قراءة في أحداث غزة ومآلاتها!!
لست ممن يفسر الأحداث تفسيرا تآمريا، غير أن معرفتي واطلاعي على بعض خبايا القضايا العربية وطبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، خلال رئاستي لجنة الشؤون الخارجية والسياسية في البرلمان العربي بالقاهرة ورئاستي لجنة فك الحصار عن غزة بالبرلمان العربي ودخولنا غزة ثلاث مرات (2009/ 2010/ 2011)، ثم محاولات اتصالاتي منذ بداية العدوان الأخير على غزة، وأنا لست في البرلمان العربي حاليا، بالمسؤولين في البرلمان العربي ورفضهم لأي موقف مشرف، أستطيع أن أقول إن فصول الأحداث الأخيرة حبكت كالآتي:
بعد وصول مرسي إلى رئاسة مصر والوصول إلى هدنة 2012 بين الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني تيقن هذا الأخير بأن هذه الهدنة ستخدم المقاومة في غزة، فتوفر لها أسباب الاكتفاء الذاتي في قضايا كثيرة ومنها القضايا الأمنية والعسكرية، وتفعل التعاون الشعبي العربي مع غزة في المجالات المختلفة، في ظل دولة مرسي، فأوحى الكيان الصهيوني إلى أوليائه في مصر أن يقوموا بالانقلاب بالتنسيق مع أذنابهم في بعض الدول العربية المشكوك في أصولهم!!
في غفلة من مرسي وأعوانه حيكت مؤامرة الانقلاب وتم تعبئة جميع الوسائل لتخوين فلسطينيي غزة، ووضع حواجز نفسية واجتماعية بين مصر وغزة تحول دون أي تواصل مستقبلي، لفك الارتباط نهائيا بين غزة والإدارة المصرية.
بعد (تمكين) الانقلابيين في مصر، أُوحي إلى عباس بضرورة ترتيب عملية مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد وإظهارها بأنها مصالحة فلسطينية فلسطينية بعيدا عن كل الأطراف. ويظهر الكيان الصهيوني رفضه لهذه المصالحة، والتحضير لعملية هدفها ما يلي:
– ضرب أي إنجاز حققته المقاومة والشعب الفلسطيني في غزة.
– تصفية أكبر عدد ممكن من قيادتي حماس والجهاد لإخلاء الجو لعباس وأعوانه.
– وضع الإسفين ( الخنجر) الأخير في عملية المصالحة الفلسطينية، حتى لا تقوم مستقبلا أبدا.
– إنهاء أي عملية تواصل بين الشعوب العربية وقطاع غزة عن طريق مصر.
– قطع أي علاقة للإدارة المصرية مع غزة.
– توقيف كل عمليات الإعمار المبرمجة لغزة.
يقوم بعد ذلك الكيان الصهيوني باختلاق عملية اختطاف الصهاينة الثلاثة ليضحي بهم ويوجه الاتهام إلى حماس، ويوحي مرة أخرى إلى عباس بمواقف مترددة متهمة للجانب الذي يثبت اختطافه للصهاينة الثلاثة.
يكثف الكيان الصهيوني دعايته الإعلامية بأن الطرف الذي اختطف الصهاينة ثم قتلهم هو حماس، وتعلن بعد ذلك عزمها على الانتقام، دون أي رد من الأطراف العربية أو استباق عربي للأحداث رغم تيقنهم بأن الصهاينة عازمون على خوض عمليات تصفية واسعة في غزة!!!
مع بداية العمليات العسكرية الجوية، ومع قضاء المقاومة على المخبرين والمتعاونين مع الكيان الصهيوني من داخل غزة، فوجئ الكيان الصهيوني بقدرات وجاهزية المقاومة غير المتوقعة وخاصة امتلاكها صواريخ بعيدة المدى دقيقة التوجيه ومخفية مكان الإطلاق وكذا طائرات دون طيار المتوغلة داخل عمق فلسطين المحتلة.
بعد ذلك كان من الضروري انتقال الكيان الصهيوني إلى خطة بديلة، يستكمل فيها التحالف بين الأطراف الثلاثة: الكيان الصهيوني/ إدارة
السلطة الفلسطينية/ الإدارة المصرية
وهو التحضير لاجتياح بري بعد فشل الضربات الجوية، فتأتي فكرة الهدنة ثلاثية الرأي والتخريج والإعلان مع سبق الإصرار لدفع المقاومة إلى رفضها، وبعد ذلك تسويق رفض المقاومة للهدنة وتحضير الرأي العام العالمي والصهيوني على الخصوص لشن اجتياح بري مع ما يحتمله من خسائر.
وبعد هذا سيكون والله أعلم الآتي:
ستظهر المقاومة قدرات هائلة في التصدي للاجتياح البري رغم العدد الكبير المحتمل للشهداء ولكن الكيان الصهيوني سيتكبد خسائر متنوعة:
– خسائر في أرواح الجنود الصهاينة
– احتمال وقوع أسرى صهاينة عند المقاومة
– احتمال تحرك في الضفة عموما والقدس على الخصوص وداخل أراضي 48
– خسارة كبيرة للصهاينة في الرأي العام العالمي
– تراجع نسبي لموقف “بريطانيا/ فرنسا/ الولايات المتحدة” في تبرير دعمها المطلق للكيان الصهيوني تحت ضغوط المؤسسات الدولية الحقوقية والرأي العام الدولي
سيبقى الحليف الوحيد للكيان الصهيوني على المستوى الدولي هو الإدارة المصرية وإدارة السلطة الفلسطينية وبعض قادة الدول العربية المشكوك في أصولهم!! وذلك لمدة قد تطول أو تقصر حسب استفاقة الرأي العام العربي
تحت ضغط الخسائر الصهيونية في الأرواح والاقتصاد والسياحة والمرافق المختلفة يحدث تململ اجتماعي وشعبي كبير داخل مؤسسات الكيان الصهيوني، وتسقط حكومة نتنياهو وتستبدل بحكومة أخرى
سيستمر الرأي العام العربي في شبه شلل وتخدير، إلى أن تنكشف نهائيا حقيقة الصفقة العربية– الصهيونية، فتنفجر جامعة الدول العربية تحت ضغط بعض القادة المتحررين من التبعية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وقد تحدث انشقاقات في البيت العربي الرسمي
بعد ذلك تحدث انتفاضات شعبية عربية، في دول تظن أنها في منأى عن ذلك، قد تكون أعنف من أحداث ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي (المدة الزمنية قد تطول أو تقصر)
يحدث تحول ومراجعات داخل البنية السياسية والحزبية والاجتماعية في مصر ويعاد ترتيب الوضع المصري من جديد (المدة تحددها القدرة الاقتصادية والدعم المالي الخليجي والأمريكي للإدارة المصرية)
يعاد بعد ذلك صياغة جديدة للواقع العربي تتدخل فيه عناصر جديدة وأحداث جديدة حسب البدائل الممكنة والمحتملة
والله أعلم … والله المستعان
ملاحظة:
– إدارة السلطة الفلسطينية: لا أقصد مؤسسات السلطة الفلسطينية ولا فتح
– الإدارة المصرية: لا أقصد الدولة المصرية ولا الشعب المصري
– بعض قادة الدول العربية: لا أقصد كل الدول العربية، والدول المقصودة ليست شعوبها ولا مؤسساتها، ولكن بعض قادتها