-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رئيس التجمع الوطني المسيحي ديمتري دلياني لـ"الشروق":

في غزة لم يعد يُقاس الوجود المسيحي بالأرقام بقدر ما يُقاس بالثبات والصمود

في غزة لم يعد يُقاس الوجود المسيحي بالأرقام بقدر ما يُقاس بالثبات والصمود

يؤكد رئيس التجمع الوطني المسيحي ديمتري دلياني، أن المسيحيين في غزة أصابهم ما أصاب المسلمين جراء حرب الإبادة الصهيونية التي لم تفرق بين سكان غزة.

ويقول دلياني في هذا الحوار مع الشروق، إن هذه الحرب المجمرة رسخت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين.

**كيف تصف الوضع الإنساني لأبناء “الطائفة المسيحية” في غزة منذ اندلاع الحرب؟

بدايةً، توصيف الفلسطينيين المسيحيين كطائفة هو توصيف غير موفق، فهذا تقسيم مصطنع لا يعبّر عن حقيقة وجودنا الوطني. الفلسطينيون المسيحيون هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني الواحد، يشتركون مع سائر أبناء الوطن في الدم والهوية والانتماء، ويتعرضون مع الجميع لجرائم دولة الإبادة الإسرائيلية.

في غزة، لم يعد يُقاس الوجود المسيحي بالأرقام بقدر ما يُقاس بالثبات والصمود؛ فقد تراجع عدد المسيحيين إلى نحو ألف شخص فقط بعد أن كانوا أكثر من ثلاثة آلاف قبل أعوام قليلة، يعيشون اليوم في ظروف مروّعة كباقي أبناء شعبنا: القصف المستمر، الحصار، التجويع، انهيار البنية الصحية، وانقطاع الخدمات الأساسية. مأساة المسيحيين في غزة ليست استثناءً، بل هي صورة أخرى من صور استهداف كل أبناء شعبنا بلا تمييز، فالمشروع الاستعماري الصهيوني قائم على محو وجودنا الجمعي، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين.

ما الدور الذي تقوم به الكنيسة اليوم في التخفيف من معاناة المدنيين؟

الكنيسة في غزة اليوم تؤدي دوراً يتجاوز حدودها الدينية لتصبح مؤسسة وطنية وإنسانية في قلب الإبادة. فقد تحولت كنائس غزة إلى مراكز إيواء للنازحين. استهداف كنيسة القديس برفيريوس وكنيسة العائلة المقدسة وكنيسة المعمداني لم يُغلق أبوابها، بل جعلها أكثر إصراراً على احتضان أبناء الوطن. البطريرك ثيوفيلوس الثالث جسّد موقفاً وطنياً صلباً حين رفض مخططات التهجير الإسرائيلية وأكد أن الكهنة والرهبان باقون مع شعبهم، رغم أن البطريركية نفسها تعرضت لعقوبات اقتصادية إسرائيلية كالتجميد البنكي وفرض الضرائب، في محاولة لإخضاعها ومنعها من أداء رسالتها الروحية والاجتماعية. كما أنّ البطريرك الكاردينال بيتسابالا، بطريرك اللاتين في القدس، لعب دوراً محورياً في إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة. هذا العمل الكنسي هو عمل وطني بامتياز، يرسّخ وحدة المصير الفلسطيني.

**هل هناك مبادرات مشتركة بين الكنائس والمنظمات الإسلامية في غزة لتقديم العون للمتضررين؟

نعم، فالحاجة الوطنية جمعت الجميع تحت مظلة واحدة هي خدمة الإنسان الفلسطيني. المبادرات التي وُلدت في ظل المجزرة الإسرائيلية لم تلتفت لانتماء ديني أو مذهبي، بل اعتبرت الإنسان أولاً. من أبرز الأمثلة المستشفى الأهلي المعمداني التابع للكنيسة الأنجليكانية، الذي استقبل آلاف الجرحى وفتح أبوابه لكل فلسطيني بلا استثناء، وكذلك مبادرات إغاثية شاركت فيها مؤسسات إسلامية محلية بالتعاون مع الكنائس لتوزيع الغذاء والدواء. المدارس الكنسية فتحت أبوابها للنازحين قسراً، والمستوصفات ساهمت في التخفيف من وطأة الكارثة. هذه المبادرات تجسد المعنى الحقيقي للوحدة الوطنية الفلسطينية التي تتحدى مشروع دولة الإبادة الإسرائيلية.

كيف أثرت الحرب على العلاقات التاريخية بين المسيحيين والمسلمين في غزة؟

الحرب لم تغيّر طبيعة العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في غزة، بل رسختها. العلاقة ليست بين طائفتين، بل بين أبناء وطن واحد يتشاركون نفس المصير. كل شهيد وكل جريح هو ابن لفلسطين، وليس لمذهب أو كنيسة أو مسجد. في زمن الاحتلال والإبادة، يذوب أي اختلاف ديني في بحر الانتماء الوطني. شعبنا في غزة يعيش كعائلة واحدة، يتقاسم الخبز القليل والماء الشحيح والمأساة المشتركة. إن محاولة دولة الاحتلال تمزيق هذا النسيج باءت بالفشل، لأن العلاقة بين شرائح المجتمع الفلسطيني أقوى من مشاريع التفرقة، وهي علاقة تُقاس بعمق الانتماء لفلسطين، لا بتباين العقائد.

ما الرسالة التي يوجهها المسيحيون في فلسطين للعالم بشأن انتمائهم للقضية الفلسطينية؟

الرسالة التي يوجهها المسيحيون في فلسطين للعالم هي أننا باقون في أرضنا، متمسكون بحقنا، ونرفض أن تُختزل معاناتنا، كما يريدها الاحتلال، كأقلية في إطار ضيق. قضيتنا هي القضية الفلسطينية، التي تمثل صراع شعب كامل مع مشروع استعماري دموي تقوده دولة الإبادة الإسرائيلية. رسالتنا أن غزة ليست مجرد رقعة جغرافية منكوبة، بل رمز للكرامة الفلسطينية، وأن أبناءها المسيحيين كما المسلمين يقفون صفاً واحداً في مواجهة جرائم الإبادة، مطالبين بحق تقرير المصير والعيش بحرية وكرامة على أرض فلسطين.

الحرب رسخت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في غزة

المسيحيون مثل المسلمين يقفون صفاً واحداً في مواجهة جرائم الإبادة

هل هناك خشية من هجرة جماعية جديدة للمسيحيين بسبب ظروف الحرب؟

الخوف موجود، وهو خوف مشروع، لأن الأرقام تتحدث بوضوح. بعد أن تراجع عدد المسيحيين في غزة إلى نحو ألف شخص فقط، فإن استمرار حرب الإبادة وتهديم البيوت وانعدام الأمان يضع مستقبل هذا الوجود في مهب الريح. لكن الأهم من الخوف هو الإصرار على البقاء، لأن تهجير المسيحيين أو المسلمين من غزة يخدم الهدف المركزي لدولة الاحتلال: تفريغ فلسطين من شعبها. ومن هنا فإن كل قرار فردي بالبقاء في غزة هو فعل مقاومة في وجه مشروع الإبادة.

هل تلقيتم تضامناً أو دعماً فعلياً من الكنائس العالمية منذ بداية الحرب؟

نعم، تلقينا مواقف تضامنية مهمة من الكنائس العالمية، أبرزها من الفاتيكان ومن بعض الكنائس في الولايات المتحدة وأوروبا التي طالما كانت منحازة لدولة الاحتلال. اليوم نرى تحولات في الخطاب، وصوتاً مسيحياً عالمياً بدأ يعلو مطالباً بوقف الإبادة وحماية المدنيين. زيارات تضامن، بيانات إدانة، ومطالب بوقف فوري لإطلاق النار، كلها خطوات لها أثر معنوي وسياسي عميق، وإن كانت غير كافية لمواجهة آلة القتل الإسرائيلية، لكنه سيترتب عليه تبعات سياسية ليست في صالح دولة الاحتلال. هذا التضامن يثبت أن الضمير الإنساني ما زال قادراً على الحركة رغم محاولات التعتيم الإعلامي.

ما تقييمكم لموقف الفاتيكان والمؤسسات الكنسية الدولية إزاء ما يجري في غزة؟

موقف الفاتيكان واضح: إدانة وحشية الحرب والمطالبة بوقفها. هذا الموقف، وإن كان في جوهره إنسانياً وأخلاقياً، إلا أنه يحمل بعداً سياسياً حين يوجه الرأي العام الغربي ويؤثر على خياراته الانتخابية. المؤسسات الكنسية الدولية أظهرت تعاطفاً صادقاً، لكن المطلوب منها أن تنتقل من لغة البيانات إلى لغة الضغط السياسي، لأن دولة الإبادة الإسرائيلية لا تعبأ إلا حين يُهدد نفوذها ومصالحها. قيمة الموقف تكمن في قدرته على تحريك الوعي الغربي باتجاه عدالة قضيتنا الوطنية.

ما النداء الذي توجهونه اليوم للمجتمع الدولي ولأبناء الديانة المسيحية عبر العالم؟

نداؤنا هو نداء الإنسانية قبل أي شيء آخر: قفوا مع غزة لأنها قضية عدالة وكرامة إنسانية. لا تتركوا شعبنا وحده في مواجهة أعتى آلة إجرامية في القرن الحادي والعشرين. على المسيحيين حول العالم أن ينضموا إلى نضال شعبنا من أجل الحرية، وأن يرفعوا أصواتهم في المحافل الدولية والكنائس والجامعات، مطالبين بمحاسبة دولة الإبادة الإسرائيلية على جرائمها. التضامن ليس شعوراً وجدانياً فقط، بل فعل مقاومة يشارك في حماية الحياة الإنسانية على هذه الأرض.

هل ترون أن الكنائس في أوروبا وأمريكا قامت بما يكفي من تحركات أو مواقف إنسانية وسياسية؟

ما قامت به بعض الكنائس في أوروبا وأمريكا يستحق التقدير، لكنه غير كافٍ أمام حجم الإبادة. البيانات وحدها لا توقف القصف، والصلاة وحدها لا تعيد البيوت المهدمة. المطلوب أن تتحول هذه الكنائس إلى قوة ضغط حقيقية على حكوماتها، أن تستخدم نفوذها الاجتماعي والسياسي لمساءلة من يسلّح دولة الاحتلال ويموّل جرائمها. التضامن الأخلاقي جميل، لكنه يصبح فارغاً إن لم يُترجم إلى فعل سياسي. وهذا لا يقتصر على الكنائس في أوروبا وأمريكا، بل يسري على جميع المتضامنين مع شعبنا بغض النظر عن أجناسهم أو معتقداتهم.

برأيكم، هل يمكن للمجتمع المسيحي الغربي أن يلعب دوراً مؤثراً في تغيير الرأي العام تجاه القضية الفلسطينية؟

بلا شك، فالمجتمع المسيحي الغربي يمتلك تأثيراً عميقاً على الرأي العام من خلال الكنائس والإعلام والمؤسسات التعليمية. إذا تبنى هذا المجتمع خطاب العدالة في فلسطين، فسيتحول إلى قوة ضاغطة على صناع القرار الغربيين الذين ما زالوا يحتمون بخطاب دعم دولة الإبادة الإسرائيلية. التغيير يبدأ من القاعدة الشعبية، ومن الكنائس التي تستطيع أن تزرع في وعي الملايين أن فلسطين ليست نزاعاً دينياً، بل قضية إنسانية ووطنية عادلة.

هل تشعرون بأن المكون المسيحي الفلسطيني يُستغل أحياناً في خطاب سياسي غربي بعيد عن واقعه الحقيقي؟

الجواب لا. الشعب الفلسطيني بكل مكوناته يرفض أن يُستغل أو يُختزل. نحن جزء من نسيج وطني واحد، لا نسمح لأنفسنا ولا لغيرنا أن يستخدم وجودنا كأداة خطابية. واقعنا الحقيقي هو أننا فلسطينيون قبل كل شيء، وأننا ندفع ثمن الإبادة جنباً إلى جنب مع إخوتنا المسلمين وغيرهم، وليس في إطار صراع طوائف كما يحاول الاحتلال تصويره.

كيف يمكن للكنائس الغربية أن تكون صوتاً للعدالة لا مجرد شاهد صامت؟

يمكن للكنائس الغربية أن تصبح صوت عدالة عبر ثلاث خطوات جوهرية: أولاً، الحضور المباشر في غزة من خلال إرسال وفود تتكدس عند المعابر مع دولة الاحتلال لكسر الحصار ولرؤية الكارثة بعينها ونقل الحقائق للرأي العام. ثانياً، الدعم العملي عبر تمويل التعليم والصحة والإغاثة، خاصة بعد تدمير المدارس والمستشفيات على يد دولة الاحتلال. ثالثاً، تبني خطاب واضح في مواجهة القوى السياسية الغربية، خطاب يربط بين القيم المسيحية وبين ضرورة الوقوف مع شعبنا الفلسطيني المظلوم. حينها تتحول الكنائس من مجرد شاهد على المأساة إلى ركن أساسي في معركة الدفاع عن العدالة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!