الرأي

في تفكيك الخطاب السلفي: رؤية معرفية !

الشروق أونلاين
  • 3388
  • 9

يتجاذب واقعَنا الفكريَّ توجهان لا يخفى ما بينهما من تباعد وتناقض: فبينما ينحو الأول منحى التفاتيا ينسحب بموجبه من الراهن،يطير الثاني إلى مستقبل لا يملك إلا المثالية والتجريد، على أساس من قطيعة تبحث عن مبرراتها في السكونية التي ترزح تحتها المجتمعات الشرقية عامة، والعربية الإسلامية خاصة.

 

يشمل التوجهُ الأولُ كلَّ من له عناية بالماضي، أو له مشغلة مع الحاضر، لا فرق في ذلك بين المثقف الذي لازال يفكر بمنطق القرن الثاني للهجرة، والباحث في تاريخ الأفكار الذي لازال يسكنه صخب الجدال في عقائد الفلاسفة وهوياتهم، والأديب الذي لازال يجد أوعيته في لغة سلفه وحدها،والمتدين الذي لازال يستفتي منظومة فقهية بينه وبينها أكثر من حاجز.

الصنف الأخير هو الذي يستوقف، لانتشاره بوصفه ظاهرةً طغت على الوضع طغيانا لا خفاء به، وانتقلت من مجرد ظاهرةٍ لبوسُها دينيٌّ، وسلوكياتها انفصامية محكومة بمرجعية الدين، إلى ظاهرة اجتماعية جَرَّت إليها اهتمامَ كل مُلاحظ، تحت تسمية لافتة: السلفية! 

تتجلّى أهميةُ الكتابة في هذا الموضوع، وتظهر دواعيها في وجوب النظر إلى الظاهرة بمنظارٍ لا يحجب الفحص عنها، فهي ليست كما يدّعي أصحابها بمنأى عن المحك النقدي. كما تتجلَّى أهمية ذلك في صدقيّة المعايير الفكرية التي بها نقبل أو نرفض ظاهرة تحتكر الحضورَ وتتسلّط على الرقاب؛ وآخر معالم الأهمية مناقشةُ وصايتها واحتكارِها تمثيليةً فكرية وسلوكيةً لا تحوز على الأصح لا مسوّغاتها ولا أدلّتَها. فعلى ذلك نمضي وبهدي منه يكون النظر في جهاز يريد أن يكون بديلا معرفيا، أساسه الاستفراد بالحقيقة. 

ولأن علاقتنا بالموضوع، كما العلاقة بالوجود، معرفية تستدعي جملة من المساءلات ومن الأجوبة الحتمية انطلاقا من تحديد الظاهرة بسياقاتها ومكوناتها، بأطرها المرجعية وبآفاقها القريبة والبعيدة، بات لزاما النظر في خطابها بما هو عنوان وجودها، نظرا أساسه معرفيّ يتحرك بالمنهج الذي تقوم عليه، من الداخل، وبالمنهج الذي يخترق آفاقها، من الخارج. إننا نعني بالأساس المعرفي جملةً من الأدوات بها تتمّ معرفة مكوّنات الظاهرة، وتحديد أهميتها في أبنيتها العميقة وفي تراتبيتها حتى تتم هيكلة النقاش وترتيب مراحله؛ ثم تأتي بعد معرفة المكوّن معرفةُ الوجهة التي اتخذها الخطابُ بهذه الأدوات ليتسنّى الحكم على الظاهرة سلبا والحكم لها إيجابا؛ وبعدها الانتهاءُ إلى مشروعية بقاء الظاهرة ضمن النظام المعرفي الشامل الذي تريد أن تكون مظهره الوحيد. 

 .

  الصياغة الإشكالية:

لا يتيسر فهم الظاهرة السلفية إلا بمنهج، ينظر جزء منه إلى داخلها، ويتناولها بوصفها إطارا فكريا يقوم على أصول ذاتية تدعي السلفيةُ لها جذورا قديمة، وينظر الجزء الآخر إلى خارجها، أعني إلى السياق العام البعيد، الذي استضافها بوصفها ظاهرة تقف وراءها ظروف وبواعث مختلفة. بناء على هذا المنهج، بثنائيته هذه، يمكن مساءلة الظاهرة على النحو التالي:

1) ما الذي فرض السلفية موضوعا للتفكير، والتحليل، والتبرير في بعض الحالات، والاختلاف بما يعطي انطباعا بأنها نظام معرفي مستقل بذاته، محقق لشروط وجوده في سياق كوني يتعالى على الأقليات بجميع أشكالها؟

2) هل السلفية مَدينةٌ، في الاهتمام بها، لطرقها في الاستدلال على مرتكزاتها، أم للنقد الذي أَشْرَعَ مَنافذَه عليها ومَنَحَها شهادةَ ميلادٍ بعد أن لم تكن شيئا يُذكَرُ في الظواهر السارحة في فضاءات الفكر والدين والاجتماع؟

3) ما مبلغ السلفية من الصواب في دعواها تمثيل الماضي واستدعاء تجلياته، وهل منهجها في ذلك هو المنهج الذي يقطع الطريق على غيرها كلما تعلق الأمر بالتواصل مع الموروث؟

4) منظورًا إلى بواعثها، هل تعتبر السلفية الجديدةُ ظاهرة عابرة، أعني آنية، مآلها هو مآل غيرها من الحركات التي كان انطفاؤها أسرع من إيقادها من زناد التشدّد والانحياز المتطرف، أم أنّ لها من مرجعيات الأصول ما يضمن امتدادَها في الزمان بما لايُقْدَرُ على صدِّهِ؟

5) كمحصّلة لما سبق، هل السلفيَّةُ هي بطبيعة خطابها منتِجٌ للتطرُّف ومَخْبَرٌ لمشتقاته، كالعنف الجسدي، أم نتيجةٌ للتطرّف المضاد كاللادينية، أو التديّن المغشوش الذي تعتبره الوجهَ الآخر للادينية؟

 .

السلفية: الخطاب …..

لا أراني معنيًّا، في الجدل المستعاد اليوم، بمحمولات لفظ “السلفية” اللغوية والتاريخية، لأنها ليست أكثر من وصف استخلصته لنفسها جماعة ترى فيه المشروعيةَ لما تنفرد به والمشروعَ لما تهدف إليه، على أرضية فكرية ليس فيها ما يَلفِتُ إلاّ بريق الألفاظ وإلاّ صخب الأوصاف.

أما السلف فلا مراء في وجوده في مستقرّه البعيد، حيث هو عنوان على جيل يحيط به تاريخُه الديني والاجتماعي بما يحجزه عمن يريد أن يقتات من موائده ويعيش على آثاره، كما هو حاصل في ظروفنا الحديثة؛ وأما ما يضاف إليه من فكر لم يتسنَّحْ به إلاَّ جهاز تأويلي مخذول بالقدرة عليه، محمول بأهوائه إلى غير مقتضيات الانتماء الصحيح، فلم تزده الياء الصناعية في “السلفية” إلاّ بعدا من المنابع وقربا ممّا يقوله الحق سبحانه: ” فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ …” (مريم/59).

منْ هنا مطاوعةُ الوصف لا لوجود الموصوف مواطئا لحقيقة النعت، ولكن لذيوعه فيما يشبه الأخطاءَ الشائعةَ التي تدور على الألسنة مُعْرِبَةً عن الصواب الضائع بنفس إعرابها عن الخطإِ المكرَّس والشطط المقدَّس.

بين هذا وذاك ينبغي التساؤل عن الحيّز الذي تشغله الظاهرة وكل ما تستدعيه من اهتمام، في عصر تهتمُّ فيه أممُ الأرض بالعولمة بجرائرها وجوائزها.

خلل مفهومي، ليس أكثر، لا تدل ضبابِيَّتُهُ على أهميته، ولا يشير انفتاحُهُ على الافتراض والاحتمال ووجه التقريب إلاّ على الأحادية والصمم والارتجال.

لا يكاد واحد من الشُّطَّار يفهم اليوم احتكارَ “السلفية” هذه لثوبٍ لا تريدُ مدَّهُ، مع أن الذين يواسعونها فيه أشتات من طوائف تختلف مواردها باختلاف مصادرها؛ فللاعتزال الجديد سلفية تَصَّعَّدُ إلى واصل بن عطاء وأذنابه، وللشيعة الجديدة سلفية محنَّطَةٌ تدير حياتهم في أدق تفاصيلها بما يقطع وصالهم بالقرن الحادي والعشرين، ولبقايا الطوائف سلفية تكيّفها بحسب الموقع الذي تريد احتلاله وبالنظر إلى النهايات التي تتغيَّاها!

مَنْ مِنْ هؤلاء أَحَقُّ بالسلفية؟ ماذا في خطاباتهم جميعا يحيلُ إلى الحق الذي يُنْشَدُ فيُعْثِرُ على نفسه في طوايا ما يقولون وفي ثنايا ما يفعلون؟

تسجن السلفية نفسها في بؤرة الماضي لأنّ تلك ترتيباتها في إقصاء غرمائها الفكريّين، فاحتكارها للماضي المشترك بينها وبين غيرها يحمل في طيّاته إرادةَ الاختصاص به من دون الآخر. الآخر، هذا الهاجس الذي يحيي فيها ذهنية الفرادة وعقلية المضاربة الفكرية.

حدا أسلوب السلفية هذا ببعض الكتاب إلى تشبيهها والحركات الإسلامية عامة ــ في انغلاقها داخل نرجسيتها ــ بالجماعات التلمودية التي تنكفئ على نفسها دفعا لغيرها، وتعلق حضورَها على غياب سواها لعجزها (عن مواجهة مشكلة التعددية) ، فالتوراة في نظر التلموديّين مُهَيِّئَةٌ لمركزيتهم بما يعطيهم مشروعيةً لا تُنازَعُ لأنها تختبئ بالأصل الذي لا يُرَدُّ وترتفع به إلى الأعلى الذي لا يُطاوَل. يقول محمد حاج حمد هذا الكلام، على ما فيه من نظر، على أساس من مقارنة تُظهِر بُعْدَ السلفية ومن لفَّ لفَّها عن الإجماع الذي تدّعيه، ومفارقتَها الاستتباعَ الذي تتحجَّجُ به والمصداقيةَ التي لا تجدها عند غير المسحورين بها.

أن تغلق على نفسك بخطاب في دائرة فهمك يعني أنك تمنع غيرك من المطارحة فيه؛ ولا غرابة فـي إننا عندما نبحث في الماضي وحده ما يناسب الحاضر، فإننا نستسلم لقراءة انتقائية بامتياز، للماضي، ونخون في ذات الوقت التاريخ الحقيقي، لمّا نضع بدله تاريخا تَقِيًّا مواطئا للمقتضيات السياسية لراهننا

تريد السلفية بأسلوبها هذا أن تكرّس نخبوية ليست لها، وأن تتعالى بأعمدة تحسبها أجنحةً وما هي بتلك، لأن النخبوية في صميمها لا تعني الانطواء داخل ذهنية إقصائية تنأى عن واقع تفارقه إلى واقع لا تبلغه، وتنفصل عن واقع يطلبها للتبصر لتتصل بواقع يرفضها لمثاليتها.

مهما كان من أمر ومهما يكن، فإنها في محلها من المنظومة الدينية ليست أكثر من أقليةٍ تتوارد بأسلوب الأقليات التي تعيش على دفع الشُّبَهِ المحيطة بتاريخها وبوجودها العام، والتي تريد أن تحتاط لنفسها ممّا هو محلّ ريبةٍ وتوجّسٍ ونفور، لا ينفعها من ذلك الاهتمامُ بها ظاهرةً يَعْلَقُ بها كلُّ ما هو نشازٌ ودخيلٌ على المجتمعات التي تَطْرَأُ عليها، ولا يشفع لها أن يكون من أتباعها النطيحةُ وما أكل السبع!

هذا يعني أن السلفية تفرض نفسها وسيطا معرفيا بين الماضي والحاضر، بين الموروث والماثل، مما يعني تحريف ما لا تستطيع أن تقرأه بعيون الحياد على الأقل. من عزّ هذه الوسطية، الإشكالية على كل حال، ينجم رفض للحاضر بجميع أشكاله، لأنه في نظر السلفية شيء خارج عن ملكيتهم، فالهيمنة فيه، بمعناها الفكري والسياسي وحتى بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي، هي للآخر (غير المسلم، أي المسلم المشمول بتكفيرهم) وليست لهم، وعليه فصدُّ الحاضر صارف إلى الوراء من جهة، ومن جهة ثانية هو معلم من معالم وجودها.

 .

….. والبواعث        

مهما كان الأمر، فإن ثَمَّ مجموعةً من البواعث دفعت بالسلفية إلى الظهور، ولصقت بمختلف تجلياتها في المسارح التي دأبت على الظهور فيها، يمكن تلخيصها فيما يلي:

أــ بواعث وجودية، فردية وجماعية، تتلخص في مشكلات الهوية التي يعانون منها، فالترحال إلى الوراء، تحت رداء السلفية، هو عنوان العري من وسائل مواجهة الحاضر بجميع رهاناته، وأمارة إفلاس حضاري تحت غطاء الإحيائية الباعثة لأمجاد السالفين. فالذي لا يستطيع أن يعطي لوجوده معنى، ولا يتمكن من صناعة أفق أنطولوجي لذاته، من الطبيعي أن يلتمس ما يراه حقيقةً قابلةً للاحتكار في أفق معرفي يتجاوزه زمنيا ويكبره معرفيا. هذه القراءة للسلوكيات السلفية تبعث على الوقوف على مشكلة الهوية لديهم، فليست هي بأقل حدّةً من تلك الموجودة لدى غيرهم؛ فكلّما طرحت هذه المشكلة بمختلف تنويعاتها، في الفضاء الإسلامي وفي غيره، طرحت معها النزعة الاختبائية السكونية التي تعمر الصدورَ الملتفتة إلى ماضٍ لا تملكه وحدها؛

ب ــ بواعث سيكولوجية تتعلق بالتغطية على العجز المسجّل في اقتراح البدائل الروحية التي يحتاج إليها إنسان الحاضر، كما تتعلّقُ بمجموع العُقَد التي يعاني منها مَنْ هذا وضعُهُ، في سياق المقابلة مع الخيارات الحضارية التي تتنازع مكانا في الواقع الإنساني العام؛ فيعمل كل منها على افتكاك مكانٍ يبرِّرُ وجودَه، ويزكي حضورَه. يمتد هذا إلى العقدة من المجاور في النظام الديني والمعرفي، من تيارات مختلفة، والتي تملك من وسائل الحضور ما قد يغطي على السلفية ويزحزحها من السباق على احتلال مكانة في الوعي العام. كما يمتد إلى الوسائل النفسية التي تهيب بها في سبيل بلوغها غاية الريادة واحتكارها، وإلى النتائج التي تنتهي إليها بتلك الوسائل؛ أما خاتمة العُقَد فهي عقدة التملك، فكأن لا أحد معنيٌّ بالانتماء الحقيقي إلى الإسلام غير السلفيين، وبتسلط عجيب يقطعون الطريق على كل ذي نزوع ــ وإن تجريديا ــ إلى الإسلام دينًا ونظامَ حياةٍ، وكأني بمن ينزع إلى ذلك مُطَالَبٌ باستئذانهم وأخذ الرخصة منهم. قَوَّى هذا الباعثَ السيكولوجي امتلاكُ السلفية وسائلَ ماديةً ثبَّتَتْ شوكتَها ومكَّنَتْها بين الجماعات المخالفة لها، فلم يُثَبِّتْها قوةُ خطابِها وسدادُ منظارها ولكن ما معها من أدوات الترهيب والحرب على كل مخالف.

ج ــ بواعث معرفية خلاصتها أحاديةُ الفهم وارتجال التأويل، مع مشكلة حقيقيةٍ مع النص، كحاصل لذلك. مع السلفيين، قبل العقلانيين والعقلانيين الجدد، تطرح مشكلة التعامل مع النص (المقدس) التي تتجاوز الإطار المرجعي للتأويل، وتقصي احتمالية التعددية الدلالية، وتنبو عن حرية التوليد السيميائي بشروطه؛ مع حتمية نصب الحواجز أمام الكونية التي ينطوي عليها النص المقدَّس الذي هو ــ فيما يُفتَرَضُ ــ أرضيتُهم منطلقا وانتهاءً.

الغريب أنهم مهندسو قداسةٍ تجاوزت المقدّسَ نفسَه، فقراءتهم ــ بإجرائياتها وأدبياتها الجامعة لأشتاتها ــ هي المُقدّسُ البديل عن الأصل. فلنصوص أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية، وابن القيم الجوزية، وأبي بكر بن الجوزي، ومحمد بن عبد الوهاب، ومحمد علي الشوكاني، ورشيد رضا، وسيد قطب وناصر الألباني (مع الفوراق الضرورية بين سلفيات هؤلاء جميعا)… لنصوص هؤلاء قداسة لا يقترب منها حتى النص المؤسِّس: قرآنا مؤصِّلاً وسنةً شارحةً!

 .

مشكلة المنهج:

الحديث عن الرؤية السلفية ( على فرض التسليم بوجودها ) يجرّ حتما إلى الحديث عن منهجها؛ فأخذا من عنوانها الأظهر، ومن تطبيقاتها على السلوكيات وعلى النصوص، تتجه السلفية إلى إلغاء الروحانية وإقصاء العقلانية بما لايبقي لهما حيّزا في معادلتها القيمية، وبما لايجعل منها ــ خصوصا ــ فضاءً لإنتاج المعرفة حقيقًا بالتيارات الكبرى!

أما أنها مخبر لإنتاج المعرفة، فهذا ما لا يمكن العثور عليه في مكوناتها، لأن اهتمامها الأول هو استِتْبَابُها على حساب المعرفة نفسها، ومركزيتها على أرضية لا تؤمن بالمشاكلة إطلاقا، وأحاديتها في التشريع لطرق النظر ولأدوات الاستدلال بما يقطع عليها الطريق إلى كل منجز معرفي يمكنها أن تفاخر به!

في صميم كلِّ تشريعٍ جانبٌ روحانيٌّ يرقَى بالنصوص إلى مرجعيتها الغيبية، ومن ثَمَّ أهميةُ اختراقها حياةَ الناس وتفاعلاتها الاجتماعية، وفي نفس هذا الصميم تجاوز التاريخانية لإلزاماتها الزمنية ومحدوديتها.

غير أن التصور السلفي يتجاوز ذلك لا ليؤسس عليه ما هو أمكن في التقعيد للمعرفة، ولكن لينزل به إلى غياهب التعطيل المعرفي الذي لا يرى في المرجعيات الغيبية إلا عوامل السكونية والانسحاب من الواقع؛ ويزيد على أطروحات أعداء الروحانية دعوى تحريف المضامين والذهاب بها مذهب الإفلاس العقدي.

هكذا حَملتْ على عاتقها شطبَ جهودٍ مضنيةٍ أَنْفقَ فيها أصحابُها المخزونَ الذي وفّروه بثمنه، واستثمروا ما عاشوه من العمر في سبيل التنوير الذي يعزّ أن يتأتّى من غير مأتاهم، وليس غريبا ــ من هنا ــ أن تصادف في الأدبيات السلفية تجريحَ ابن فورك، واتهامَ الباقلاني، وتجريمَ الغزالي من المتقدمين، والكيل بنفس المكيال ليوسف الدجوي، وزاهد الكوثري، وسلامة القضاعي من المعاصرين، كما تصادف “سخاء” الوصف بالضلالة والبدعة والمنكر في حق من لا يرقى شكٌّ إلى استوائهم ومَنْ لا يُبَرِّرُ النيلَ من أشخاصهم شيءٌ من عُرْف ولا دين.

وفي صميم كل تشريع جانبٌ عقلانيٌّ يؤطر المضمونَ المعرفي، ويوائم بينه وبين المرجعيات، ويعمل على استلال الفروع من الأصول، ويضع الجسورَ كما يجب أن توضع بين الكليات والجزئيات، ويؤسس ــ في النهاية ــ لواجهة تعرض منظومتنا الحضارية معرِضَ المُواجِهِ المُطْمَئن لصدقيته مع سائر المنظومات الحضارية الغائبة والحاضرة!

غير أن التصور السلفي لا يعبأ بذلك، فهو في انصرافه إلى ما يسميه قدري طوقان بـ (استهتارٍ بالعقل واستهانةٍ بحقوقه ) ينصرف عن المسالك التي تؤدي إلى المشاريع التي نقرأها في خطاباته ونخطئها في إجراءاته. الأسباب واضحة وإن لم تكن منطقية، فإن المشروع الذي لا يَتَحَرَّى العصمةَ لقيمه من التناقض، ولمبادئه من الغموض، ولأصوله من الاستغلاق، لا شك أنه مُنْتَهٍ إلى ما انتهت إليه السلفية من استدبار القيم الجامعة والمضيّ في مسالك الفشل إلى ما لا رجعة عنه.

بدأت مشكلتهم في التاريخ مع الفلاسفة وأهل الكلام بجميع طوائفهم، ثم اتجهوا بالعنفوان الذي نعرف إلى الأشاعرة من غير تمييز بين المتقدم منهم والمتوسط والضعيف، وأنهوا سلسلة المواجهات التاريخية مع المتصوفة والشيعة وباقي الفرق، والشعار في كل مرة هو استدعاء العقل من أجل محاكمته.

على أن العقل لم يشهد مِن محنه مثلَ تلك التي شهدها معهم، فهم أوّلُ مَنْ وَضَعَ معجم الزندقة وأخرجوا به من الملة كل مؤمن بسلطان العقل؛ وهم أساتذة التعطيل بدعوتهم الوقوفَ عند ظاهر الملفوظ وحدِّ المشكل من النصوص؛ وهم مُعَلِّمُو تحقير النُّخَب وتسليمها للحكام بدعوى تجاوزها المرسوم وتعاليها على المرجعيات.

تلك كانت نظرتهم إلى التوجه الروحاني وإلى التأسيس العقلي، وهي النظرة التي مهدت بازدواجيتها السالبة، في تاريخنا كله، إلى فترةِ إحياءٍ من مواتٍ ومرحلة انبعاث من جمود. فكل حركات التنوير شهدت ميلادها مُوَازِيا أو مُعْقِبًا لهذا الفكر وتوغله في حياة الناس. فلئن كان هذا يُحسَبُ ــ بمنطق مقلوب ــ للسلفية، فإنه في النهاية يدل، للأسف، على توزعها في الأفق الزمكاني بما لا طائل منه!

 .

تلخيصا:

يتضح من هذا مشكلةُ الحقيقةِ التي يدور في فلكها وجود السلفيين من أصله، وأداؤهم بمختلف تجلياته. لا يخرج الأمر عن تناقض يقعون فيه ولا يملكون منه فكاكا؛ ذلك أنّ للحقيقة وجودا سابقًا يتقدمهم بطبيعة الحال كما يتقدم غيرهم، ومن المفروض أن وجود الحقيقة السابقَ يمنع على الجميع احتكارَها والصدورَ عنها صدورَ الواثق من فهمه، ولكنهم ــ وهم النزَّاعون إليها كما صورنا ــ ينزلونها على أمزجتهم ويفصّلونها على مقاسهم لتصبح حقيقتَهم لا الحقيقةَ على إطلاقها.

إن الفوضى التي تطبع خطاب السلفية تجد ما يصدّقها في تركيبة جماعاتها وفي شتيت تسمياتها؛ فمن السلفية العلمية إلى السلفية الجهادية مرورا بالسلفية المتطرفة وأختها الشقيقة السلفية التكفيرية وأختها غير الشقيقة السلفية المعتدلة وأختها من الرضاعة السلفية التلفيقية، بين كل هذه الأنواع قاسم مشترك هو مخالفة الأصول والمضي على غير منهج إلى إحقاق الباطل وإبطال الحق!

لا نعرف في الجماعات مَن انتهى به الحال إلى إبطال اجتهادات الناس، كابِرًا عن كابر، تحت شعار “هُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ”، كما نعرف لهؤلاء المتاجرين بمنهج السلف الْمُغْتَذِينَ منه، ذات اليمين وذات الشمال، مع أن صميمَ دعوتهم هو استئنافُ العصر الذهبي الذي سداهُ ولُحْمَتُه شيء يسمى “السلف الصالح”!

الهوامش:

محمد أبو القاسم حاج حمد، جدلية الغيب والإنسان والطبيعة. العالمية الإسلامية الثانية، الجزء الأول، دار الهادي، بيروت، ط1، 2004، ص. 51

تزفيتان تودوروف، الخوف من البرابرة. ما وراء صدام الحضارات، ص. 288

قدري حافظ طوقان، مقام العقل عند العرب، دار القدس، بيروت، د.ط، د.تـ ص. 65

 

مقالات ذات صلة