في بيوتنا معاقون أصحّاء!
شاب في مقتبل العمر، يتمتع بكامل صحته، يستيقظ صباحا أو ربّما يتأخر للضحى ويترك فراشه دون ترتيب، يغير ملابسه ويتركها متناثرة في أي ركن من البيت وينصرف، يجد الطعام الجاهز بين يديه فيأكل، ولا يكلف نفسه ولو مرة عناء تنظيف وترتيب الطاولة أو غسل كوبه وصحنه.. لماذا يفعل ذلك؟ فأمه ستتولى الأمر. أما هو فسيخرج إلى شؤونه ليعود وقت القيلولة أو في آخر النهار فيجد نفس الخدمات المجانية، ثم يسافر مجددا إلى عالمه البديل عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو ربما يشاهد فيلما أو ينام إن كان متعبا (الوضع لا يختلف كثيرا مع البنات.)
مهلا.. صاحبنا هذا ليس عاملا، حتى لا يتصور أحد أنه يعود إلى أهله مرهقا محملا بمستلزمات البيت، أو يدسّ في نهاية اليوم بعض الدريهمات في يد والدته أو والده، فصاحبنا كما هو ملاحظ لا يحمل في يديه سوى هاتفه المحمول، وليس في جيبه سوى سماعاته التي لا يكاد يريح منها أذنيه. وغالبا ما يحدث العكس، أحد والديه هو من يضع في يده مصروفه اليومي.
ليس هناك أخطر من أن تكون مأساتنا في إخراج جيل اتّكالي معاق رغم سلامته الجسدية والذهنية، وهنا يجدر بنا طرح السؤال: من يتحمل مسؤولية هذه الظاهرة؟
هذا المشهد المتكرّر تقريبا في كل بيت من بيوتنا، يلخّص انتكاستنا الأسرية والاجتماعية، ويدلّ على أن هناك خطأ مشترك في تربية الأبناء، فما لاحظته شخصيا أن العديد من الآباء والأمهات يحملون فكرة ” ما حُرِمنا منه في صغرنا، لا يجب أن نحرم منه أبناؤنا ”
ومن هنا تبدأ المبالغة في تدليل الأبناء، دون وعي بنتائجها، هذا من جهة، من جهة أخرى تطغى عليهم ظاهرة التقليد الأعمى بحجة أن الزمن تغير وطريقة التنشئة التي نشؤوا هم عليها لم تعد مجدية مع أبنائهم. فتجدهم يسعون إلى تقليد بعضهم فيكلّف متوسط الحال نفسه من أجل أن يوفر لأبنائه مستوى معيشيا مضاهيا لأبناء الأثرياء.
أما الأمّ فتتقن فنّ التدليل المبالغ بامتياز، فهي التي تعلّم أبناءها منذ طفولتهم على الإتكال عليها وترضى لنفسها أن تكون ربوتا لخدمتهم على مدار اليوم، وتحمل عنهم أبسط وأخفّ الأعباء التي يمكن أن ينجزوها بمفردهم.
ولا يتوقف تفويض الأولياء أنفسهم لخدمة أبنائهم ماديا فحسب، بل يتعدونه إلى حلّ مشاكلهم البسيطة، كاللجوء على سبيل المثال إلى الوساطة واستجداء الأساتذة من أجل مساعدتهم على النجاح في الدراسة، أو حلّ تمارينهم المدرسية بدلا عنهم… وهذه الحال أثمرت جيلا تعتريه الهشاشة في شخصيته، فيتأخّر في نضجه، ويخشى تحمّل المسؤوليات في أي مجال من مجالات الحياة.
يجمع علماء النفس على أنّ الحاجة والدافع هي روح الحياة، والأبناء الذين يوفر لهم أولياءهم كل شيء ويحملون عنهم كل عبء، لا يجدون الحاجة التي تخلق لديهم روح الإرادة والطموح والتحدي، ويكبرون عاجزين عن تحمل مسؤولية أنفسهم في أبسط الأمور فضلا عن مسؤوليات أكبر. وتؤكد الأخصائية في علم النفس ” سيلفيا ريم” أن الثقة بالنفس لدى الطفل تتكون عندما يتقبل مخاطر المحاولة والتحديات في حياته، ويختبر بعد مواجهة هذه الأخطار مهارة حل القضايا والاستقلالية في اتخاذ القرارات.