من أرض فلسطين المباركة يحتلّها شرار خلق الله؟ كيف والمسجد الأقصى يهوّد وتتواصل الحفريات تحت أساساته وتدنّسه العصابات الصهيونيّة؟!

رجال الأمّة في غزّة، لم يطلقوا طوفان الأقصى ليستعرضوا قدراتهم، وإنّما لينبّهوا الأمّة إلى الخطر الماحق الذي يتهدّد أرض فلسطين ويتهدّد القدس والمسجد الأقصى المبارك.. كثير ممّن يوجّهون ألسنتهم الحداد إلى حماس أنّها جلبت القتل والدّمار لغزّة، لا يدرون أنّ الصهاينة قتلوا في الفترة بين العام 2000م، وسبتمبر من العام 2023م، أكثر من 11300 فلسطيني، وجرحوا أكثر من 156 ألفٍ. ويتجاهلون أنّ في سجون الصهاينة أكثر من 9900 أسير بينهم 29 امرأة حرة!

المرجفون في الأمّة يغضّون أبصارهم عن مخطّط التهويد المستمرّ والمتسارع في السّنوات الأخيرة، ويتعامون عن أنّ الضفّة الغربيّة في طريقها لتضمّ إلى الكيان الصهيونيّ، وقرار الضمّ قد اتخذ قبل طوفان الأقصى. كما أنّ قرار احتلال غزّة كان قد اتخذ منذ سنوات! وقد رأى العالم أجمع كيف وقف رئيس وزراء الكيان الصهيونيّ أمام الأمم المتّحدة في سبتمبر 2023م، وهو يحمل خارطة الكيان المحتلّ تشمل أرض فلسطين كلّها بما فيها الضفّة الغربية وغزّة المباركة!

بلغ الصهاينة من العلوّ مدًى لم يبلغوه من قبل في تاريخهم، 900 قرار أصدرته الأمم المتّحدة منذ العام 1948م، لم يرفع الصهاينة رأسهم بقرار واحد منها. وبلغ الأمر إلى حدّ أنّ السفير الصهيونيّ لدى الأمم المتحدة وقف أمام الأمم المتحدة في أكتوبر 2021م ليمزّق تقريرا أعدّ حول الانتهاكات الصهيونية في فلسطين! أمّا مسار التسوية الذي ارتضاه بعض المطبّعين منذ 1993م، فقد وصل إلى طريق مسدود بسبب استمرار عمليات التهويد، واستهزاء الصهاينة بالمفاوضات!

المرجفون في الأمّة يغضّون أبصارهم عن مخطّط تهويد المسجد الأقصى الذي بلغ مراحل متقدّمة قبيل طوفان الأقصى! فالكيان المحتلّ لم يعد يقف عند حد الاقتحامات الرمزية، بل بلغت به الجرأة إلى حدّ تنظيم حفلات رقص وغناء ورفع للأعلام داخل ساحات الأقصى المبارك. وفي الأيام الأخيرة، وخلال احتفال الصهاينة بمناسبة رأس السنة العبرية الذي وافق هذا العام 23 و24 سبتمبر 2025م، اقتحم المسجدَ الأقصى أكثر من 1300 مستوطن! ويوم الخميس الماضي اقتحم مستوطنون باحات المسجد الأقصى بحراسة مشددة من شرطة الاحتلال الصهيونيّ لإحياء “عيد الغفران”!

طوفانٌ.. بعد سبع عجاف!

من يوجّهون سهام الانتقاد إلى حماس، يتناسون أنّ قطاع غزّة قبل الطّوفان وعلى مدار 16 سنة منذ العام 2007م، يُعاني حصارا صهيونيا خانقا. خاصّة بداية من العام 2013م، حين تمّت الإطاحة بالرئيس المصريّ محمّد مرسي –رحمه الله- ليشتدّ الخناق على أهل القطاع بعدها، ويضيق الطّوق على المقاومة، وتصدر الأوامر بإغراق الأنفاق بين مصر وغزّة، وقد اعترف وزير البنى التحتية والطاقة الصهيونيّ بتاريخ 6/ 2 /2016 م بأنّ مصر غمرت الأنفاق على حدودها مع قطاع غزة بالمياه بناءً على طلب من “إسرائيل”؛ ومع هذا القرار التاريخي في سنة 2016م، بدأت السبع العجاف (2016- 2023م) (!)، التي لم ينقطع فيها التحريض ضدّ كتائب المقاومة التي مُنع عنها السّلاح، ومعه اشتدّ الحصار على سكّان القطاع!

يلومون حماس أنّها استنفرتهم لنجدة الأقصى!

بعد كلّ هذا الذي حاق بالأرض المقدّسة وبغزّة وكتائب المقاومة، هل تلام حماس أنّها نادت في الأمّة أن هبّي يا أمّة الإسلام لإنقاذ فلسطين والمسجد الأقصى؟ لو كانت الأمّة حيّة، لكان السابع من أكتوبر يوما فارقا في تاريخها. ولكن مع كلّ أسف قوبل طوفان الأقصى بتعاطف معنويّ من الشعوب، وقوبل بالخذلان وحتى الخيانة والتآمر من طرف بعض الدول المسلمة. ووجد رجال المقاومة أنفسهم يخوضون معركة الأمّة وحدهم، بل قد فوجئوا ببعض المسلمين يتآمرون عليهم مع الصهاينة، وشهد العالم كيف أنّ بعض دول المسلمين كانت تمدّ الصهاينة بالسلع والمنتجات الاستهلاكية في خضمّ الحرب، وتعقد معهم صفقات مليارية، بل إنّ بعض دول المسلمين، ساهمت في شحن السلاح إلى الكيان الصهيونيّ عبر موانئها، وبعض الدول حرّضت الكيان الصهيونيّ على إنهاء وجود حماس أيا تكن الفاتورة!

وحين كانت فاتورة الحرب فادحة في الأرواح، بدأت أصوات المرجفين تتوالى وتتعالى تلقي باللائمة على حماس التي كان كلّ ذنبها أنّها استغاثت بالأمّة لتنقذ أقصاها وأرضها المباركة، فلم تكتف الأمّة بخذلانها والتآمر عليها، حتى راحت تلومها وتحمّلها مسؤولية أكثر من 66 ألف غزّاوي مسلم حصد الكيان الصهيونيّ المجرم أرواحهم بضوء أخضر أمريكيّ!

لا سلام من دون سلاح

وها هي الأمّة الآن، إلا من رحم الله منها، تضطّر حماس لتقبل بكثير من بنود خطّة ترامب التي أريد لها أن تحقّق للكيان الصهيونيّ بالمفاوضات ما لم يستطع تحقيقه بالإرهاب! ليتحوّل ترامب الذي أمدّ الصهاينة خلال عامين بكلّ أنواع الأسلحة ليحوّل غزّة إلى مقبرة جماعية، ودافع عنهم في الأمم المتحدة، ومنع صدور أيّ قرار يدين إجرامهم؛ يتحوّل هذا “المجرم” إلى عرّاب سلام!

إنّهم يريدون للمقاومة أن تلقي بسلاحها وتسلّم القطاع لسلطة دولية تتواطأ مع الكيان الصهيونيّ ليحقّق حلمه في ضمّ الضفة والقطاع! يريدون لرجال الأمّة أن يسلّموا أسلحتهم ويتركوا القطاع يحكمه توني بلير، ليرجع الاستعمار الذي بذلت الأمة مهجتها لتخرجه!

إنّهم يريدون للمقاومة أن تسلّم سلاحها، والعالمُ أجمع يشهد والتاريخ يشهد أنّه لم توجد أمّة سلّمت سلاحها فسلمت، كلّ أمّة سلّمت سلاحها ذبحت من الوريد إلى الوريد. والفلسطينيون بالذات يذكرون ما جرى عليهم في العام  1982م، حين خرج مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد حصار دام أشهرًا، وسلّموا أسلحتهم تحت إشراف دولي وضمانات لحماية المخيمات والمدنيين، ليُجنّبوا المدنيين ويلات الحرب؛ فلم يمض شهر حتى كانت مذبحة صبرا وشاتيلا في المخيمات الفلسطينية التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 3500 فلسطيني على أيدي المليشيات النصرانية المدعومة من طرف الكيان الصهيونيّ!

المرجفون يجرّمون “أسطول الصّمود”!

كما جرّم المرجفون في الأمّة طوفان الأقصى، كذلك جرّموا أسطول الصّمود الذي شاركت فيه 44 دولة، بينها دول مسلمة كالجزائر والمغرب وتونس وليبيا، وكان الهدف منه كسر الحصار عن قطاع غزّة.. المشاركون فيه كانوا يعلمون أنّهم ربّما يتعرّضون للاعتقال والتنكيل من طرف كيان مجرم لا يرعى قيمة للقوانين الدولية، ومع ذلك أصرّوا على المشاركة ليقولوا للعالم: ما يحدث في غزّة إجرام.. أحد المشاركين من دولة غربية، سجّل مقطع فيديو يقول فيه إنّه ترك أبناءه وهو يحبّهم، لأنّه لا يريد لهم أن يعيشوا في عالم يسكت عن الجرائم التي ترتكب في حقّ بشر يعيشون في غزّة.. هذا ما يقوله رجل لم يعرف الإسلام، وربّما لو عرف الإسلام على حقيقته لما تردّد في اعتناقه، بينما بعض المسلمين يلومون إخوانهم المشاركين في أسطول الصّمود ويشكّكون في نياتهم ويسلقونهم بألسنة حداد ويتشفّون بهم!

طوفان الأقصى كشف كثافة ونتانة الدّخن الموجود داخل الأمّة، وعرّى المرجفين الذين يعيشون بيننا ويُوضعون خلالنا بحرب المصلحين والمجاهدين. وها هو أسطول الصّمود يثبت مرّة أخرى حقيقة أنّ هناك يهودا أصليين، وهناك يهودَ قبلة من بني جلدتنا يصلّون إلى قبلتنا ويتكلّمون بألسنتنا، ولكنّ مواقفهم وكلماتهم في صالح أعدائنا.

عُذرًا كتائب القسّام!

بعد كلّ الخذلان الذي قوبل به رجال المقاومة في غزّة، فإنّه لم يعد من حقّنا أن نلومهم في أيّ قرار يتّخذونه.. هم قد أدّوا ما عليهم وأعذروا إلى الله أمام أمّة خذلتهم. أمّة تريد أن تعيش حياتها، فتأكل وتلبس وتتمتّع بدنياها. أمّة لم تفهم بعدُ أنّ حياة الدّعة والأكل والشّرب والنّوم لا تجلب العزّ، وأنّ طريق النّصر والعزّ والتّمكين لا يطرق بالأيدي الملساء النّاعمة، إنّما يطرق بالأيدي الخشنة المضرّجة بالدّماء.. فمعذرة رجال القسّام. معذرة رجال أحمد ياسين. أردتمونا أن نكون أعزّة بديننا وقضيتنا، رجالا بمواقفنا، ولكنّنا أبينا إلا أن نكون أذلّة بإخلادنا إلى دنيانا! ناديتم في الأمّة لتنقذ أقصاها، ولكنّ أقصى سعيها كان أن تدعو لكم على مواقع التواصل!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!