الرأي

في ذكرى رحيله العاشرة.. مهري يفكك معضلة السياسة اللغوية في الجزائر (1/2)

لمباركية نوّار
  • 1438
  • 4

تنبني قناعاتُ المفكر الأستاذ عبد الحميد مهري (1926ـ 2012م)، رحمه الله، في مناقشة القضايا الكبرى على الترابط والتلاحم والنسقية. ويرى أن بناء مشروع مجتمع ما لا يمكن أن يُكتب له الوقوف على قدميه إلا إذا كان مشروعا متكاملا، لا تعتريه ثقوبٌ أو مسام، ولا تتخلله حلقاتٌ مفقودة. والمشروع المجتمعي المتكامل هو المشروع الذي لا يقبل التجزئ والتبعيض، ويلف في قبضة ذراعيه كل الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفكرية واللغوية. وإن استبعاد أو تحجيم واحد من هذه المكوّنات يعطل تشييد العمران المجتمعي، ويجعله كالجنين المشوَّه، ولا يثمر الثمار المأمولة والمنتظَرة منه. فالنقص يعيق مسيرته، ويوقعه في التلكّؤ، ويصيبه بالعطب والعطالة. وتظل الأهداف المرجوّة منه معلقة أو بعيدة المنال.

في محاضرة ألقاها الراحل الأستاذ عبد الحميد مهري في الرابع من شهر مارس 2007م، تحت عنوان: “أهمية وضع سياسة وطنية للغات”، وأصدرها “المجلس الأعلى للغة العربية” في كتيب متناه في الصغر ومحدود الوريقات، تحدّث في صدارتها عن ضرورة مجابهة هذا الموضوع، وأوجز بواعثه كما رصدها وعلّمها فيما يلي: (اتضحت لنا أهمية هذا الموضوع بالنسبة للأزمة العامّة التي تعيشها البلاد، وعندما نتحدث عن السياسة فلأن الوضع اللغوي الموروث عن العهد الاستعماري لم يكن نتيجة تفاعل اجتماعي، أو نتيجة مبادلات دولية طبيعية. وإنما هو نتيجة عمل سياسي مرسوم ومدروس. فهذا الوضع الذي فُرض على الجزائر بأساليب سياسية يجب أن يجابَه بسياسة محكمة لحل معضلاته وإيصال الجزائر إلى حيز الانعتاق من هذا الوضع وتعقيداته). (ص: 12).

لما كان الأستاذ عبد الحميد مهري من المثقفين الذين يرفضون إبقاء الغموض مرافقا للمفاهيم التي يوظفونها في أحاديثهم وفي كتاباتهم، ويعملون على إجلائها حتى تنكشف معانيها السليمة، فقد توقف عند مفهوم: “سياسة وطنية”، وعرّاه من كل لبس، وخلّصه عن صنوف التأويلات، وشرحه شرحا مبسَّطا بقوله: (وعندما نعني سياسة وطنية، نعني سياسة يكون عليها الإجماع، أو على الأقل إتفاق غالب بين كل المهتمّين بهذه القضايا). (ص:12). وفضلا عن ذلك، برر ما ذهب إليه في النقطة الأخيرة بقوله: (لأن أي خطة لتغيير السياسة الموروثة عن العهد الاستعماري تتطلب عملا مستمرّا ومتواصلا وربما لأجيال عديدة). (ص:12).

في فقرة تالية، ينتقل الأستاذ عبد الحميد مهري إلى إلقاء الضوء على اللفظة الأخيرة الواردة في عنوان محاضرته، وهي لفظة: “اللغات” التي توحي بالتعدّد وتقرُّه. ويوضح وجهة نظره حولها في قوله: (لماذا القول باللغات بصيغة الجمع، وليس لغة واحدة؟ لاعتقادي أن سياسة وطنية بعيدة المدى يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المطالب اللغوية الموجودة على الساحة مهما كانت، وذلك للوصول إلى منظور مشترك تتكامل فيه المطالبُ المشروعة والمعقولة والمؤسَّسة علميا ليتمكن الباحثون والعلماء ورجال السياسة والمربُّون من الدنوِّ من النتائج المرجوَّة). (ص: 12).

لم ينس الأستاذ عبد الحميد مهري الإشارة إلى محاولات مجابهة هذه المشكلة الشائكة في الجزائر، وإن لم يحتكم للخوض فيها إلى المناقشة والحوار. كما أنه لم يغفل المؤثرات الخارجية التي أوجدتها ظروفٌ تاريخية طال مكوثها وما تزال تُلقي بظلالها على الموضوع، وتتلون بألوان الظرف الزمني بحثا عن التكيف والانسجام. وفي هذا الصدد يذكر بما يلي: (إننا لم نخرج بعد من دائرة السياسات التي تريد فرض وضع لغوي معين. فالموضوع اللغوي لم يكن في يوم من الأيام في منأى عن التناول السياسي للقوى الخارجية. وفي الجزائر مازالت الفرنكفونية تمثل محاولة دائمة لفرض وضع لغوي معين مع حرصها على التأقلم مع الأوضاع الجديدة، ومع الوضع الخاص الناشئ بعد الاستقلال). (ص: 12 و13).

اللغة العربية في هذا الوضع هي القادرة على مجابهة الموروث المفروض عن العهد الاستعماري لامتدادها في تجربة الماضي كلغةٍ عالمية، وهي الآن كذلك بحسب تعريف اللغويين. فهي لغة عالمية، وهي القادرة وحدها كبديل لأن تكون حلا للمعضلة اللغوية الموروثة عن العهد الاستعماري. واللغة العربية اليوم مصنفة كلغة عالمية. ومن الضروري أن يكون هذا المفهوم حاضرا عندما نتناول كل سياستنا المتعلقة بالتعريب.

لما كان الحوار بأسلوب علمي راق هو السبيل المنبسط والمضمون لتذويب الخلافات والتقريب بين وجهات النظر المختلفة حول أُمَّات المشكلات، وهو الأسلوبُ الذي لا يقبل عنه الأستاذ عبد الحميد مهري بديلا أو محيدا، فلا غرابة إن وجدناه يدعو إلى المضيِّ فيه لمعالجة هذه الإشكالية. ويضيف إلى هذه الوسيلة الحضارية وسيلة ثانية تعززها وترفدها وهي البحث العلمي التي يضيء بنور تنظيراته الزوايا الداكنة أو الدامسة ويطرد ظلامها. ويؤكد على ذلك بالقول: (هناك أسلوبٌ آخر للوصول إلى سياسة وطنية للغات؛ لأن المطالب اللغوية على اختلافها تتضمن شحنة عاطفية وسياسية لا مجال لنكرانها. لكن، في اعتقادي، أن الحوار والبحث العلمي العميق كفيلٌ بجعل هذه الشحنة تنزوي في حدودها الإيجابية لتترك المجال للأسس العلمية العقلية لبناء سياسة لغوية جامعة). (ص: 13).

بعد هذه التهيئة التحليلية التي جاء فيها الأستاذ عبد الحميد مهري على إزاحة معوقات الالتباس المرافِقة للسياسة اللغوية في الجزائر، يصل بنا إلى محطة المطالب اللغوية المتعددة المرفوعة في أرض الجزائر. ويتوقف عند المطلب الأول الذي يمنحه سبق التقدّم وحصن الأولوية، وهو مطلب اللغة العربية الذي يستعرضه في قوله: (… ومنها مطلب اللغة العربية الذي فرض نفسه بعد الاستقلال كمطلبٍ وطني، والذي ملأ الساحة السياسية، ومازال مؤهلا في رأيي أن يكون المحور الأساسي للخروج من الوضع اللغوي الموروث عن العهد الاستعماري. وإذا كان منطلق هذا المطلب أساسيا، فليس في هذا الاختيار جانبٌ عاطفي فقط، لأن اللغة العربية في هذا الوضع هي القادرة على مجابهة الموروث المفروض عن العهد الاستعماري لامتدادها في تجربة الماضي كلغةٍ عالمية، وهي الآن كذلك بحسب تعريف اللغويين. فهي لغة عالمية، وهي القادرة وحدها كبديل لأن تكون حلا للمعضلة اللغوية الموروثة عن العهد الاستعماري. واللغة العربية اليوم مصنفة كلغة عالمية. ومن الضروري أن يكون هذا المفهوم حاضرا عندما نتناول كل سياستنا المتعلقة بالتعريب). (ص: 13 و14).

ينتقد الأستاذ عبد الحميد مهري الأسباب التي جعلت المساعي المبذولة لكي تتبوَّأ اللغة العربية منزلتها التي تستحقُّها بعد استرجاع الاستقلال الوطني باعتبارها مقوِّما من المقوِّمات التي تصنع هوية الشعب الجزائري، والذي لا يجوز هجرانُه أو التنكُّرُ له أو الانسلاخُ عنه. ويحصر مظاهر القصور الفعلي لبلوغ المراد في عناصر يذكرها فيما يلي: (لكن السياسات التي كانت ترمي إلى إحلال اللغة العربية محلها الطبيعي بعد الاستقلال كانت في بعض الأحيان تتم بالارتجال، وكانت في البعض الآخر ينقصها الاستمرارية ومواصلة الجهد الجماعي الخلاّق). (ص: 14).

ورغم تأثير المعيقات التي ذكرها منذ حين، والتي وقفت حجر عثرة في تعميم استعمال اللغة العربية في كل مناحي الحياة، إلا أنه يرى بأن المحاولات المبذولة لخدمة اللغة العربية قد حققت انتصاراتٍ وتقدُّما، ومكّنتها من اقتحام ميادين سكنتها اللغة الفرنسية لزمن طويل. وهو ما يعبِّر عنه في قوله: (إلا أن هذه الجهود استطاعت أن تغيِّر بنسبة محترمة الوضع اللغوي الموروث، وإحلال اللغة العربية في وظائف كانت تحتكرها اللغة الفرنسية). (ص: 14).

لم يخف الأستاذ عبد الحميد مهري ذكر المهدِّد الذي يزاحم اللغة العربية ميدانيا، وينافسه كالضرّة الحاقدة، ويضيّق عليها تمددها بأساليب ماكرة في العلن وفي الخفاء، ويعمل على انحسار حضورها، ولا يتوقف عن قطع الطريق أمام زحفها. وهذا ما نقرأه في قوله: (لكن في اعتقادي هذا المطلب ـيقصد مطلب اللغة العربيةـ مازال مستهدَفا أساسا من الفرنكفونية التي هي غير الفرنسية. وهناك شيءٌ من الخلط المقصود بين ما تقتضيه الفرنكفونية وما هو مرغوب في تعلم اللغات الأجنبية). (ص: 14).

ينهي الأستاذ عبد الحميد مهري حديثه عن مطلب اللغة العربية الذي وضعه في صدارة المطالب اللغوية في الجزائر بالإشارة إلى الوسائل التي اعتمدت في خدمة عملية التعريب ونشرها. ويجمل رأيه حول هذه النقطة قائلا: (والتعريب عرف عندنا تجارب بعضها اعتمد على التشريع كأساس للعمل والبعض الآخر على النضال والعمل الميداني. وإذا عدنا إلى التجربة، رأينا أن فعالية التشريع كانت قليلة ومنقوصة في بعض الأحيان. وأما النتائج الدائمة فقد كانت نتيجة الجهود المبذولة في الميدان، الأمر الذي مكن اللغة العربية من التطوّر والاستمرارية). (ص: 14 و15)

نكمل في الجزء الثاني، بحول الله.

مقالات ذات صلة