قاربت 90 سنة..أريد أن أرى الجزائر قبل مماتي
في كل مرة نجد العلماء محاصرين بما فعلوا وبما لم يفعلوا من جهة الأنظمة العربية..فالشيخ “أحمد الكبيسي” علامة ووحيد دهره وفريد عصره بين نهري الدجلة و الفرات، اضطرته الظروف ليخرجوه منها ويشطبوا إسمه من الداخلين إلى العراق..فهاجر إلى دبي ورفع راية التوحيد والتوجيه حتى يعود الناس إلى الله وإلى الإسلام.. تفاصيل أكثر في هذه السطور.
* تعتبرون من الدعاة الكبار في عالمنا العربي والإسلامي، فهل ما يحدث للأمة الإسلامية اليوم من تكالب نتيجة لبعدنا عن الدين، أم أن له أسبابا أخرى؟
ما يحدث للأمة اليوم من تكالب ليس نتيجة بعدنا عن الدين، لأننا لازلنا شعوبا قريبة من الدين في الجملة، إنما هو نتيجة أسباب أخرى منها إنهيار الدولة الواحدة للأمة الإسلامية لأسباب خارجية إلى جانب سقوط الأراضي الإسلامية بيد أعداء تاريخيين إستولوا على كل شيء فوق وتحت الأرض ابتداء من 1917م ولا ننس أن المستعمرين قسموا الأمة بينهم بالإتفاق ووضعوها في سجن عصبة الأمم، ثم في معتقل الأمم المتحدة، وفرضوا عليها أسماءها وحكامها وسياساتها.
* قلتم في وقت سابق بأن بعض آراء العلماء السعوديين هي سبب النظرة المتشددة عن السعودية، وهي ما تسبب في عزلها كمرجعية للمسلمين، هل هذا مفتعل، ولم؟
مسألة الفكر المتشدد حلقة في سلسلة الوسائل للسيطرة على العالم العربي وهي تتعلق بخلق أحزاب ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله الدمار، فبعد تفتيت الدولة الواحدة كان لابد من العودة إلى تفتيت الشعب الواحد في الدول الفاعلة كمصر والعراق وسوريا إلى جماعات متناحرة تحت شعارات براقة غير قابلة للتطبيق، وقد نجحت الفكرة من خلال الحزب الشيوعي المصنوع في دولة غريبة، توسط هذا الحزب الساحة العربية في منتصف القرن العشرين، أنشأه في العراق رجل مجهول إسمه فهد يقال أنه يهودي وأسسه في سوريا آخر اسمه خالد بكراش، وفي مصر أسسسه عبد الرحمان الشرقاوي، وأبطل الحزب الشيوعي الوحدة العربية وأطلق على من عاداه إسم الرجعية ليبرز مكانه فيما بعد تيار قومي مريب على غرار حزب البعث في العراق وسوريا فأجهز على ما تبقى من فاعلية في تلك الدول وأخرج العراق وسوريا من التاريخ والجغرافيا، أما الآن فظهر رجل مجهول يدعى محمد عبد الوهاب بقي محصورا في المملكة العربية السعودية إلى أن جاء وقت استعماله هو الآخر لتخريب وتهديم كل محاولة للنهوض.
* تسببت بعض الفتاوى التي صدرت من بعض علماء الدين في سفك الدماء وإثارة الكثير من الفتن والحروب في بقاع مختلفة من عالمنا الإسلامي، ما تعليق فضيلتكم على من يبيع ذمته من رموز الدين مقابل امتيازات مادية فانية؟
قال الله في خطورة هذه المسألة: “وأتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان”، وبالتالي هي قضية جاءت في كل الكتب السماوية، وقد شهد هذا العصر عددا من الذين باعوا دينهم وأرضهم وشعبهم في سبيل عرض دنيوي.
* قبل فترة كنتم قد تعرضتم لموجة إنتقادات من الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية أحد البرامج التلفزيونية الإماراتية بداعي التحامل على معاوية بن أبي سفيان، هل هذا التحامل من قبل الجمهور يعكس غلوا في الدين غير مبرر؟ أم أن التفرقة الطائفية التي تميز العالم العربي والإسلامي هي ما يقف وراء ذلك؟
هذا ليس من الجمهور، ولكن من فئة حذرت الناس منها، لأنها فئة مصنوعة للتخريب، ولأن الله سيسألني عن سكوتي عنهم، ومع هذا فإن هذه القضية شغلت الناس منذ فجرها، فمنهم من كان مع معاوية ومنهم من كان مع علي كما هو حال المسلمين اليوم، وأنا أعلنها بأعلى صوتي أني مع علي رضي الله عنه وأنا شافعي المذهب بالوراثة، فأنا على طريقه، حيث كان يجل مذهب أهل البيت أصلا لا تعظيما حتى اتهموه بالرفض.
* الاختلاف السني الشيعي.. ألا تعتقدون أنه لا يخدم المسلمين بقدر ما يخدم أعداء الدين والأمة وما السبيل لنبذه؟
ليس الاختلاف بين السنة والشيعة، فهاتان تسميتان لا خلاف بينهما، لأن الشيعة أتباع مذهب آل البيت من علي رضي الله عنه إلى مجيء إسماعيل الصفوي الذي أخرج بعض الشيعة من الإسلام فصاروا روافض، كما أن بعض المسلمين من أهل السنة نواصب لتفضليهم معاوية على علي، فكل رسالة سماوية صادفت طائفة ضالة تمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء في آخر الأمر وهو ما جرى عليه نسق التاريخ.
* لفضيلتكم عدة إسهامات عبر القنوات الفضائية من خلال برامج دينية مختلفة من إعدادكم، ألا تعتقدون أنها برامج تمس النخبة من الجمهور فقط؟
يقول عليه الصلاة والسلام “أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم”، وهكذا يفعل المسلمون من أهل العلم عندما يخاطبون الناس، وأعتقد أني أفعل ذلك، ولكن جل من لا يسهو.
* لو يحدثنا فضيلة الدكتور عن أحمد الكبيسي الإنسان، ماذا كان ليقول؟
أقول أن عقلي الباطن تشكل منذ الصبا على الحزن إلى حد البكاء عندما أعرف أن جارنا مات هو وأطفاله من غير عشاء، لأنهم لا يملكونه، وقد فرحت كثيرا عندما طلبت العلم فقرأت حديثه صلى الله عليه وسلم “ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع”، فنعمة الغذاء والأمان رأس حقوق الإنسان، وهذا العراق وسوريا وفلسطين شهداء على ذلك، والبقية معروفة. وأقول إن الناس سواسية كأسنان المشط، وأقول بأنه لازال المسلمون يعانون من الملك الجبري، ولا يعود الحكم على هدي النبوة إلا بعد أن تختفي كل الأسماء إلا كلمة الإسلام.
* ما النظرة التي يحتفظ بها الدكتور عن الجزائر، وهل ستزورونها يوما؟
قضينا فترة الخمسينات ونحن شبابا نتابع ثورة الجزائر التي كانت تنقلها صحف وإذاعة العراق على مدار الساعة، وبقيت ذكرى بطولات الشعب الجزائري عالقة في أذهاننا، فإذا رأينا جزائريا فإننا نشعر بالمهابة والتقدير لرجل يتميز علينا بأنه قاتل في ثورة الجزائر التي ضربت مثالا في كل الإيجابيات، أما زيارتي لها فهي أمنية أطلب من الله أن لا يتوفاني قبل أن أراها.
* إنهالت قناة الجزيرة القطرية على فضيلتكم بالنقد من خلال أحد برامج فيصل القاسم، فهل كل من يقف في طريق قطر والجزيرة يصنف في خانة العمالة؟
عندما رجعت إلى العراق بعد فراق سنين وجدته مدمرا بفعل قصف طائرات التحالف التي تطير من قطر، والجزيرة لها الحق، لأنها لا تملك حق أن تمنع ذلك، شأنها شأن معظم بلدان العرب.
* بحكم تكوينكم الإسلامي، ما هي أهم أسباب إبتعاد أجيالنا اليوم عن تعاليم ديننا الحنيف، وكيف السبيل للنهوض بالأمة الإسلامية مجددا؟
الابتعاد جاء من السلطة التي فتحت أبواب الجحيم كالخمور والبنوك الربوية ودور اللهو والبغاء، فالمحكومون لازالوا بخير عدا قلة لا يؤبه لها.
* تعتبرون من الدعاة القلائل الذين طالبوا حكامهم بالاستقالة، ألم يسبب لكم ذلك مشاكل معينة؟
المشاكل تابعتني ولازالت منذ الاحتلال، ثم إخراجي من العراق ولازالت تلاحقني، ولكني محظوظ، لأني بعيد، والله وحده هو الذي يعلم ما يحدث في قابل الأيام.
* العراق مدمر، الصومال، السودان، مصر، ليبيا وغيرها من الأقطار العربية والإسلامية، هل كان بإمكان المعتدي أن يتداعى عليها لولا عوامل داخلية أخرى مساعدة؟
قال صلى الله عليه وسلم “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل”، وهذا وضع آيل للزوال، فإن بعد هذا العهد الذي استمر قرنا كاملا وضعا جديدا.
* ما الذي يمنعكم من دخول العراق اليوم؟
هاجر مئات الآلاف من العراقيين هربا من الإبادة، وهي الهجرة التي تسبق الفتح عادة، فنوع الحكم الحالي في العراق غير قابل للاستمرار بكل المقاييس، فالعراق أكبر وأجل من أن يحكم من قبل هؤلاء.
* كيف تودون ختم هذا الحوار؟
اختم هذا الحوار بأبيات قلتها ربما تفهمين منها ما أعاني:
الناس في الدنيا في كل ما ألقاه صنفان
فذاك يجني وهذا يمدح الجاني
فإن توقيت من يجني بعافيتي
فما السبيل رعاك الله بالثاني
شكوت في مقلتي نزفا فأرقني
أن تترع العين من إعصاره القاني
وساءني أن دهرا خلته جذعا
أصابه ما يصيب الطاعن الفاني
ولست أخشى على ما في من رهب
غوائل تعرف القاصي من الداني
وإنما حتف نفسي أن لي زغبا
زرعتهم بين جلاد ودفان
وصاحب لم تكن تجري مدامعه
بكى على بعض ما ألقى فأبكاني