الرأي

في رفح يتجدّد الطوفان..

محمد سليم قلالة
  • 999
  • 0

ظنّ الصهاينة بعمليتهم الاستعراضية في رفح، ورفعهم لعلمهم الملوّث بدماء الأبرياء من على بوابتها، أنهم سيستعيدون وهم القوة والانتصار، ويبعثون في معنويات مرتزقتهم المنهارة بعض الحياة…فإذا بعنوان “لن تمروا” الذي رفعته المقاومة عشية بدء العدوان على رفح، يتجسّد على أرض معركة “طوفان الأقصى” وكأن الحرب قد بدأت للتو، وكأن آلاف الأطنان من القنابل الصهيونية – الأمريكية – الغربية لم تترك أي أثر في عزيمة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكأن الطوفان ليس في آخر مراحله إنما قد ازداد زخما…
وفي هذا دليل قاطع على أن خيار المقاومة هذه المرة كان مدروسا وبعمق، وأبعاده تتعدى تحرير الأقصى إلى تحرير كل فلسطين، وإن كان ذلك بدفع الثمن غاليا، وباعتماد الكفاح المسلّح طويل الأمد أسلوبا.. ولعل هذا ما أربك الأعداء، ليس فقط عصابة الكيان الحاكمة اليوم، إنما كافة القوى الغربية الحليفة. لم يعد من بينهم من يستطيع التحكم في زمام المبادرة، ولا من يعرف توجيه مسار المعركة.. لقد فلتت منهم الأمور جميعا، ودخلوا في حالة اضطراب على مستوى القرار لم يسبق أن وصلوها من قبل.. انقسامات في الموقف بين القوى الغربية ذاتها على المستوين السياسي والعسكري، وحيرة ما بعدها حيرة نتيجة  انتقال المعركة إلى داخل أقاليمهم بتحرك الجامعات والطلبة وإصرارهم على الوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني، ودخول أحزابهم في صراعات غير مسبوقة بين مؤيد ومعارض لحجم الإنفاق  الكبير على هذه الحرب القائمة في فلسطين وعلى الحروب الأخرى التي لم يتمكّنوا من الانتصار فيها، إن على روسيا في أوكرانيا أو على الصين في الشرق الأقصى!
وفي هذا دليل آخر أننا نعيش بالفعل بداية تحوّل فعلي في طبيعة النظام العالمي، وليست مرحلة مؤقتة في هذا النظام سيلفها قريبا طي النسيان…
ولعل هذا ما تخشاه القوى الغربية المهيمنة على العالم، أن تتحول معركة “طوفان الأقصى” من حاملة لمشروع تحرير فلسطين إلى حاملة معاني تحرير كل البشرية من هيمنة نظام تسلطي غربي ليبرالي ما فتئ يستغل ويستعبد شعوب بقية العالم طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين.. إن لم نقل بداية تقويض كل النظام “الواستفالي” (نسبة لاتفاقية واستفاليا 1648) المبني على مفاهيم الدولة الأمة القومية الرأسمالية ذات الإيديولوجية الليبرالية، والذي حكم العالم لأكثر من خمسة قرون…
ومن بشائر ذلك، ما بدأ يتجلى في التفاف المجموعة الدولية في الأمم المتحدة مع فلسطين  (143 دولة مع فلسطين مقابل 9 مع الكيان من بينهم 04 دول مجهرية لا وجود لها لولا هذا النظام العالمي الجائر)…  وبرغم رمزية هذا الحدث، إلا أن بروز ممثل الكيان الصهيوني فيه وهو يمزّق ميثاق الأمم المتحدة، لدليل آخر على الهستيريا التي أصبحت تعتريه من المقاومة، و الخوف من أن يأتي اليوم الذي يطرد فيه من هذا المجمع الدولي ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تحميه أو تدافع عنه…
لذلك، أصبح جليا أن معركة “رفح” الجارية اليوم، التي سيخسرها الصهاينة كما خسروا المعارك التي قبلها في كل إقليم غزة، إنما هي عنوان متجدّد لكفاح باتت أهدافه محدّدة: ليس فقط تحرير فلسطين، إنما تحرير كل العالم من هيمنة استعمارية تقودها الولايات المتحدة، كتلتها الغرب بمجموعة الست، ورأس حربتها الكيان الصهيوني الذي هزت المقاومة أركانه ومازالت تفعل…

مقالات ذات صلة