الرأي

في حكم الدولة الفاشلة

حبيب راشدين
  • 2710
  • 6

في محيط إقليمي مهدد بأزمات وبؤر نار متشابكة، نكتشف أن البلد يسير برئاسة شبه معطلة، وحكومة عاجزة متخشبة، وبرلمان مغيب، ومعارضة بلا لحن في الرأس ولا أقدام تجيد الرقص على أنغام السلطة، وكأننا في دولة فاشلة هي على أبواب السقوط مع من سقط من الدول في عالم عربي قد أصبح في حكم كان وأخواتها.

لم يخطئ كثيرا من توقع للسنة الجديدة 2015 أن تكون سنة انتقالية صعبة فيما يرتب له في العلاقات الدولية من إعادة انتشار للقوة، وتوزيع للريع العالمي بين الأقوياء، حتى لو احتاج الأمر إلى تسعير بعض بؤر النار الموضوعة على التنور منذ حين، وليس لنا أن نخشى من داعش وأخواتها، ولا  من هذا الإرهاب المصنع لتفكيك الدول الضعيفة، وإشغال الرأي العام به، بقدر ما ينبغي أن نحسب ألف حساب للإرهاب الذي تمارسه الدول العظمى بتوظيف دماء الشعوب المستضعفة، ومن حالة التخشب التي سقطت فيها النخب الأهلية الحاكمة كما أصابت المعارضة منها.

في بحر أربعة أعوام من عمر الربيع العربي، طوي ملف إعادة تشكيل المنطقة العربية أو يكاد، فخرب المشرق العربي بالكامل، وما سلم منه سوف يتولاه جيران العرب من الأعاجم، حيث تولت تركيا إدارة وتغذية بؤرة داعش في الشام والعراق، وتحركت إيران جهارا في اليمن لتسقط حكومة الربيع السني، بربيع حوثي شيعي يتوسع تحت الرعاية السامية للأمم المتحدة، فيما وضعت ليبيا على نار هادئة، وأدخلت مصر في دوامة ذاتية التغذية من العنف، بحيل من حكامها الجدد، وحبل من بقايا الإخوان وحلفائهم.

عزاؤنا أن العالم العربي ليس وحده من استهدف في قلب العالم الذي يعاد تشكيله بين القوة الأطلسية والعملاقين الصيني والروسي، فقد نال جيراننا الأفارقة نصيبهم من إرهاب الدول العظمى بالوكالة، عبر التنظيمات الإرهابية أو مباشرة بالتدخل العسكري الاستعماري السافر، كما دخلت الجارة أوروبا في عين الإعصار، عبر الدفع بها إلى مواجهة اقتصادية وعسكرية مفتوحة على المجهول مع روسيا حول بؤرة النار في أوكرانيا، ولا يستبعد أن تكون هذه السنة سنة مفصلية للكيان الأوروبي المهدد بالتفكك في أية لحظة.

داخل هذا العالم العربي المفكك، وفي محيط مغاربي ملغم بألف لغم، ومع حدود جنوبية مقبلة على تكالب بين القوى العظمى على ما تم رصده من ثروات نفطية غازية، ومعادن ثمينة في المناطق المختلطة بين الجزائر مالي موريتانيا، ومع جار أوروبي قد يتفكك في أية لحظة، وجار مغربي قد يئس من حدود قوة حلفائه في تسوية أزمة الصحراء كما يريدها المخزن، وسط هذا المحيط العدائي المضطرب لا نلمس عند قادة البلد ونخب المعارضة إحساسا بالتهديدات الحقيقية المحيطة ببلدنا، وقد تخندقت السلطة في مواقع دفاعية هشة، بمواقف مرتعشة قد افتقدت فيها لروح المبادرة، سواء في مواجهة التهديدات الخارجية المباشرة، كما هو الحال في ملفي ليبيا ومالي، أو في الملفات الداخلية المفتوحة، أو التي سوف تفتح في القريب العاجل.

فعلى المستوى الخارجي لن يكون بوسع الدولة التأثير كثيرا في الملفات الإقليمية، حتى لو لم يكن موقع الرئاسة معطلا كما هو منذ بداية العهدة الرابعة، لأن الملف الليبي المجمد حتى الآن، يتوقف على حصول تسويات بملفات أخرى في الشرق الأوسط وإفريقيا، وقد نكتشف بعد حين أن كل ما بذلته الدبلوماسية الجزائرية في الملف المالي قد ينسف في بحر ساعة، ما لم يحصل التوافق بين الأقوياء في اقتسام كعكة الثروات المكتشفة في المنطقة، وليس في الأفق بوادر تذكر لترميم العلاقات مع الجارة المغرب، أو حتى فرصة تطويقها عند حدود مقبولة من التوتر.

غير أن الأخطر هو ما نسجله من تخشب في إدارة الملفات الداخلية الساخنة، في السياسة كما في الاقتصاد، وفي إدارة التوترات الاجتماعية الجوالة، وتعطيل آخر لمسار الإصلاحات الدستورية.

فقد كشفت التوترات المحدودة جغرافيا في الجنوب عن قصور حكومي فاضح في معالجتها، بتوظيف ما يفترض أن يكون بيد الحكومة من شبكات محلية، وولاءات بين الأعيان، كما كان يحصل من قبل في زمن الحزب الواحد، إلا إذا كانت الدولة العميقة التي تشكلت منذ الاستقلال، وبرعت في التسويات بعيدا عن الأضواء، قد تفككت أو أنها فقدت القدرة على التأثير.

فليس من المعقول أن يتجاوز على عجز الحكومة في تطويق احتجاجات مواطنينا في الجنوب بشأن انطلاق مشروع استغلال الغاز الصخري، وقد كان بوسع الحكومة منع قيام مثل هذه الاحتجاجات أصلا، لو أنها بادرت إلى فتح نقاش وطني حول مغارم ومغانم البلد وسكان المنطقة من المشروع، ثم ما حاجتنا إلى هذه المؤسسات التمثيلية، المكلفة محليا ووطنيا، إذا كانت غير مؤهلة أو غير قادرة على لعب دور الوسيط بين المواطنين والجهاز التنفيذي، وقد رأينا كيف غاب البرلمان، كما غابت المؤسسات التمثيلية المحلية في إدارة هذه التوترات، كما هي غائبة في مختلف الملفات الاجتماعية الساخنة: في التعليم، السكن، الصحة.

فهل نعول على دولة معطلة كهذه: رئاسة، حكومة، برلمان، هيئات تمثيلية محلية لمواجهة ذلك الكم من التهديدات المحيطة بالبلد؟ وهل يتحمل البلد استمرار حالة التخشب والمراوحة في المكان، حتى يصيبنا ما أصاب الناس من حولنا؟ وهل ثمة في قمرة القيادة ربان أصلا؟ أم أنه يفترض على كل واحد منا أن يتخير لنفسه ولأهله إستراتيجية إنقاذ خاصة، بما بين يديه من وسائل النجاة كما يفعل الناس في الدول التي سقطت من حولنا؟

 

 

مقالات ذات صلة