الرأي
لقواط 1852.... الإبادة التي أسّست لقرنٍ من الظلام

قراءة تاريخية إنسانية في أول جريمة باسم “الحضارة”!

لعلى بشطولة
  • 446
  • 0

هناك أحداث تصمتُ عنها الوثائق، لكنّ الأرض لا تنساها. وهناك مدنٌ تموت، لكنها تواصل الكلام في ذاكرة أهلها، وفي الهواء الذي بقي معلّقاً فوقها كدعاء لم يكتمل.

ولقواط — تلك الواحة الصغيرة المنسية في قلب الصحراء — واحدة من تلك المدن التي لم تنتهِ حين سقطت.

بل بدأت حين سقطت.

ففي ديسمبر 1852، بينما كانت باريس تتزيّن بالأضواء احتفالاً بالذكرى الأولى لتتويج نابليون الثالث، كانت لقواط تعيش لحظاتها الأخيرة.

وفي اللحظة ذاتها التي كانت فيها الشمبانيا تُرفع في قصور التويلري، كان الدم يُسكب في أزقة المدينة الصحراوية.

مشهدان متوازيان لا يجتمعان إلا في تاريخ تُكتَب صفحاته بالسيف ثم تُقدَّم، دون خجل، على أنها “رسالة الحضارة”.

وهذا النص ليس مجرد إعادة سرد لوقائع المجزرة، بل محاولة لقراءة اللحظة، وتفكيك سببها، واستعادة روح الذين اختفوا فيها.

هو نص يبحث عن العدالة بالكلمات، بعد أن فات الأوان على العدالة بالسلاح.

أولاً: إمبراطورية تبحث عن دم تثبت به نفسها

عندما نفّذ لويس نابليون انقلابه في 2 ديسمبر 1851، لم يكن يحظى بشرعية قوية.

كان بحاجة إلى رمز، إلى حدث كبير يعيد بناء الثقة، ويُظهر فرنسا على أنها قادرة على إخضاع الشعوب التي تقع تحت رايتها.

ولأن أوروبا كانت ساحة حسّاسة، ولأن الداخل الفرنسي كان يعاني من جروح سياسية واجتماعية، كان لا بدّ من “مسرح خارجي” يصنع عليه الإمبراطور الجديد مشهده الأول.

وهكذا توجّهت الأنظار نحو الجزائر.

ومن بين كل مدنها، برزت لقواط — تلك المدينة العنيدة التي قاومت عشرين عاماً — كهدف مثالي.

إنها صغيرة، ولكنها غير خاضعة.

ضعيفة، ولكنها لم تركع.

ولذلك، يجب أن تُباد.

في أواخر نوفمبر 1852، وصل الأمر إلى الجنرال أيمابل بيليسييه، المعروف باستخدامه الخنق بالدخان في مغارات الظهرة.

وكان الأمر كما كشفته الوثائق:

«يجب أن تسقط المدينة قبل 4 ديسمبر… ليصل الخبر في يوم الاحتفال.»

هكذا إذن…

لم تكن لقواط مشكلة عسكرية.

بل كانت موعداً سياسياً.

ثانياً: الحصار — حين يبدأ الموت قبل أن تبدأ المعركة

وصلت القوات الفرنسية إلى مشارف المدينة:

ستة آلاف جندي، اثنا عشر مدفعاً، مخزون ضخم من الذخيرة، واستعدادات لا تليق بواحة صغيرة، بل بمعركة ضد دولة.

وفي الداخل، كان أهل لقواط يعيشون الأيام الأخيرة دون أن يعرفوا أنها الأخيرة.

النساء يحاولن تهدئة الأطفال.

الرجال يراقبون الأطراف.

الشيوخ يستعيدون ذكريات المعارك القديمة.

الكلّ يشعر بأن شيئاً أسود يقترب، لكن لا أحد يعرف حجمه.

كانت الريح تحمل أصوات الجنود.

وكان الليل يزداد ثقلاً كلما اقترب موعد 2 ديسمبر.

الحصار لم يكن عسكرياً فقط —

كان حصاراً نفسياً، كأن المدينة كانت تُجرد من آخر أنفاسها قبل الضربة.

ثالثاً: 2 ديسمبر — حين انهار السور وانهارت معه المدينة

مع أول ضوء للفجر، انطلقت القذائف.

تساقطت أجزاء من السور القديم.

ارتجّت البيوت الطينية.

انفجرت الخزانات، وتناثرت الجدران.

وبحلول منتصف النهار، كانت القوات الفرنسية تتدفّق داخل المدينة كطوفان جائع.

وكانت الأوامر صارمة:

«لا تأخذوا أسرى… ولا تتركوا شيئاً خلفكم.»

تبدأ هنا المرحلة التي لا يصفها المؤرخون عادة، إمّا خجلاً، أو إنكاراً، أو لأنها أبشع من أن تُكتب ببرودة أرشيف.

رجال قُتلوا أمام أطفالهم.

أمهات قُتلن فوق مهد أطفال رضّع.

أطفال ذُبحوا في الأزقة.

نساء اغتُصبن ثم قُتلن لإخفاء الجريمة.

شيوخ أُحرقوا في بيوتهم لأنهم لم يستطيعوا الفرار.

كتب جندي فرنسي في رسالة لأهله:

«لقد شاهدت جحيماً لا لغة تستطيع وصفه.»

وهكذا تحوّلت لقواط من مدينة إلى مساحة موت.

من مجتمع إلى غبار.

رابعاً: 3 ديسمبر — اليوم الذي سُمّي فيه القتل “تنظيفاً”

مع شروق اليوم الثاني، لم يعد هناك قتال.

لكن الجريمة كانت في بدايتها.

بدأت القوات عملية “تنظيف المدينة”، وهو التعبير الذي ورد حرفياً في تقارير بيليسييه.

و”التنظيف” هنا يعني:

– قتل الجرحى

– إعدام الأسرى

– إحراق الزوايا والمخطوطات

– كسر الأضرحة

– رمي الناس — أحياء أو موتى — في الآبار

كانت العملية منهجية، متدرجة، لا تخطئ هدفاً.

لم يكن الهدف إسقاط لقواط…

بل محو لقواط.

من كان يختبئ… مات.

ومن كان يهرب… مات.

ومن كان يصرخ… لم يسمعه أحد.

وفي السادسة مساءً، كُتب في التقرير العسكري:

«انتهت المقاومة. نتابع تنظيف المدينة.»

أي مدينة هذه التي “تُنظَّف” من أهلها؟

وأي حضارة تحتاج إلى الموت لتشعر بأنها جاءت “لتنقذ” العالم؟

خامساً: 4 ديسمبر — باريس تشرب نخب المجزرة

بينما كانت لقواط تجمع جثثها، كان قصر التويلري يجمع نخبته.

القاعات مليئة.

الأطعمة فاخرة.

الموسيقى ترتفع.

وفي منتصف النهار، دخل الرسول يحمل برقية من الجزائر.

فتح الإمبراطور الرسالة.

ابتسم.

قرأ قائلاً:

«سقطت لقواط… النصر كامل.»

تعالت التصفيقات.

ارتفعت الكؤوس.

أشادت الصحف في اليوم التالي بـ “انتصار فرنسا في الصحراء”.

هكذا إذن…

لم يكن سقوط لقواط حدثاً عسكرياً.

كان فقرة في خطاب احتفالي.

سادساً: عام الخالية — حين خلت المدينة من كل شيء

في الذاكرة الشعبية، لم يسمَّ عام 1852 باسم سنة التتويج، ولا سنة “التطهير”، بل:

عام الخالية

الخالية من كل شيء:

من الأصوات، من الأطفال، من الأذان، من الحياة.

وبعد المجزرة، لم تتوقف الجريمة.

بدأت مرحلة إعادة تشكيل المدينة:

– مصادرة الأراضي

– تهجير الناجين

– إغلاق المدارس والزوايا

– توطين المستعمرين

– تغيير أسماء الشوارع والأحياء

لم ترد فرنسا قتل الناس فقط…

بل أرادت قتل الذاكرة.

سابعاً: الإبادة — قبل أن يولد المصطلح بقرن

لم يظهر مصطلح “الإبادة الجماعية” إلا عام 1944.

لكن ما جرى في لقواط ينطبق عليه بدقة مدهشة:

بهذا المعنى، كانت لقواط — بكل وضوح —

أول إبادة جماعية موثّقة في التاريخ الحديث.

ثامناً: الغاز — الجريمة التي سبقت يبرس بقرابة القرن

من أكثر الشهادات إثارة للقلق:

“كان الهواء يحرق الحلق.”

“وجدنا الناس موتى دون أي جرح.”

“دخان غريب، خانق، لم نره من قبل.”

هذه ليست أوصاف بارود.

بل أوصاف مركّبات كلورية، شديدة الشبه بالفوسجين الذي سيُستخدم لاحقاً في يبرس عام 1915.

بيليسييه، الذي استخدم الخنق بالدخان في الظهرة عام 1845، لم يجد أي مانع من استخدامه مرة أخرى — ولكن هذه المرة على نطاق مدينة كاملة.

وهكذا، كانت لقواط أول ساحة حقيقية لاستخدام غاز خانق في تاريخ الحروب الحديثة، قبل الحرب العالمية الأولى بعقود طويلة.

تاسعاً: لماذا نكتب اليوم؟

ليس للانتقام. ولا لاستحضار الأحقاد. ولا لنفتح باباً أُغلق. بل لأن الجريمة التي لا تُسمّى… تتكرر.

ولأن المدن التي تُمحى… تعود للمطالبة بحقها في الذاكرة.

ولأن لقواط — الصغيرة في جغرافيتها، الكبيرة في رمزيتها —

لا تريد شيئاً سوى أن تُروى قصتها كما حدثت،

لا كما كتبها المستعمِر.

كتب بيليسييه:

«ستكون لقواط درساً للأعراب.»

لكنه أخطأ العنوان.

فالدرس الحقيقي موجَّه لفرنسا نفسها:

أن القوة التي لا يقيّدها الأخلاق ليست حضارة… بل وحشية.

وأن تاريخ الأمم يُقاس بعدد الحقائق التي تعترف بها،

لا بعدد الصفحات التي تُخفيها.

بعد أكثر من 170 عاماً، ما زالت لقواط تنتظر الحقيقة.

تنتظر الاعتراف.

تنتظر أن تُسمّى الجريمة باسمها.

ولأن المدن لا تموت حين تُباد… بل حين تُنسى.

مقالات ذات صلة