قانونيّون يؤكدون.. التحرش الجنسي جريمة لا يقيّدها مكان
تتعرّض كثير من النساء يوميا لأشكال مختلفة من التحرش في وسائل النقل، في الشارع، في الإدارات، وحتى خلف الشاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ورغم اتساع الظاهرة وخطورتها النفسية والاجتماعية، إلا أن عددا كبيرا من الضحايا يترددن في التبليغ، بسبب اعتقاد شائع بأن القانون يعاقب التحرش فقط داخل أماكن العمل. وهو اعتقاد خاطئ يساهم في استمرار الجريمة، ويجعل المعتدين يفلتون من العقاب.
التحرش الجنسي لم يعد حادثة معزولة، بل بات هذا السلوك الاجتماعي مقلقا ويتكرر في الفضاءات العامة والخاصة. ومع التطور الرقمي، بات التحرش أكثر حضورا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة وأن المتورطين فيه يختفون وراء الشاشات، ويستعملون هويات وهمية.
وتفضّل كثير من النساء، الصمت خوفا من الفضيحة أو من عدم تصديقهن، بينما تعتبر أخريات أن ما يتعرضن له “أمر عادي” وسلوك اعتيادي في مجتمعنا، ويجب تحمله لتجنب المشاكل.
ضيافي: من سنة إلى 3 سنوات حبسا للمتحرشين عبر جميع الأماكن
وهذا الصمت، بحسب القانونيون، لا يحمي الضحايا، بل يشجع المتحرشين. فكل مرة تمر فيها جريمة دون تبليغ، تتحول إلى رسالة “طمأنة” للمتحرش بأن له أن يكرر هذا الفعل متى شاء ودون عواقب.
مُجرّمة حتى في الشارع ووسائل النقل والوسائط الرقمية
وتعتقد كثيرات أن جريمة التحرش تعني حصرا استغلال النفوذ داخل مكان العمل، كأن يكون المدير أو المسؤول هو الجاني. لكن المختصين في القانون يؤكدون أن هذا الفهم خاطئ ولم ينص عليه القانون.
وبحسب المختص في القانون، إسلام ضيافي، فالمادة 341 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، وإن تحدثت في فقرتها الأولى عن التحرش في إطار العمل، إلا أن الفقرة الثانية جاءت بصيغة عامة لا تحصر الجريمة في مكان معين.
حسيني: كثيرات يُفضلن الصمت خوفا من الفضيحة
وبحسبه، “يعاقب بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة مالية من 100 ألف إلى 300 ألف دينار كل شخص يستغل سلطته أو يمارس سلوكا يحمل إيحاء جنسيا تجاه الغير”.
ويوضح محدثنا، بأن القانون واضح، وينص على أن جريمة التحرش تكون قائمة في كل الأماكن.
ويؤكد، إسلام ضيافي، أن أي شخص يتحرش بآخر، سواء بالفعل أم القول أم بأي سلوك يحمل إيحاء جنسيا، يعد مرتكبا لجريمة يعاقب عليها القانون، بغض النظر عن مكان وقوعها.
مشيرا إلى أن القانون الجزائري لا يربط جريمة التحرش بمكان العمل فقط، بل يجرمها في جميع الفضاءات الممكنة في الشارع، في وسائل النقل، في المؤسسات التعليمية، وحتى عبر الوسائط الرقمية. فالمعيار ليس المكان، بل طبيعة السلوك ذاته.
ويختم المتحدث بالقول، أن التوعية القانونية ضرورية لتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإفهام الجميع أن التحرش جريمة قائمة بذاتها، لا يخففها مكان ولا يبررها لباس أو سلوك أو ظرف.
يخترن تغيير العمل بدل الشكوى..
وتبقى قضايا التحرش في أماكن العمل حاضرة عبر محاكمنا، بحيث تؤكد المحامية بمجلس قضاء الجزائر، صارة إيمان حسيني لـ” الشروق”، بأن المشرع الجزائري جرّم التحرش في الوسط المهني وذلك في الفصل الثاني من قسم الجنايات والجنح ضد الأسرة والآداب العامة القسم السادس، بحيث “يُعد مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة، وبغرامة من 50 ألف دج إلى 100 ألف دج، كل شخص يستغل سلطة وظيفته أو مهنته عن طريق إصدار الأوامر للغير أو بالتهديد أو الإكراه، أو بممارسة ضغوط عليه قصد إجباره على الاستجابة لرغباته الجنسية،وفي حالة العوْد تضاعف العقوبة”.
وتقول المحامية، بأن التحرش الجنسي في العمل شكل من أشكال العنف ضد المرأة، تمارسـه فئة من الرجال، من خلال ممارسة ضغوطات كثيرة على المرأة، لتحقيق غاية، مثلا زيادة عدد مهام الموكلة لها، محاولة إبراز عيوبها المهنية عوض إنجازاتها، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان للفصل الكلي من العمل.
زرمان: نساء أدخلهن التحرش في عقد نفسية وعزلة اجتماعية
وتضيف قائلة: “بالرجوع لنص المادة سالفة الذكر، فإنها اشترطت لقيام عناصرها المكونة لها، أن تكون الضحية مرؤوسة أي تابعة للمتحرش وظيفيا أو بتعبير آخر، أن يكون المتحرش رئيسا للمتحرش بها طبقا للمادة 341 مكرر من قانون العقوبات قبل تعديل 2015، أما بعد تعديل 2015 تم إضافة صفة ثانية للمتحرش، وهي أنه يمكن أن يقوم الركن المادي للجريمة من قبل زميل لزميله أو حتى زبون أو زائر لمكان عملها طبقا للقانون 15/19”.
وبالنسبة لقضايا التحرش الجنسي في الوسط المهني، فتقول المحامية حسيني، بأنها تعرض دوريا على محاكم الجزائر “لكن بصفة قليلة، كونها تعتبر جرائم آداب عامة وتمس بشخص الضحية، وباعتبار هذه الأخيرة امرأة فنجدها متحفظة قليلا، وفي معظم الأحيان خائفة، بحيث تفضل تغيير مقر العمل أو تجنب المتحرش”.
آثار نفسية واجتماعية عميقة
ومن جهته، يؤكد المختص في علم النفس، حسام زرمان، على أن التحرش لا يقف عند حدود الإزعاج اللحظي، بل يترك آثارا نفسية قد ترافق الضحية سنوات طويلة، مثل فقدان الشعور بالأمان، القلق، الخوف من الخروج أو الاحتكاك بالآخرين، وتراجع الثقة بالنفس.
ويضيف المختص في تصريح لـ” الشروق”، أنه من الناحية الاجتماعية، يساهم التحرش في تقييد حركة النساء داخل الفضاء العام، ويؤثر على مشاركتهن في الحياة المهنية “ما يحوله من جريمة فردية إلى مشكلة مجتمعية تمس الاستقرار الاجتماعي”، على حد قوله.
التبليغ خطوة نحو مجتمع آمن
ومواجهة الظاهرة لا تكون فقط عبر النصوص القانونية، بحسب تعبير حسام زرمان، بل “عبر كسر ثقافة الصمت، لأن التبليغ عن التحرش ليس فضيحة للضحية، بل حماية لها ولغيرها. فكل شكوى تُودع هي رسالة بأن المجتمع لم يعد يتسامح مع هذا السلوك”، على حد قوله.
كما أن محاربة التحرش مسؤولية جماعية، تساهم فيها الأسرة، المدرسة، الإعلام، والمؤسسات القانونية.
وقال زرمان، إن بعض المتحرشين رقميا، وعند مواجهتهم، يتذرّعون بأنهم يمزحون فقط، وعليه فالرسالة التي يجب أن تصل بوضوح، يقول المختص النفساني: “إن التحرش ليس مزاحا ثقيلا ولا تصرفا عابرا، بل جريمة يعاقب عليها القانون، وصمت الضحية ليس حلا، بل بداية لاستمرار المعاناة”.
وبحسبه، عندما يتحول الوعي إلى ثقافة، يصبح الفضاء العام ملكا للجميع دون خوف.
ويختم محدثنا، مؤكدا أنه استقبل في عيادته عدة فتيات وحتى نساء كن عرضة للتحرش في فترة من حياتهن، وسبّب لهن الأمر عقدا نفسية لازمتهن طيلة حياتهن، حتى أن بعضهن فرضن على أنفسهن عزلة إجبارية خوفا من المجتمع.