الرأي

قراءة في مقدمة كتاب “الخطايا الأربع” لأبي جرة سلطاني

في انتظار قراءة الكتاب كاملا يمكننا البدء بمناقشة المقدمة أولا، وهي مقدمة كتبها الأستاذ أبو جرة سلطاني ببيانه المألوف ولغته التي تجمع بين الوعظ والتأمل، وبين الحكاية الفكرية والخبرة الدعوية التي راكمها في مسيرته الطويلة في المجالين الدعوي والسياسي. وهي مقدمة ثرية من حيث النية والمقصد، إذ يحاول فيها المؤلف أن يربط بين أصل الإنسان كما ورد في النص القرآني، وبين الإشكاليات التي يثيرها الخطاب العلمي الحديث حول نظرية التطور، منطلقا من تجربة حوارية شخصية مع جمهور أوروبي، تحوّلت إلى مناسبة للتأمل في قضايا الإيمان والعلم وأخلاق الإنسان الأولى. غير أنّ هذه المقدمة، بما فيها من طرافة سردية، تفتح المجال لقراءة نقدية علمية تتناول المنهج المعرفي الذي تأسست عليه، والخطاب الذي صيغت به، وطبيعة العلاقة التي أراد الكاتب أن يقيمها بين الوحي والعقل.

ينطلق الأستاذ الفاضل سلطاني من موقف ديني واضح، يؤكد أن الإنسان خُلق على هيئته التي هو عليها اليوم، مستندا إلى ظاهر النص القرآني، ثم يقابل هذا التصور بما يطرحه الفكر الغربي الحديث من فرضيات حول النشوء والارتقاء. وفي هذا الاختيار ما يظهر حرصا صادقا على حماية النص المقدس من أي تأويل قد يمسّ مكانته المرجعية، غير أن المقاربة التي اتبعها المؤلف تميل إلى جعل العلاقة بين الوحي والعلم علاقة صراع لا علاقة تكامل، إذ يوضع النص في مواجهة النظرية بدل أن يُفهم في سياق معرفي مغاير. فالوحي خطاب إيماني رمزي يجيب عن سؤال الغاية والمعنى، والعلم خطاب تجريبي يجيب عن سؤال الكيفية والسبب، وكلاهما يتحرك ضمن مجال مغاير للآخر. وعندما يُستعمل أحدهما لإبطال الآخر، يفقد كل منهما منطقه الداخلي ويتحوّل النقاش إلى جدل دفاعي أكثر منه بحثا معرفيا.

وتبدو محاولة الكاتب الأستاذ سلطاني في نقد نظرية داروين مشوبة بنزعة خطابية تُغلب الإقناع الوعظي على التحليل العلمي، إذ يقدّم فرضيات التطور كما لو كانت مقولة واحدة بسيطة، في حين أن العلم الحديث تجاوز تصورات داروين الأولى، وطوّر أدوات تتيح فهما أكثر تعقيدا لمسارات الحياة. القول مثلا إن استمرار وجود القردة دليل على بطلان النظرية يمثل اختزالا مفرطا لطبيعة التفكير التطوري، الذي لا يقول إن الإنسان “كان قردا” ثم تغيّر، وإنما يوضح أن الإنسان والقرد يشتركان في أصل أقدم، وهو ما تثبته المقارنات الجينية المعاصرة. غير أنّ هذا التوضيح لا يعني أبدا تبني التصور المادي للإنسان، وإنما محاولة لقراءة النظرية في سياقها التاريخي والمعرفي، دون تحويلها إلى نقيض للوحي أو تهديد للإيمان.

وما يلفت في هذه المقدمة أنّها تنتقل من سؤال علمي إلى تأمل أخلاقي من غير أن توضح الرابط المنهجي بينهما، إذ يتحوّل النقاش حول أصل الإنسان إلى تحديد “الخطايا الأربع” التي يرى الكاتب أنها أسس كل انحراف بشري. هذا الانتقال يعبّر عن خلفية واعظة ترى أن الإشكاليات الفكرية الحديثة هي امتداد لخطيئة روحية أصلية، وهو منظور يمكن أن يكون خصبا في سياق تربوي أو دعوي، إلا أنه في سياق البحث العلمي يحتاج إلى تأسيس نظري أدق يربط بين بنية الاعتقاد وبنية السلوك، ويُظهر كيف تتحول فكرة “الخطأ الأول” إلى منظومة قيم تضبط الوعي الجمعي.

أما من الناحية اللغوية والخطابية، فالمقدمة مكتوبة بأسلوب مزخرف يميل إلى الإيقاع البلاغي أكثر من الدقة المفهومية، وتطغى عليه العبارات التي تفيض بالثناء والتعبير الوجداني. ولا شك أن للأستاذ الفاضل سلطاني قدرة بيانية لا تخطئها الأذن، غير أنّ اللغة حين تزداد زخرفا تفقد شيئا من قدرتها التحليلية، خصوصا حين يتعلق الأمر بمفاهيم علمية وفكرية تتطلب وضوحا أكثر من عذوبة. كذلك فإنّ استعمال مفردات مثل “تطعيم المحتوى بثمار العلم” يعكس نزعة توفيقية تجعل من العلم إضافة تجميلية إلى النص الديني، لا حقلا معرفيا قائما بذاته يمكن أن يُسهم في إثراء فهم الوحي ذاته.

وتبقى القيمة الأساسية لهذه المقدمة أنها تعبّر عن محاولة جادة للربط بين الإيمان والعقل في زمن تتكاثر فيه القراءات المادية البحتة للإنسان والعالم. وهي محاولة تنطلق من نية إصلاحية واضحة، لكنها تحتاج إلى إعادة ترتيب في منطقها الداخلي، بحيث لا تكون المقارنة بين الوحي والعلم مقارنة في السلطة، وإنما حوارا في الأفق الإنساني الذي يجمع بين التساؤل والإيمان. فالقضية ليست في إثبات أيهما أصح، وإنما في بناء وعي قادر على الإصغاء إلى الوحي من دون أن يخاف من العلم، والتفكر في الكون من دون أن يشعر أنه يخرج من دائرة الإيمان.

إن مقدمة “الخطايا الأربع” تقدم نموذجا لخطاب ديني يسعى إلى التجسير بين عالمين، لكنها تعكس في الوقت ذاته التوتر العميق الذي يلازم الفكر الإسلامي المعاصر في تعامله مع المعرفة الحديثة. وهي بهذا المعنى وثيقة فكرية يمكن أن تُقرأ بوصفها مرآة لمرحلة كاملة من التفكير الإسلامي الذي يرفض القطيعة مع الغرب، لكنه لم ينجح بعد في صياغة مقاربة معرفية متكافئة معه. ومن هنا تأتي أهميتها، ومن هنا أيضا تبدأ الحاجة إلى قراءتها بروح نقدية متزنة تجمع بين التقدير للمقصد والصرامة في الملاحظة، لأن الفكر لا يتطور إلا عندما يحاور نفسه بصدق، لا عندما يكتفي بالدفاع عن ما يعتقد أنه يملك الحقيقة.

مقالات ذات صلة