الرأي

قراءة في مخرجات تعديل القانون الأساسي لموظفي التربية(1)

محمد بوخطة
  • 12725
  • 0

مقدمات أربع أرى من الضروري الوقوف عندها قبل الخوض في تقييم مخرجات تعديل القانوني الأساسي الخاص بقطاع التربية، هي مقتضى الإنصاف والواقعية.
الأولى: إن هذا الملف أهدر كثيرا من الجهد والوقت وضيّع على القطاع فرصا ثمينة في الاهتمام بقلب العملية التربوية وتحسينها، فالمنهاج التربوي بما احتواه من البرامج ومنظومتي التقييم والتقويم ثم التكوين المتخصّص جدير بأن ينصرف إليه الاهتمام، لأن ما يترتب عليه من أثر يظل متجذّرا في مسارات أبناءنا التعليمية يصعب تصحيحه إذا وقع مختلا إن لم نقل يستحيل، لعل هذا الملف قد استغرق من الوقت والجهد، وأثار من الجدل والاصطفاف ما يوحي بأن الملابسات المحيطة به لن تسمح بأفضل مما كان، فأصبح غلقه في حد ذاته إنجازا، للخروج من عنق الزجاجة التي حشرنا أنفسنا فيها.
نحن بحاجة إلى فترة من الاستقرار لإعادة ترتيب الأولويات، أما القوانين فمن خصائصها المرونة، ولا شيء يمنعنا من العودة إليها مرة أخرى بعد أن نكون قد استفدنا من أخطائنا وصححنا منهجنا في التعاطي معها، وحسمنا موقفنا من قضايا جوهرية قبلية التأثير في بنائها.
الثانية: يجب أن نصارح بعضنا بحقيقة جلية وهي أنه لو صرف أهل التربية مثل اهتمامهم بملف القانون الأساسي إلى الأداء التربوي والعناية به لأحدث ذلك قفزة في نوعيته، يقينا أن فينا من يفعل ذلك ولكنه قليل غير ظاهر ولا مؤثر، وإلا لكنا نافسنا حقيقة دروس المرائب وقاعات الحفلات ولم نضطر إلى محاربتها بغير الجودة والنوعية.
الثالثة: قد لا يتصور كثيرون مدى صعوبة إنجاز عمل قانوني مثل هذا في ظل التجاذبات القائمة والثقافة الاجتماعية السائدة، غير أنه من الغريب أن يتوافق الجميع على الرفض من دون استثناء مهما اختلفت المبررات، إنه موقف يوحي بأن هناك خللا في مكان ما.
ليس هناك إنجاز كله سيء، وليس هناك إنجاز مثالي، ما من إنجاز إلا وهناك ما هو دونه وما هو خير منه، وسيظل الأمر كذلك أبدا. وعليه، فإن المبالغة في النقد ومحاولة جمع الأضداد لإرضاء الجميع غاية لا يمكن إدراكها، في ظل احترام الإطار التشريعي والقيم الضابطة لمثل هذا العمل بعيدا عن الشعبوية والابتذال ليقول من شاء ما شاء، بشكل لا يخدم قضية، إن الوقوف عند أوسع اتفاق ممكن هو عين الموضوعية.
الرابعة: وإن كنت أحمّل الإدارة السابقة في وزارة التربية مسؤولية تعقيد إدارة هذا الملف والانحراف عن مقتضى الطلب الأصيل الذي تضمّنه توجيه رئيس الجمهورية باعتباره أعلى سلطة سياسية والذي أمر بجعل الأستاذية محور هذا التعديل، ذلك يكفيه، كانت فرصة من ذهب لم تقتنصها هذه الإدارة بعجزها التقني والمنهجي عن إنجاز بناء قانوني يجسّد الطلب.
غير أني أعتب على الإدارة الحالية في طريقة عرضها لمخرجات هذا التعديل، الأفضل كان ممكنا، لو تقدمت إعلاميا بقوة طرح وتأسيس، قدّمت للعرض ببسط منهجي مرفق بتفاصيل ما يعني الموظفين بدقة وتوجيه غير قابل للتأويل وإثارة الشبهة التي تشوّش على أصل العمل.
إن التعاطي الإعلامي أصبح يمثل قدرا مهما من التأثير في كل عمل، إذا اقتنعنا بهذا، فإنّ الصمت أو التردّد أو ارتكاب الأخطاء البسيطة التي الممكن تداركها، سيضعف موقعنا ويحرمنا الأفضلية والسبق في عرض منتوجنا مهما كان جميلا.
لم يكن من الطبيعي أن نفتح النقاش على أساس أن القانون قد صودق عليه ثم نؤجّل إجابات عديدة عن أسئلة يطرحها المتسائلون بما يوحي أن الملف لازال مفتوحا، فتنفتح شهية الجميع للضغط بالخوض في تفاصيل كان المفروض أن تتناول قبل إغلاق الملف.
مهما كان التساؤل المطروح يجب أن تكون إجابته جاهزة ومؤسسة بقطع النظر عن الرضا بها من عدمه. يعلم الجميع أن الأثر المادي هو المقصود أصالة رغم كل ما يقع من لف أو دوران حوله، وهو حق بالنظر إلى تدهور القدرة الشرائية، وعليه، فإن بيان انعكاس التعديل مادياً على أجور الموظفين حق لهم، بدون ضرورة للتشهير به على منصات الإعلام وترك هذا الخيار لهم سيتكفّلون به عن طواعية ورضا، ثم استظهار المكتسبات القبلية وكيف جرت المحافظة عليها، أوتحسينها مع ما ورد من جديد مؤيدا بالتسبيب والتوجيه كان من الممكن أن يخرج بمشهد أفضل مما نتابعه من جدل عقيم ومعتل أحيانا.
إن النضال الايجابي استدامة، ومن الانصاف ألا يصرف العاقل نظره إلى ما فاته تحقيقه، ويتجاهل ما حققه فعلا ولا يشكره، ومن غير الإنصاف ألا نثمّن ما أدركنا من مطالب، ونثير الضجيج والصخب لأجل ما فاتنا منها، المناضل عندما يبني مطالبه لا يتصور أنه سينالها في سلة واحدة، ولكنه يرتبها بمنطق الأولوية، وما حقق منها شكر وما تأخر استمر نضاله لأجله متى استمرت قناعته بمشروعيته، بعيدا عن التعلق بالمثالية المنقطعة ونشدان العدل المطلق الذي لا يتحقق حتى في الأذهان، أهل التربية أرقى من ذلك.
بعيدا عن ضرورات المسيّرين التي ربما لا يستطيعون البوح بها، وضغوطات النقابيين التي ربما لا يستطيعون التخلي عنها نقف مع مخرجات تعديل القانون الأساسي، ما لها وما عليها، في قراءة أولى ستتواصل بعد صدور القانون
1 ـ في ظل ما أحاط هذا الاشتغال على هذا القانون من ملابسات، وما رافقه من سجال وتجاذبات، فمن الانصاف الاعتراف بأنه استجاب بقدر محترم لطموحات المطالبين، في جانبها المادي، وبالنظر إلى منظومة الأجور والرواتب في الوظيفة العمومية، وترتيبا على رفع التصنيف في القانون الأساسي، ثم منحة الـ30% في النظام التعويضي، فإن الزيادة التي انعكست على أجور الموظفين، لعلها الأكبر قيمة على الإطلاق في تاريخ قطاع التربية، تستحق الاعتراف، ويستحقها أهلها فهم القائمون على أكبر قطاع منتج (بالمعنى الحقيقي للإنتاج) في المجتمع، ولو كانت أكثر لكانوا أحقّ بذلك من غيرهم.. قديما قيل: إذا أردت أن تدمّر مجتمعا فأهن معلما.
2 ـ إن إمكانية تخفيض سن التقاعد بخمس سنوات لمن اشتغل أو يشتغل بالتدريس في القسم بناء على طلبه مكسب يجدر التنويه به، لأنه اعتراف بخصوصية هذه المهمّة وتقدير لمشقّتها، مثل ذلك يقال عن تخفيض عدد ساعات العمل لأساتذة المراحل التعليمية الثلاث عامّتهم، وتقليصها أكثر خاصة للأقدم منهم، من أجل مردود أفضل لصالح التلميذ في القسم.
3 ـ إن الاحتفاظ بمكانة التكوين المتخصّص في سلك التعليم وإلزامية ـوليس أولويةـ التوظيف فيه، مبدأ مستقر في النظام التربوي وتشريعاته من أجل جودة مخرجات هذا النظام، غير أن التقصير المتراكم من قبل الإدارات المتعاقبة على وزارة التربية في العناية به انتهت إلى وضع غير طبيعي أصبح فيه عدد خريجي المدارس العليا للأساتذة ضمن التعداد العامّ للأساتذة يمثل أقلية، وهو بالضبط ما عقّد عملية إدارة المسارات المهنية لمجموع الأساتذة، وأنتج تلك المطالبات الغريبة عن نمط التوظيف المفترض في قطاع التربية، لا تستهدف ترقية النظام التربوي بقدر ما تستهدف تسوية وضعيات وظيفية (شخصية) بقطع النظر عن استحقاقها من عدمه.
من المؤسف أن هذا الإهمال المتراكم، قلب نمط التوظيف ليجعل القاعدة استثناء، ويستثمر ويتوسع في الاستثمار في هذا الاستثناء ليحوّلهُ إلى قاعدة فعلية متحكمة تفرض منطقها، ثم يتماهى مع هذا الوضع إلى حد يفقد الأستاذية هويتها، ويحولها إلى خليط هجين من التخصصات المختلفة، يعسر أن ترسم لها ملمحا موحّدا (لتتدخل عليه بالتأهيل) خاصة في المرحلة الابتدائية من التعليم التي يُفترض أن نوليها العناية الخاصة بالنظر إلى أثرها في بناء جوانب مهمة من شخصية الطفل تربويا وعلميا.
ولأقرّب للقارئ الصورة أكثر أقول: لو افترضنا أن وزارة التربية عبر تاريخها بذلت الجهد اللازم لتحقيق الاكتفاء من منتوج التكوين المتخصّص لكنّا نعيش نظاما تربويا منسجما هادئا وفاعلا في تحقيق الجودة المرجوة.
لا يليق على الاطلاق أن يُحاسب أو يُعاتب قطاع التربية على أنه قطاع ممتص للبطالة ويُسخَّـرُ لذلك ـ وإن كان يحقق ذلك تبعية ـ ولكن مهمته الأصيلة هي تقديم خدمة عمومية جيدة في مجال التربية الوطنية ترتقي بمنظومتها، في ظل احترام القوانين والتشريعات المستهدِفة لذلك، والحرص على التزامها بالقدر الذي يجعلها تُحقق ما وُضعت لأجله.
لعل من الآثار المترتبة على هذا التقصير والخروج على النص بروز فكرة “تثمين الشهادة أو الترقية بها” والتي يراها البعض حقا لا يمكنهم التنازل عنه، في تناف كامل مع “مبدأ التكوين المتخصص” الذي هو ثمرة احتكار للمورد البشري يُنتج شهادة مدخل سقَّفة الأفق بطبعها (يستحق بها حاملها الولوج إلى التصنيف المقابل للرتبة القاعدية للتوظيف في تخصّصه)، كمثيلاتها في كل تكوين متخصّص.
إن اضطرار وزارة التربية إلى الاستجابة بقدر ما لهذه المطالبة بدا وكأنه نقض لمبدأ التكوين المتخصص وانتقاص من أهله، أو تقديم للبديل على الأصيل، كما قال بعضهم، ما أثار حفيظة طلبة المدارس العليا للأساتذة وخرّيجيها ودفعهم إلى الاحتجاج، فنشأ عن كل ذلك متلازمة معقدة في المطالبة يصعب على وزارة التربية حلها مهما حسنت النيّات.
تحسّبا لمثل هذا واستباقا لبروز هذه المتلازمة المعقدة، كنت في كل مرة ألحّ على القائمين على وزارة التربية أن يحدّدوا موقفهم من “مبدأ التكوين المتخصص” حتى لا تتحول المعالجة القانونية إلى تسوية لوضعيات مهنية وظيفية شخصية بعيدة عن أهداف النظام التربوي وغاياته.
4 ـ تعزيز مكانة الأستاذية بصفتها محور العملية التربوية وركيزة الجماعة التربوية، من خلال المحافظة على مبدا التوازي في الترقية والتقابل في التصنيف بين المسارين البيداغوجي والإداري الذي جاء به النص السابق تعزيزا لغاية تراكم الخبرة أمام التلميذ، فالأستاذ المميز يقابل المدير، كما كانت المقابلة بين الأستاذ المكوّن والمدير في النص الأصلي، والناظر يقابل الأستاذ قسم 2، كما كان الأستاذ الرئيسي مقابلا للناظر..
حتى أن الزيادة التي استفاد منها المدير والأستاذ المميّز تكاد تتساوى في قيمتها.
غير أن الاعتراض على التسمية الجديدة في رتب التدريس يبدو وجيها؛ فالأستاذ الرئيسي من صميم مهامه رئاسة القسم ورئاسة المادة، والأستاذ المكوِّن من صميم مهامه المشاركة في التكوين أثناء الخدمة وتأطير المتمرنين من طلبة المدارس العليا للأساتذة، ما يجد مدلوله في التسمية، فلم يكن هناك داع جاد لتغييرها خاصة إذا اعتبرنا القيمة العاطفية والنفسية المرتبطة بها.
كما جرت المحافظة على التراتبية بين الأطوار التعليمية بصفة تصاعدية تماشيا مع ما تقتضيه مدد التكوين المتخصّص، ثم انسجام تصنيف الرتبة القاعدية في المرحلتين بما اقتضته أحكام المرسوم 14ـ 266.
وهي العناصر التي شكّلت فلسفة النص الأصلي، ولم يحد عنها النص الجديد، وإن كان موضوع تفتيت الرتب بزيادة رتبة الأستاذ المميز في كل مرحلة سينتج عنه ثقل في إدارة المسارات المهنية وعبء أكبر على الإدارة المركزية ومصالحها الخارجية، قد ينعكس سلبا على مصالح الموظَّفين.
5 ـ التأسيس لصناعة النخبة التربوية: وذلك من خلال استحداث رتبة “مفتش التربية الوطنية”، والذي يتغذى من الأطوار الثلاثة ابتدائي ومتوسط وثانوي، مدخل مهمّ من شأنه إنتاج نخبة تربوية علمية تكون في مجموعها متجانسة عموديا وعرضيا ضمن الجماعة التربوية، وهي أيضا احتياطي لتفعيل المفتشيات الجهوية التي أنشِئت بموجب المرسوم: 20ـ 286 المؤرّخ في 10 أكتوبر 2020، والتي عطّل الوزير السابق تأسيسها إلى اليوم، رغم ما لهذا الجهاز من أهمية في المرافقة والتشخيص والمعالجة.
ويمكن أن تستغلّ هذه الفئة أيضا في تأسيس مخابر للبحث التربوي المتخصّص في شؤون التربية.
غير أن استحداث هذه الرتبة بتسمية قديمة رغم اختلاف الشروط والمهام، قد أثار جدلا مشتبها حول مفهوم “الحقوق المكتسبة” التي صانها القانون، وكيفية تنزيله في هذه القضية، إزالة للشبهة وتشجيعا للثقافة القانونية لدى الموظفين، والتي أراها مهمة في تكوينهم، أتناوله باختصار.
إن الحق المكتسب، هو وضعية قانونية تتحصّن بموجبها المنفعة التي حصل عليها الشخص (جراء قانون أو قرار إداري) من أثر الإلغاء أو التعديل.
وهي فلسفة قائمة على مبدأ الأمن القانوني الذي يضمن حالة من الاستقرار في المراكز القانونية والتصرفات المرتبطة بها.
أما المركز القانوني، فهو مجموعة الحقوق والالتزامات التي يتمتع بها الشخص في وضعية قانونية معينة، وهو نوعان.
الأول: المركز القانوني النظامي: ويسمى موضوعي أو تنظيمي، للدلالة على عموميته، أي أن مضمونه واحد ومتجانس لجميع الأفراد الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية المطلوبة للاكتساب، تنشأ عن قانون أو تنظيم، وهذه يجوز تعديلها لأن فحواها مستمد من القانون أو التنظيم ذاته، دون الاحتجاج بفترة الحقوق المكتسبة. وهو بالضبط ما ينطبق على هذه القضية.
الثاني: المركز القانوني الفردي: وهو الحالة الشخصية من المضمون المتحد والتي تختلف من شخص إلى آخر بأثر مادي مجسّد لا يقبل المساس، هو ما عالجته المادة: 223 من الأمر 06 ـ 03 ونصها: “يطبق نظام التصنيف والمرتّبات المنصوص عليه في المواد 114 (المتعلقة بتغييرالتصنيف) والمادة 126 (المتعلقة بتأسيس المنح) من هذا الأمر مع احترام الحقوق المكتسبة للموظفين.
يجد هذا تجسيده في المادة: 18 من المرسوم الرئاسي: 07ـ 304 والتي أسّست منحة الفارق التعويضي للراتب.
ما يقطع بأن مفهوم الحق المكتسب قانونا منصرف حصرا إلى ما تعلق بالراتب المستحقّ، وتبقى التسميات ملكاً للمشرع متى احتفظ المسمَّى الأصيل بالحقوق المرتبطة بها في معناها الموضوع سلفاَ عند التغيير.

مقالات ذات صلة