-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في ميلة

في ميلة

توجَّهنا يوم الأربعاء الماضي (8-2-2017) تلقاء مدينة ميلة، وكانت المناسبة في إحياء الذكرى الثانية والسبعين لوفاة الشيخ مبارك الميلي، رحمه الله، حيث أقامت مديرية الشؤون الدينية والأوقاف يوما دراسيا عن “المسيرة التعليمية والإصلاحية للشيخ مبارك “المبارك” كما وصفه بعض أشياخه في الزيتونة بتونس. وقد دُعي إلى تنشيط هذا اليوم الدراسي ثلة من الأساتذة هم الدكتور التواتي ابن التواتي من مدينة الأغواط، والأستاذ علي ابن الطاهر من مدينة قسنطينة، والأستاذ محمد مكركب من مدينة البليدة، والأستاذة آمنة مطعم من مدينة الجزائر، ومحمد الهادي الحسني من مدينة البليدة.

 لقد رعى هذا اليوم الدراسي السيدُ والي ولاية ميلة، وحضر شخصيا جزءا من فعالياته قبل أن يعتذر للانسحاب إلى بعض مهامه وأشغاله، وقد لاحظنا في المدة الأخيرة أن بعض الولاة يهتمُّون بالثقافة، ويشجعونها، ولم يبق اهتمامهم “محصورا” في العناية بالمطربين والمطربات، وإحياء “السهرات”. 

لقد تناول الأساتذة الأفاضل جوانب مختلفة من حياة الشيخ مبارك ونشاطه في حياته القصيرة، (1897 – 1945)، فتحدث الدكتور ابن التواتي عن “إسهامات الشيخ مبارك الميلي في الحركة التعليمية والإصلاحية بمنطقة الأغواط”، لأن الشيخ مباركا عاش فترة من حياته في مدينة الأغواط، وقد ترك فيها أثرا طيِّبا، ويكفي أن من تلاميذه فيها من صاروا أقمارا منيرة، وشموسا وضاءة، وهم أحمد شطة، وأحمد قصيبة، وأبو بكر الأغواطي، وغيرهم، وهم الذين أكملوا مسيرة الشيخ مبارك في الأغواط عندما اضطرته الظروف إلى مغادرتها في سنة 1933، عندما تآمر عليه شياطين الإنس، الذين إذا ذُكر الله اشمأزت نفوسهم، وضاقت صدورهم، وأظلمت عقولهم.. 

إن مثل مبارك الميلي في تصديه لـ”جيش المؤرخين الفرنسي” كمثل الأمير عبد القادر، وأحمد باي، وفاطمة نسومر، والمقراني، وبوعمامة، ومجاهدي أول نوفمبر الذين تصدوا للجيوش الفرنسية الجرارة، وما منهم أحد دخل مدرسة عسكرية.. 

وتعرّض الأستاذ علي ابن الطاهر إلى الجانب الصحفي من نشاط الشيخ مبارك، وهو جانبٌ غني، ابتدأ بمساعدة الشيخ مبارك لأستاذه الإمام ابن باديس في جريدتي “المنتقد” و”الشهاب”، ثم في تحمُّله الإشراف على جريدة “البصائر” عندما استقال منها الشيخ الطيب العقبي إلى أن أوقفتها “جمعية العلماء” عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، حتى لا تفرض عليها فرنسا أن تقول ما يتنافى مع دينها، ووطنها، وشرفها.. 

وتناولت الأستاذة آمنة جانب جهود الشيخ مبارك في تصحيح عقيدة الجزائريين، وكشفه لضلالات المضلين، وأصحاب الأهواء والشركيات، الذين ضلو وأضلّوا – تم تحلية عقولهم بما صحَّ من عقائد كما جاء بها الإسلام الصحيح، وبينها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم. 

وتحدَّث الأستاذ محمد مكركب سمات رجل الدعوة والإرشاد كما تجلت في الشيخ مبارك الميلي… كما كان للأستاذ مكركب نشاطٌ في بعض مساجد ميلة.. 

وكان نصيب كاتب هذه الكلمة أن يتناول جهود الشيخ مبارك الميلي في كتابة تاريخ الجزائر، وهو الميدان الذي تفرّد فيه الشيخ مبارك، إذ لم يسبقه إليه في العصر الحاضر أحدٌ من الجزائريين.. حتى اعتبر “مؤسِّس المدرسة التاريخية الجزائرية”. 

وقد رددتُ في مداخلتي على “طويلي الألسنة” الذين يغمزون في جهود الشيخ مبارك بأنه “غير متخصص” في التاريخ، ولكنهم لا يذكرون الفرنسيين الذين كتبوا عن تاريخنا وهم غير متخصصين في التاريخ من مثل إميل فيلكس جوتي، وجابرييل اسكير، وهانوتو، وشارل فيرو.. وغيرهم.. 

إن مثل مبارك الميلي في تصديه لـ”جيش المؤرخين الفرنسي” كمثل الأمير عبد القادر، وأحمد باي، وفاطمة نسومر، والمقراني، وبوعمامة، ومجاهدي أول نوفمبر الذين تصدوا للجيوش الفرنسية الجرارة، وما منهم أحد دخل مدرسة عسكرية.. 

إن أول معترف بـ”قصوره” في هذا الميدان هو الشيخ مبارك نفسه، ولكن هذا “القصور” ليس مبررا في رأيه لـ”التقصير”، ولهذا عندما شعر أنه قد “تعيّن” عليه أن يفعل شيئا لم يتردد – رغم صعوبة المهمة– وخاض “المعركة التاريخية”، حتى يأتي من يخوضها بالتخصص اللازم والأدوات الضرورية.. 

وقد قدَّر الإمام ابن باديس جهود تلميذه فأكبره، فاعتبر كتاب الميلي: “أول كتاب صوّر الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك… (فـ) ليس كفاء عملك أن تشكرك الأفراد، ولكن كفاءه أن تشكرك الأجيال… وأنا واحد من هذا الجيل – بلسان من يشعرون شعوري – أشكرك لأقوم بما علينا من واجب لأقابل ما لك من حق”. (انظر تاريخ الجزائر في القديم والحديث للميلي). وأشار بعضهم إلى ما سماه “عدم الموضوعية”، فالموضوعية لا تعني عدم التفاعل مع الحوادث، وإنما تعني “اختلاقها”، أما أن أصف مجرما بالإجرام فذلك هو لبُّ الموضوعية.. وقد كان الأستاذ مولود قاسم – رحمه الله– يقول: “عندما أتحدَّث عن جرائم فرنسا في الجزائر فأنا لا أشرح ضفدعة أقف أمامها بدون مشاعر”. 

وليخبرنا أصحابُ الموضوعية عن “موضوعية” شارل فيرو عندما قال إن عقبة بن نافع احتلَّ بجاية فنهب خيراتها، و”اغتصب” نساءها، مع أن عقبة لم يمر على بجاية – التي لما توجد بعد– لا في غدوّه ولا في رواحه، ومع ذلك لا يعلق “الموضوعيّون” على ذلك، فمثلهم هو: “إذا قال الفرنسيون صدّقوهم ولو كذبوا”. وقد صدق علي بن الأمير الأمير عبد القادر عندما قال عن فرنسا بأنها “أمة الكذب والزور، أمة الغش والرياء”. (انظر التليلي العجيلي: صدى الجامعة الإسلامية في المغرب العربي ص 249).

لقد اغتنمنا فرصة وجودنا في ميلة فزرنا “أول بيت وُضع للناس” في الجزائر، وهو مسجد المجاهد الشهيد الداعية أبي المهاجر دينار، وهو في أسوإ حال.. لقد استقبلتنا ميلة بموجة برد كاد يجمّد الدماء في عروقنا، ولم يخفف من تلك البرودة إلا الدفء الذي غمرنا به أهلها والمسؤولون الذين أحسنوا قادتنا واستقبالنا، مجددين الدعوة لزيارة ميلة والمدن التابعة لها، ومعالمها الهامة كسد بني هارون الكبير، الذي تتزود منه حوالي سبع ولايات… 

وأودُّ في الأخير إلى أن أنبِّه إلى أن ميلاد الشيخ مبارك كان في “بلدية غبالة – دائرة السطارة، ولاية جيجل” ونُسب إلى مدينة “الميلية”، التابعة لولاية جيجل، ولكن الناس يظنون نسبته إلى “ميلة” التي آواه أحدُ أبنائها وهو السيد مصطفى بوالصوف، وأنفق عليه في تعلُّمه، و”دفع مالا لأحد الشبان لتأدية الخدمة العسكرية مكان الشاب مبارك الذي استدعِي لأدائها عام 1916″. (علي ابن الطاهر.. الشيخ مبارك الميلي.. ص 29). 

وأذكر أن صاحبنا في الرحلة هو الأستاذ غازي بوشامة الذي “لاعب فيه إلا المروءة والإحسان بالبدر”. كما يقول الأمير المجاهد الشاعر عبد القادر، فجزاه الله على وضعه سيارته المريحة تحت تصرفنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • حسين - عنابة

    أنظر إلى الرجل الصالح مصطفى بوالصوف رحمه الله لقد زرع بذرة خير في هذا (المبارك ) فكانت له صدقة جارية نسال الله أن يتقبلها عنده فما أحوج المجتمع لمثل هذا الرجل في بذل المال من أجل إحياء الأمة ، فالصدقة عند عامة الناس محصورة في الفقير وبناء المساجد ، أما مساعدة طلبة العلم فهي محدودة جدا
    فعلى أهل الفضل إحياء هذا الفعل . وشكرا لأستاذنا الفاضل على مساهماته القيمة في إبراز الجوانب المشعة في تاريخنا وديننا .

  • بدون اسم

    لم تقدم جديدا يفيد هذا الشعب .

  • بدون اسم

    لم يقل شيئ من عنده بل اتى بنصوص مكتوبة -الحقيقة تجرح- هذه حجة وليس راى59

  • مخب للشيخ الهادي الحسني

    بصراحة اوجعت قلوبنا بهذا الصديد و القيح الذي تتلفظه في غير موضعه
    اتق الله ودع الناس تعمل حتى ولو اخطأت فالتصحيح يكون بالكلمة الحسنة و اللطف و الرفق لا بال........

  • merghenis

    (و آخر: شارل فيرو..) هو : Laurent Charles Féraud-له كتاب مترجم للعربية و العنوان " تاريخ جيجلي".

  • hocheimalhachemi

    .... البعض من بشر كما قال الله فيهم" ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذي كذبوا بئاياتنا..؟ انها الردة والرداءة ! يكذبون الصادق الأمين ! ويأتمنون الكاذب الأثيم
    أعجب لعصفور يزاحم باشقا = الا لطيشته وخفة عقله
    البحر تعلو فوقه جيف الفلا= والدر مطمور بأسفل رمله
    لا ترج سكر من حنظل فا لشئ = يرجع بالمذاق لأصله
    لاتلم ال... !! فالطيور على أشكالها تقع ؟ فلا يحس بالعظماء والرجال الا من شابههم وعرف قدرهم ؟ بارك الله فيكم يا أساتذتنا الأفاضل فبالعلم يقتدي المخلصين الصادقين

  • merghenis

    للكاتب مقالة بنفس العنوان و بتاريخ 19/07/2015 ،فيها أيضا قائمة أسماء لمؤرخين فرنسيين ،بعض الأسماء تتكرر كــ Emile-Félix Gautier و Gabriel Esquer و آخر :Adolphe
    Hanoteau و آخر: شارل فيرو..غير موجود على الشبكة .ربما يكون Marc Ferro .
    ...................

  • كسيلة

    الحقيقة التاريخية امر نسبي لكن هذا لا يعني التخلي عن الموضوعية لانها امر لا محيد عنه،وليس بعيدا عن الغفلة والاستغفال الذي مارسه كاتبوا التأريخ وتمسك القراء بما سطر تقديسا للمواقف والرجال قياسا للتقديس الديني الذي وضعوه اطارا لتفسير الأحداث،أن هذه التيارات يا شيخ هي التي سعت لتحريف حقيقة الثورة الجزائرية التي ماكانت إلا ثورة وطنية وليست دينية هدفها تحرير الأرض والإنسان،وشارك فيها المتدين وغير المتدين وكل شرائح الأمة الجزائرية بكل توجهاتها الأيديولوجية والثقافية والطبقية وغيرها بهدف طرد الإستعمار.

  • Fennec

    وأغار سنة 1184 على المحمرة والحائر ،فلم يجد أهل البلد الا الاذعان ،فدخلوا في الاسلام وبايعوا عبد العزيز والتزموا السمع والطاعة".(ص 134).
    ويقول عن سقوط الرياض عام 1187 " استولى ابن سعود على جميع ما في الرياض من أموال ونخيل فيئا من الله لأنه لم يوجف عليها خيل ولا ركاب " .(ص 138)
    وهكذا فأموال ونخيل أهل الرياض فيء من الله.
    "هجم سعود على القطيف والأحساء وقتل نحو ألفاً وخمسمائة رجل " ثم أرسل اليهم كتابا يدعوهم فيه الى الدخول في الاسلام ، والطاعة والانقياد" ص 182. الخ
    ****
    هل من جديد؟

  • Fennec

    يصف خضوع أهل القصيم للأمير بن سعود عام 1179هـ ،فيقول " وفد عليه أكثر أهل القصيم فدخلوا في الاسلام وخرجوا مما كانوا فيه من عبادة الأوثان ،فأخذ عبد العزيز عليهم العهد ووضع عندهم معلمين يعلمونهم التوحيد والشرائع والاحكام .وأغار سنة 1184.