الرأي

في الميلية وما حولها

زرتُ مدينة الميلية مرتين أو ثلاثا في أثناء ذهابي أو إيابي إلى مدينة قسنطينة ومنها إلى مدينة جيجل، فالمدينة تكاد تتوسّط بين الحاضرتين، فلم أعرف الميليلة جيدا، ولم أعرف ما حولها من بلدات وقرى.

وفي يوم السبت 14/ 02/ 2026، عدتُ إلى الميلية وجُستُ خلالها، فانعقد لساني لما رأت عيناي من جمال خلّاب للألباب، وزاده جمالا ما كان يشرحه لي دليلي، وهو الأستاذ مسعود بولجويجة ابن المنطقة والعارف بأسماء بلداتها وتاريخ رجالاتها.

كان الداعي إلى هذه الزيارة هو السيد رئيس بلدية غبالة، التي تُسمَّى “بلد التين والزيتون”، وذلك لإحياء ذكرى وفاة الشيخ مبارك الميلي الذي سبق الأستاذَ محمد الشريف ساحلي خرّيج جامعة السوربون بثلاثين سنة ونيف فيما سمّاه: “تحرير التاريخ” من أساطير الفرنسيين وأكاذيبهم، إذ كتب في نهاية العشرينيات من القرن الماضي: “تاريخ الجزائر في القديم والحديث”، الذي عدّه الإمام ابن باديس “حياة الجزائر”، ولإحياء مناسبة “يوم الشهيد”، خاصة أنّ مدينة الميلية تضمّ أكبر مقبرةٍ بها أكبر عددٍ من الشهداء وهو 1500 شهيد، وإحياء ذكرى ثورة أولاد عيدون.. ولما كنتُ أسرّح الطرف في تلك الجبال الشاهقات، تذكّرتُ قول الإمام الإبراهيمي عنها وعن أهاليها: “إنها كانت أوّلَ من أسلم وآخرَ من استسلم”، وكانت تلك الجبالُ الشمّاء والغابات الكثيفة أحد أهمّ مراكز قيادات الولاية الثانية.

وفي أثناء ذهابنا من الميلية إلى بلدة غبالة توقّفنا (الدكتور قسّوم والأستاذ مسعود بولجويجة وأحد الأساتذة وعبد ربّه) في مقبرة للترحّم على الأستاذ محمد فارح الذي أطلِق عليه وصفُ: “فارس اللغة العربية”.. وقد تعرّفنا على من لم نعرف من أسماء علماء المنطقة إضافة إلى من عرفناهم من قبل مباشرة أو سماعًا.

وقد توقفنا في المكان المسمى “الرمامن”، لكثرة الرمّان به، حيث وُلد الشيخ مبارك الميلي.

عُقد اليوم الدراسي في المركز الثقافي لمدينة غبالة، وضاقت قاعتُه الرئيسة بالحضور الذين كان كثيرٌ منهم واقفين.. وقد حضر هذا اليوم ثلاثة رؤساء دوائر هي الميلية وسطّارة وسيدي معروف، وألقينا كلماتٍ حول الشيخ مبارك ويوم الشهيد بما سمح به الوقت، وقد زيّن هذا اليوم تلاميذُ المنطقة بألبستهم الخضراء والبيضاء والحمراء، وبما أتحفوا به الآذان بعذب الألحان.

تشرّفنا بإلقاء كلمات في مسجد صلاح الدين الأيوبي عن معاني الصيام وعن معاني القرآن الذي أنزله الرحمن في شهر الصيام، وزرنا المكان الذي اشتراه من سمّته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين “أمير المحسنين” وهو محمد خطاب، وكان فرعا لمعهد الإمام عبد الحميد ابن باديس، وقد هُدّم لإعادة بنائه.

وكانت خاتمة الرحلة ندوة في المسجد العتيق الذي زاره علماء الجمعية الكبار، وما يزال هذا المسجد يحتفظ بالكرسي الذي درّس عليه هؤلاء الأعلام.. ومن أغرب ما في المسجد لوحة فسيفسائية اكتُشفت في منطقة سيدي معروف ووُضعت في أحد جدران هذا المسجد محافظة عليها.

مقالات ذات صلة