الرأي

قتلاهم في “الجنة” وقتلانا في “النار”

لا يُدهشك تعامل الغرب مع مختلف الأحداث، التي يكون أحد طرفيها من المسلمين، سواء كان ضحية أو متهما، كما حدث في مجزرة شارلي إيبدو وفي المجزرة الإرهابية في كارولينا الشمالية، ولكن يُدهشك تعامل المسلمين مع هذه الأحداث، إعلاميا وسياسيا وشعبيا وحتى فقهيا، رافضين أن تبقى العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين، ويحوّلونها عن طيب خاطر للطرف الآخر، وسنكون صادقين عندما نقول بأن الدموع التي سُكبت واللعاب والحبر الذي سال على ضحايا مجلة شارلي إيبدو الساخرة من نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، من عيون وألسنة وأقلام رجال السياسة والإعلام والدين، فاقت ما سكبته الأمة على فلسطين منذ محنتها عام 1948، ولن نتحدث عن الضحايا الفلسطينيين الذي طلبوا العلم في أمريكا فأبادتهم رصاصات العنصرية والعداء للدين الإسلامي، أمام صمت الغرب والشرق معا.

ومؤلم أن تطالب مثلا وزارة الأوقاف في الجزائر من السلطات الفرنسية أن تسمح لها بإقامة مهرجان في باريس للتعريف بقيم الإسلام السمحاء، لتصحيح ما هو واضح للعيان، للملمة جراح الفرنسيين، وأن يشارك وزير خارجية البلاد في مسيرة تضامنية مع الضحايا ومع المجلة الساخرة، ولا نسمع عن أي تحرّك ولو بأضعف الإيمان لتذكير الأمريكان على الأقل، بأن “إرهابهم” وأحقادهم هي التي ولّدت ما يحدث بين الحين والآخر من ردود فعل وولادة لمنظمات سفاكة للدماء.

وكما تمكنت إسرائيل من أن تحول “الهلوكوست” إلى محنة عاشتها، يجب على العالم أن يبكي معها وأن يُجرّم من لا يعترف بوجودها، وأن تحوّل كل المجازر التي اقترفتها في دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغزة، إلى حق في دفاعها عن نفسها ضد “الإرهابيين” من أطفال ونساء، تمكن الغرب من أن يحوّل أي طلقة نار من رجل منتسب لدين الإسلام، إلى إرهاب تدمّر فيه بلدان وتُقهر فيه شعوب، وأي طلقة نار تصيب أي مسلم، خبر عادي ضمن الأخبار العابرة، كما حدث مع العائلة فلسطينية الأصل، التي أبيدت في الولايات المتحدة، ولم تجد من يقرأ على روحها فاتحة الكتاب.

ما بين حادثتي باريس وكارولينا الشمالية شهر واحد، ولكن الفارق بين ما قامت به فرنسا، التي لا يزيد تعداد سكانها عن الستين مليونا، من أجل ضحاياها، وما قام به مليار ونصف مليار مسلم، يؤكد بأن نفاق الغرب ما كان ليكون، لولا هذا النفاق الذي صار يطبع حياة المسلمين، حيث لم ترق كل ردود الفعل فوق سقف التنديد، ولم تصل درجة المسيرات والأعداد الإعلامية الخاصة وإعلان الحداد الوطني الذي قامت به فرنسا وسايرتها العديد من بلاد الغرب والشرق.

سؤال محرج لبعض الجزائريين من الذين وقفوا في إحدى بلديات ولاية بجاية تضامنا مع قتلى مجلة شارلي إيبدو، ولإحدى الصحف الناطقة باللغة الفرنسية التي حوّلت صحيفتها إلى حائط مبكى على رفاقها من ضحايا شارلي إيبدو، ولكل الأئمة الجزائريين الذي يؤمون في مساجد فرنسا بأموال الجزائر من الذين خصصوا خطب الجمعة لاستنكار ما طال الغرب من “إرهابنا”. ألا يستحق ضياء وزوجته يُسر وشقيقتها رزان وقفة حزن أو سطرا في صحيفتهم أو قراءة فاتحة في خطبكم؟

 

أم أنكم اقتنعتم بأن موتاهم في الجنة وموتانا في النار؟

مقالات ذات صلة