-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قبل انتهاء الفتنة في سورية

صالح عوض
  • 2204
  • 0
قبل انتهاء الفتنة في سورية

نوشك الأن على طي صفحة الموت المجنون في سورية وقد أسقط في أيدي المحرضين والممولين على الخراب، ولم يعد لصوتهم وجود في ظل تراجع القرار الغربي عن مسلمات خطابه السياسي لجهة ترتيب الأوضاع في سورية.. وهذا يدفعنا إلى قراءة في اتجاهات عدة نحو أسباب الأزمة، فما حصل في سورية خلال أربع سنوات من العنف والقتل والتدمير والتهجير يدعونا إلى الوقوف بتدبّر للبحث عن محاضن الخراب والفتن وتطهيرها لكي لا تعود الأزمة مرة أخرى بعد فترة من الزمن، وتقديم قراءة أخرى حيث ينبغي التقدم من المشهد لقراءته وربط أجزائه ببعضها، فكل تطور في ميدان يتأثر ويؤثر في الأجزاء الأخرى منه، فنحن في جبهة صراع حضاري يقف على الجهة الأخرى عدو متكامل متعاون؛ إنه الغرب الاستعماري، وعلى جبهة مضادة الأمة الواحدة.. أمتنا بكل مكوناتها رغم ما يحاوله البعض بينها من إثارة لاختلافات قومية ومذهبية.. ونحتاج إلى قراءة ثالثة في تطور آليات الصراع والخريطة الدولية وتحرّك مراكز الفعل والقرار وتشابك المصالح وما ينتج عنه من تعديل في موازين القوى العالمية ومحاولة استنباط أسباب المواقف المتعددة والمتناقضة أو المتقاربة وأسباب التغييرات الحاصلة وإلى أي مستقبل نحن نسير.

إن قراءة ثلاثية الأبعاد تكشف لنا أين نضع أقدامنا، وكيف نتصرف على ضوء من رؤية واضحة تستند إلى العلم وليس إلى الأهواء والرغبات، فالمعركة جدّ لا لبس فيه، اشتركت فيها كل قوى العالم، فالإقليم كله اشتبك إما مع أو ضد، والعالم كله تدخل بالسلاح والمال، إما مع أو ضد، فكانت الأرض السورية ساحة تصادم المصالح والاستراتيجيات وكان لحم السوريين هو المباح في هذه الحرب المجنونة وكانت بيوتهم ومدنهم ونموذجهم الأرقى هو المستهدف.. إنها معركة عالمية بأقل التكلفات، وهي بلا شك سترسم حدود النفوذ للدول وترسم مسارات العلاقات القادمة بين دول الإقليم والعالم.

لن نستطيع في المتاح من مساحة هنا تناول الأبعاد الثلاثة لتمثّل الحالة بما لها وما عليها.. ولعله مما يهم السوريين والقريبين من سوريا بشكل مباشر أن يتم الحديث عن الداخل السوري الذي تعرّض لهزات عنيفة مزّقت اليقين ونسفت الاستقرار وبعثرت المجتمع نفسيا وروحيا وماديا. 

في سورية هذا البلد العربي المتاخم لفلسطين، والذي تحمّل من أعباء قضيتها القسط الأوفر، استمر في صموده رغم انسلال الكثيرين من الميدان.. واستمر في دعمه للقضية الفلسطينية والمقاومتين الفلسطينية واللبنانية ضد الكيان الصهيوني يدربهما ويزودهما بالسلاح والأمن والاستقرار والحماية.. ودعمه للمقاومة العراقية بتوفير العمق الاستراتيجي لها ضد الاحتلال الأمريكي.. في سورية حققت البرامج الزراعية وفرة في كل شيء حتى كان البلد مكتفيا ذاتيا في احتياجاته الغذائية، وأيضاً في كثير من منتوجاته الصناعية الخفيفة والمتوسطة.. وظلت البلاد قادرة على استقبال ملايين المهجّرين والقادمين العرب بسلاسة.. ولم يكن في البلد تغوّل طائفي وإن كانت هناك بعض التجاوزات الفردية التي تحتمي بالطائفة، حيث ظلت ثقافة النظام تنأى عن التوزّع الطائفي، وظلت أجهزة الدولة الأمنية والسياسية في غالبيتها بعيدة عن الامتيازات الطائفية..

 

لم يفكّر النظام السوري في مساعداته الاقليمية بأي بُعد طائفي فكان دعمه للفلسطينيين السُّنة في مقاومتهم ضد الصهاينة ومساعدته للعراقيين السُّنة في ثورتهم ضد الأمريكان.. هذا الكلام يأتي من باب الانصاف، ولكنه لا يعني أن ليس هناك أخطاء، بل وربما خطايا ولّدت البيئة المناسبة للعنف والخراب والتأزم الذي استدعى قدوم المجموعات المسلحة بعناوينها المختلفة والعديدة.

هذا هو الوجه المشرق لسوريا التي لم تفقد لحظة بوصلتها نحو القدس ورحّبت بكل من كانت له النية والارادة في مواجهة المشروع الصهيوني والغربي في المنطقة، ومن هنا كان ترحيبها المبكر والثابت والمبدئي بإيران فكانت بوابة إيران الوحيدة تقريبا على العالم.. لم يفكّر النظام السوري في مساعداته الاقليمية بأي بُعد طائفي فكان دعمه للفلسطينيين السُّنة في مقاومتهم ضد الصهاينة ومساعدته للعراقيين السُّنة في ثورتهم ضد الأمريكان.. هذا الكلام يأتي من باب الانصاف، ولكنه لا يعني أن ليس هناك أخطاء، بل وربما خطايا ولّدت البيئة المناسبة للعنف والخراب والتأزم الذي استدعى قدوم المجموعات المسلحة بعناوينها المختلفة والعديدة، وهنا لابد من فتح الحديث على وسعه.

لقد استبدّ النظام بمقولاته الفكرية المتحجّرة حول الحزب والقومية والعلمنة بطريقته الخاصة.. ولم يعُد في سورية، مهد العلماء والأئمة والحضارة، مناخٌ مواتي للاختلاف والتنوّع الفكري والسياسي وعجت السجون بالمخالفين في الرأي وغابت الصحافة الحرة، ولم تعرف البلاد تنوّعا سياسيا حقيقيا، وكان التعسف في ممارسة القضاء والمتابعات تعسفا غبيا مستفزا قاهرا.. إلى درجة أن النظام كان يلاحق المختلفين معه خارج الحدود فيمنع عنهم جوازات السفر وأوراقهم الثبوتية.. وتراكمت الاجراءات الظالمة والممارسات القمعية بدون مراجعات حرصا على هيبة الدولة والنظام، حسب رأي القائمين على النظام، فكان هذا هو المناخ الذي صنع لدى السوريين حالات احتقان أصبح من الصعب في ظلها التمييز بين الاصلاح والتخريب.. ورغم كل ما يمكن أن يقال عن طبيعة العدوان على سورية، إلا أننا لا يمكن أن نستبعد هذا العمق الكبير والخطير: إنه عدم إمكانية استعباد الشعب السوري الحر الأبي، فالشعب السوري لا يساس بالعصا.. قد يقبل أن يساس بالدهاء والذكاء والحيلة، لكن طبيعته ترفض القهر والضيم.. إنها الشام فخر العرب والمسلمين.. لم يدرك ضباط الأمن وقيادات حزب العبث العربي الاشتراكي طبيعة شعبهم، فأمعنوا في إدارة الظهر له، وظلوا في سلوكهم القائم على أن الحزب هو القائد وهو المهيمن ولا وجود إلا لمن يتفق معه مئة بالمئة.. صحيحٌ إنها مشكلة سورية بإتقان، حيث لا يقبل السوريون بكل اتجاهاتهم منك إلا أن توافقهم تماما بلا نصيحة أو نقد، فإما أن تكون معهم تماما في كل ما يقولون وإلا فأنت مع الخصم.. قد يكون ذلك بسبب تعرّضهم لحالات من القمع والضغط المتوالي..غنيّ عن القول أن كل ما حصل من قبل النظام لا يبرر تخريب البلد والتعاون مع العدو لتدميره.

لقد استبدّ النظام بمقولاته الفكرية المتحجّرة حول الحزب والقومية والعلمنة بطريقته الخاصة.. ولم يعُد في سورية، مهد العلماء والأئمة والحضارة، مناخٌ مواتي للاختلاف والتنوّع الفكري والسياسي وعجت السجون بالمخالفين في الرأي وغابت الصحافة الحرة، ولم تعرف البلاد تنوّعا سياسيا حقيقيا، وكان التعسف في ممارسة القضاء والمتابعات تعسفا غبيا مستفزا قاهرا.. 

الآن وقد دمّرت المدنُ والقرى وتمّ تهجيرُ ملايين السوريين وخُرِّبت المؤسسات والمصالح والبنية التحتية للبلد، لابدّ من وقفة شجاعة من قبل النظام والمعارضة مبنية على معرفة لكل أبعاد المشهد والحديث بعمق عن مستقبل السوريين جميعا.. لابد من المصالحة التامة الشاملة والوئام بين أهل البلد ووضع خطط لإعمار المدن، ولابد من تحرك الدولة بأسرع وقت ممكن وبإمكانيات حقيقية لتشمل بالعطف المهجّرين جميعا وفي كل أصقاع الدنيا وإعادتهم لوطنهم حسب برامج عملية جادة، ولابدّ من بناء وضع سياسي بأحزاب وقوى معارضة وحرية صحافة تجمع على مسلّمات الوطن وتتعدد في اكتشاف الآليات لتحقيقها..

سورية شامة العرب ومعقل الإيمان ومهوى فؤاد محمد صلى الله عليه وأله وسلم ستولد من جديد بكل أبنائها ليسقط القتلة والفاسدون عن أعتابها لا ينالون منها إلا أذى.. حمى الله سورية وشعبها ودولتها.. وتولانا برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!