في ذمّة الله يا محمد السعيد
الموت نهاية كل حيّ، ولا بقاء إلا لوجه ذي الجلال والإكرام -عز وجل- الذي أكّد هذه الحقيقة في كتابه الكريم مخاطبا من فضَّله على جميع من خلق: “ما جعلنا لبشر من قبلك الخُلد، أَفَإنْ مِتَّ فهُم الخالدون”، وقال لأشرف من قذفته رَحِمٌ وسَعَتْ به قَدَمٌ: “إنّك مَيّتٌ وإنهم مَيّتون”.
وقال شاعرُ كعب بن زهير -رضي الله عنه- وأرضاه:
كلُّ ابن أنثى وإن طالت سلامَتُه
يومًا على آلةٍ حدباء محمولُ
في يوم الثلاثاء 31 ماي وفي ساعةٍ مبكرة رنّ هاتفي لأُخْبَرَ أن الأخ العزيز محمد السعيد أوبلعيد قد أتاه اليقين، وأن ورقاءه التحقت بعالمها الأسمى كما قال الإمامُ ابن باديس، فَحَوْقَلْتُ واسْتَرْجَعْتُ، وقلتُ ما يقوله كل مؤمن “إنّا لله وإنّا إليه راجعون”، فاللهم ارحم أخانا محمد السعيد، وآجِرنا في مصيبتنا.
لم أعرف الأخ محمد السعيد مباشرة إلا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي عن طريق أخينا الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وكثيرا ما التقينا في بيته المعمور بالأفكار الحيّة، والآراء السياسية الصائبة، وكثيرا ما كنت أقتنع بما يطرحه الأخ السعيد من آراء قضايانا الوطنية، وقضايانا القومية، ولا يبخس قضية على حساب الأخرى، أو شخصا على حساب آخر ولو لم يكن معه على وفاق.
عرفتُ في الأخ محمد السعيد خصالا يفتقدها كثيرٌ من الذين غَرّهُم ما نالوه من سقط المتاع، وتقلّدوا ما تقلّده من مناصب ومسئوليات، فقد كان مديرا لجريدة “الشعب”، ووكالة الأنباء الجزائرية، ومديرا في وزارة الخارجية، وسفيرا، ووزيرا، ولكنه كان عفيفا شريفا، ولم يكن من الذين يمشون في الأرض مرحًا، ولم يكن من الفرحِين.
عرفتُ في الأخ محمد السعيد مثقفا متميزا، يتابع ما يستجد من الآراء والأفكار، محليا وعربيا وعالميا، ويملك عقلا راشدا يعرض عليه ما يقرأه وما يسمعه فيستفيد من صالح الأفكار والآراء ولو ممَّن ليسوا على مذهبه السياسي، وقد يلتمس الأعذار لبعض من انحرفت مواقفُهم، وزاغت أبصارُهم، وضلّوا السبيل، لأنه يعلم أنّ ما فعلوه لو يكن طوعا منهم، بل أجبِروا عليه، والعرب تقول: “كل مجبورٍ معذور”، فقد كان يزن الناس بعقله لا بقلبه.
عرفتُ في الأخ محمد السعيد خُلقا نادرا في وسط أكثر السياسيين وهو الوفاء لأصدقائه، وفي مقدّمتهم الأخ أحمد طالب الإبراهيمي الذي أغضب بمواقفه من الفتنة أولئك الاستئصاليين، وسلّطوا عليه أراذلهم فسَلَقُوه بألسنتهم النتِنة، وقد تبيّن حجمُ الخراب الذي سبَّبوه للجزائر.. وفي الوقت الذي انفضَّ كثيرٌ من المنافقين السياسيين من حول الأخ طالب ظل محمد السعيد من أوفى الأوفياء رغم ما تعرّض له من ضغوط.
خُلُقٌ آخر عرفتُه في الأخ محمد السعيد بعد ما ابتلاه الله بما ابتلاه من مرض أقعده عن الحركة، ولكنه كان من الصابرين، فجزاه الله –عز وجل– جزاء الصابرين، يوم يقال لهم: “ادخلوا الجنة بما صبرتم”.
يحمل الأخ محمد السعيد تقديرا كبيرا لفَرْقَدَيْ الجزائر الإمامين ابن باديس والإبراهيمي ولجمعيتهما المباركة، وقد جادل عنها المستنقصين لقيمتها، الباخسين لحقّها..
إن القلب ليخشع، وإن العين لتدمع على فقدك أيها الأخ العزيز، الذي نحن لفقده لمحزونون، وتعازينا الصادقة لآلِك وصحبك ومن يقدِّرون مآثرك. ولَئِنْ لم أحضر جنازتك لبُعْدي، فقد كنتُ أقربَ إليك بقلبي، وخَسِرْتُ أجر المشيِّعين.