الرأي

قتلة “الوطنية” بأدوات الموت الاجتماعي

حبيب راشدين
  • 2741
  • 12

ابحثوا معي عن المجرم الآثم الذي زرع بذور اليأس من الوطن في قلب مواطنة شريفة، ولدت في موطن الأمازيغ الأحرار زمن الاستقلال، وعشقت لسان العرب لتنكل بها إدارة ترطن بلسان فولتير، وسلطة تحتقر حملة علوم الإنسان، بين شعب ترى أنه قد أميتت فيه الروح القتالية لجيل نوفمبر، ومعها حب الوطن.

لا أجد في نفسي ما يلزمني الاعتذار الواجب للقارئ، وأنا أتنازل طواعية وعن طيب خاطر عن هذا الفضاء لمواطنة شريفة، عز عليها أن تهان في بلد المليون ونصف المليون شهيد، أشعر أني قد اقتحمت عليها من غير إذن وجدانها المكلوم بمظالم الأهل والعشيرة والوطن، بالدعوة لتجديد الروح القتالية لجيل نوفمبر، لأنه أقل واجب من مواطن حكم عليه مثلها بالموت الاجتماعي داخل قطار الإقصاء، الذي تكون قد ركبته وهي مكرهة هذه الأخت الفاضلة، العاشقة مثلي للسان العرب، في بلد تتحكم فيه إدارة ترطن بلسان العلوج من ورثة دفعة لاكوست، وإلا ما كانت هذه الأمازيغية الحرة تستنبت في وجدانها كراهية مخالفة للفطرة، لوطن يفترض ان يتسع للجميع، وتراود نفسها على الهجرة إلى أرض الله الواسعة بعد أن ضيق الأهل عليها وعلى أمثالها ما رحب من الوطن. وقد آثرت أن أنشر الرسالة كاملة كما وردت علي من السيدة ابنة بجاية: أسماء أدور. 

 

السلام عليكم ورحمة الله 

 شاء الله أن أعرف الأستاذ “راشدين” قبل أشهر قليلة من خلال بعض المقالات عبر جريدة الشروق (طلب الإمارة ولو على الحجارة)، (درس أبناء أمازيغ للإخوان من العرب)، (مِنْ سَنَةِ الإخْوان إلى عامِ الجماعة)، (قرض حسن لتشغيل عقول الشباب)، (العهدة الرابعة في ميزان العقل)..هي عناوين، شدّتْ انتباهَ قارئة جاهلة بهذا الكاتب اللبيب، والمحلِّل الأريب، صاحب القلم المتميز..فهي قليلة القراءة للكتّاب الجزائريين  ,,    

أستاذي الفاضل، لا أخفي أنّ طريقتكم قد استفزّتني في بدايات قراءتي لكم فهجرتها، لكنها سرعان ما عاودت اجتذابي إليها، فتجمّلتُ بالصبر عليها حتى ألِفتُ ريشتَكم “الغريبة” عن الديار الجزائرية في الأداء والكتابة.

“لا يمكن للمواطن الذي لم يعاين “الاستدمار الفرنسي” أن يستشعر هذا الذي تدعوه إليه، فكيف به وقد عاين “خراب” و”فوضى” بلده بأيدي أبنائه؟أنّى له أن يستشعر تلك الروح القتالية التي كانت لأسلافه الأحرار؟”

قرأتُ باهتمام وتقدير وإكبار مواضيعَكم الرائعة المنشورة في جريدة “الشروق” وكم سرّني أن صادفتُ روحا راقية فذة في التحليل والنقاش مهما يكن القارئ مخالفًا لكم في الرأي والتوجّه، فإنه لا يسعه إلا أن يقفَ مشدوها أمام قوة التجرد، وروعة التحليل، وجميل الطرح، حيث الموضوعية والعقلانية والإنصاف. 

 كتبتُ لكم رسالة تعقيب على المقالات الرائعة المتعلقة بالشأن المصري، وأسفني كثيرا كونها لم تصلكم، فاسمح لي اليوم بالتعقيب على الموضوع الموسوم بـ”استلهام الروح القتالية لنوفمبر” وأرجو من شخصكم الكريم منحنا بعض الوقت لقراءة الرسالة، فقد أثار المقال أشياءً دفينة كنتُ أرغب في إبدائها لمسؤولينا، لكنها الآن موجّهة إليكم:

كتبتُم في صدر العمود: إحياء الذكرى 59 لاندلاع ثورة التحرير المجيدة، “يفترض على الدولة والمواطنين على حدٍّ سواء الالتفات إلى ما ينبغي أن نستشعرَه ونحن ندخل السنة الأخيرة من العقدِ السادس لواحدة من أهمّ ثورات التحرير في القرن العشرين…” ثم قلتم: “.. باستحضار تلك الروح القتالية الفريدة التي دفعتْ بشعبٍ أعزل من 6 ملايين نسمة إلى الدخول في تحدّ مفتوح مع مستعمر كان يُصنّف وقتها كثالث قوة عالمية…غير أنّ أهم توافق ينبغي أن نستحضر مفرداته ونستلهمه من الذكرى، هو الحاجة إلى إحياءِ تلك الروح القتالية للشعب الجزائري ونخبِه التي صنعت الفارِق …. في ذمّة كل مواطن منا دَيْنٌ مستحَق للمليون ونصف المليون شهيد، لم نفِ به حتى الآن، فنحن لا ندين لهم فقط بالاستقلال واستعادة السيادة الكاملة، بل ندين لهم بتلك الروح القتالية الصلبة، وبذلك الذكاء الثوري في إدارة ملفّات الثورة العسكرية القتالية كما السياسية والديبلوماسية التي أتعبت الحكومات الفرنسية المتعاقبة…”

 

أستاذي الفاضل

لا أفهم لماذا لم أستوعب مدلولَ دعوتكم لاستحضار وإحياء الروح القتالية للشعب الجزائري، ودارت الفكرة في ذهني حتى سألتُ أختي عنها، التي استغربتْ مني هذا الطرح كون الجملة واضحة كل الوضوح في الترجمة عن معناها كما قالتْ! ثم أردفتْ: الكاتب محق، فإنّ تلك الروح القتالية الصلبة هي اليوم “باردة”، “هشة” عند هذا الشعب.

قلتُ في نفسي: (إنّ كلامَكم حريّ به أن يُوجَّه للمسؤولين عموما وللأسرة الثورية خاصة.. لا يمكن للمواطن الذي لم يعاين “الاستدمار الفرنسي” أن يستشعر هذا الذي تدعوه إليه! فكيف به وقد عاين “خراب” و”فوضى” بلده بأيدي أبنائه؟ أنّى له أن يستشعر تلك الروح القتالية التي كانت لأسلافه الأحرار؟ ثم ما معنى: استلهام، واستحضار، وإحياء الروح القتالية؟؟ أهي دعوة للتفكر وتمثّل تلك الروح في أرض الواقع؟؟ ثم رجعتُ إلى نفسي بالجواب عن تساؤلي، فقلتُ لها: إنّ الأستاذ لم يقل شيئا نُكْرا، بل الحق معه، فإنّ العيش في هذا البلد بحرية وكرامة وعزة يستدعي روحًا قتالية صلبة لمواجهة العقبات والعراقيل والتحديات الكثيرة جدا …!)

قبل سنوات قليلة، كنتُ أستشعر العزة والفخر والكرامة والمجد وكل معاني الإباء عند كل احتفال بذكرى ثورتنا العظيمة.. وكنتُ أبكي فخرا لرؤية صور الأبطال المجاهدين..كان ذاك في الماضي، قبل أن أصير اليوم هذه المواطنة التي لا تجد في وجدانها إلا معاني الحسرة بل قل “الازدراء” لهذا الوطن! حتى صرتُ أرغب لو أني ما كنتُ جزائرية! فكيف تدعوني اليوم لاستشعار تلك الروح القتالية للشعب الجزائري إبان الاحتلال؟؟ لا أستشعر أيّ دَيْنٍ تجاههم، فهم قد جاهدوا عدوا وجب مجاهدته ومحاربته! بل أرى هذا “الدَّيْن” حقيقا أن يستشعره أولئك الذين قتلوا وطمسوا فينا كل معاني الوطنية والكرامة!! كم آلمني كثيرا يوم تمنّيتُ من كل قلبي أن أكون “مصرية”! مهما يكن الفساد والظلم طاغيين في أرض الكنانة، فإني أراه أضعافا مضاعفة في بلد المليون ونصف المليون شهيد..لا أدري لماذا في أرض الكنانة يجد المواطن هويّتَه وروحه، ويستشعر وطنيّتَه، في حين ينعدم هذا الإحساس عند الجزائري أو لأقل عندي! ولا أفهم نظرة غيرنا إلى ثورتنا بعين الإكبار والإجلال، في حين أنها ليست كذلك في أعين أبنائها؟

تكتب إليكم مواطنة من العاصمة، أجدادها “أمازيغ أحرار” (من بجاية)، لم تعاين الاستدمار الفرنسي إلا أنها كبرت على سماع معاناة أبيها وعمها رحمهما الله في منطقة القبائل مع المحتل، وهي معاناة غالبية الشعب الجزائري,لكن للأسف، قد أفلحت فئة عريضة من المجتمع الجزائري إذِ انتزعت من الشعب جهادَه وكفاحَه، واحتكرت “الثورة” لنفسها وأبنائها طمعا في النفوذ والحظوظ، وقنّن القوم لأنفسهم دساتير تكفل لهم تلك الحقوق بغير وجه حق! وتحظى تلك الفئة دون بقية الشعب الجزائري بكل الامتيازات التي  تضمن لها رغد العيش كما هو معلوم! ويمكنك أن تراهم كل عام بل عند كل ذكرى وطنية مجتمعين يأكلون، ويتنعمون، ويتلذذون احتفالا بالثورة المجيدة الخالدة!!  و”يحيا” الشعب الجزائري عند كل انتخاب فهو صاحب الثورة المجيدة وواجب الوطن يدعوه للتصويت!

أنّى لي أن أستشعر تلك الروح القتالية لأجدادي، وأنا اليوم أعاين ضياعَ الهوية الجزائرية، ومحاربةَ المبادئ التي قاتل من أجلها أجدادُنا!؟ أجدني اليوم “غريبةً” في الجزائر، أنا “الأمازيغية”، التي كان ذنبها أن عشِقَتْ “لغة العرب”! وحلمتْ بأن تصير يوما كاتبة مقتدرة، وتنشر كتابا لها! حيث كان كل من يعرفها ويقرأ لها يشجعها ويحثها على المضي في طريق الكتابة.. كانت لهذه المواطنة روح صلبة “عنيدة” تحدّت مختلف العقبات في طريقها الدراسي، حيث رفضت بيئتُها اختيارَها “العلوم الإنسانية” في دراساتها العليا، ولأنّ لغة فرنسا كانت لها السيادة على غالبية المجالس العائلية والمحيطية، فقد كان عسيرا ذاك التحدي الذي واجهتُه مدة طويلة حتى افتككتُ بحمد الله الشهادة العليا والتي لم أفرح بها كثيرا، إذ سرعان ما غدت سببًا- من حيث لم أحتسب- لعذاب وضنك لازماني سنين..

 

“أنّى لي أن أستشعر تلك الروح القتالية لأجدادي، وأنا اليوم أعاين ضياعَ الهوية الجزائرية، ومحاربةَ المبادئ التي قاتل من أجلها أجدادُنا!؟ أجدني اليوم “غريبةً” في الجزائر، أنا “الأمازيغية”، التي كان ذنبها أن عشِقَتْ لغة العرب”

لقد أفلحت إدارتُنا الموقرة كل الفلاح في جعل المواطن “يلعن” حبّه للغة بلده-إن كانت كذلك فعلا- فقد كانت عذابا وغرما تلك المهانة التي ذقتها بسبب شهادتي الجامعية التي لم تكن في العلوم التقنية، فالجزائر اليوم كما قال السيد الوزير الأول ليست في حاجة إلى العلوم الإنسانية!! (وجَهِلَ المسكين خطورة هذه الدراسات وعملها الجلل في الغزو الثقافي الفكري الحضاري للأمة..ولكن من يأبه لهذا!!؟؟) تعمل في الإدارة الجزائرية “المعرّبة” وتضيف أشياء لها، ويثني الكل على تفنّنك وجهدك في العمل، ثم تبقى في ذيل الرتب (منظفة) سنين بسبب شهادتك التي “لا يَعترِف” بها القانون الجزائري في الإدارة المعرّبة، وأنت ترى ذوي الشهادات التقنية والمهندسين في المراتب العليا يحظون بالامتيازات والتشجيعات! ويشهد الله أنْ لا عمل لهم! بل هم من يلجأ إليك لتسعفهم بتحريرك وتعبيرك!..إنها الإدارة الجزائرية التي فيها قابلتُ مختلف الفئات التي غرستْ في وجداني شجرة الازدراء إزاء من يحكمنا ويتسلط علينا. لم أرَ فعل مسؤولين تنكروا بل خانوا مبادئ ثورتهم كفعل مسؤولينا الذين يتسابقون لإحياء ذكراها.

هذه المواطنة التي كانت توصف بالعناد، تراها اليوم “ضعيفة، يائسة”، “مهزومة النفس”. فَفِعْلُ الضربات والهزات والصدمات النفسية الوجدانية المتعاقبة المتكررة التي تلقيتُها، وتحمّلتها في زهرة شبابي على مختلف الأصعدة، قصمتْ ظهري، وحطّمتْ طموحاتي المعنوية، ووأدتْ قدراتي العلمية والفكرية، حتى وجدتني اليوم في حلقة مفرغة أراوح مكاني، ما زلتُ أتجرّع عواقب الأذى الذي أنهك قواي، وأحزن نفسي حزنا عميقا أليما،، حتى وصل بي الحال إلى كرهٍ ومقتٍ كبيريْن لكل ما هو جزائري لم أعهدهما من قبل!!

صورة الجزائر اليوم مسودة في عيني، ولو قدرتُ على مغادرة هذا البلد لفعلتُ! ولو كان ابن باديس رحمه الله حيا لقلتُ له جوابا عن سؤاله: لمن أعيش؟: أعيش لعقيدتي فحسب، فالجزائر لا تسمح لأبنائها المخلصين بالعمل لها، بل هي تقمع كل من يعمل لإحيائها والارتقاء بها. جزائر الأمس يا شيخ باديس، ليست هي جزائر اليوم!

و لستُ أنكر جنسيتي الجزائرية طبعا، لكني اليوم لا أفتخر ولا يشرفني أن أكون جزائرية، للأسف الشديد!!

فلا تطالبني أستاذي الفاضل، بعد الذي ذكرتهُ لكم، بالذي سطّرتَه في مقالك، فقد هزموا فيّ تلك الروح الصلبة وحطّموها تحطيما..

جيل الأمس قاوم وتحدى عدوا بيّنا ليس من ملته، مهما تكن قوته وبطشه، فإنّ فتنته لا تضاهي فتنةَ الأهل والإخوان! مقاومة العدو تغرس في النفس التحدي والصمود، لكن بالله عليك أخبرني عن أذى عشيرتك وقومك لا يخبر بمرارته ووجعه إلا من ذاقه.

“كفرتُ” اليوم بأسطورة نوفمبر، بعد أن كنتُ في الماضي من “المصدِّقين” العاملين لها، وليس الذنب ذنبي، فقد أُكرهتُ على الكفر بها، ومن فعل بي هذا هم المتشدقون بالأسطورة الخالدة، الحاملون للوائها والمهللون بحمدها.. أولئك الكذبة الخونة!!

أسماء أدور

مقالات ذات صلة