قراءة نقدية في فكر روي كاساغراندا
في الحوار الذي أجراه الدكتور عثمان أمكّور لصالح موقع الجزيرة نت ونُشر يوم 3 نوفمبر، يظهر روي كاساغراندا كخبير يجمع بين التحليل السياسي والتاريخي والنفسي، حيث يربط الأحداث الراهنة بأعماق التاريخ الإنساني بأسلوب يجعل القارئ يتوقف أمام كل فكرة ويفكر في جذورها. يطرح كاساغراندا أسئلة كبرى: لماذا تسقط الحضارات؟ وهل صعودها دائما ما يتبعه أفول؟ وكيف يمكن تفسير الأزمة الحالية، سواء في العالم العربي الباحث عن بوصلة أو في الغرب الذي بدأت أعراض التراجع تظهر عليه؟ الأزمة، وفق رؤيته، ليست مرتبطة بالأنظمة السياسية وحدها، وإنما بنوع القيادة والوعي الذي يقود الإنسان في زمنه.
في هذا الإطار، يضع كاساغراندا الدعم الأميركي لإسرائيل في سياق أعمق من مجرد ضغط لوبي سياسي. فهو يعتبره امتدادا لتاريخ استعماري طويل، حيث تماهيت الولايات المتحدة مع إسرائيل على أساس أن كلا المشروعين نشآ على أنقاض شعوب أصيلة. هذا التماهي النفسي والتاريخي يفسر استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، وكأنها مرآة لتاريخ الولايات المتحدة الاستعماري الخاص.
ويربط كاساغراندا هذه العلاقة بمنطق الفصل العنصري، موضحا أن نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا لم يكن سوى نسخة مستنسخة من التجربة الأميركية. فالتمييز العرقي الذي مارسته الولايات المتحدة قبل جنوب أفريقيا امتد إلى سياساتها الداخلية، وانعكس على دعمها لإسرائيل، ما جعل هذا الدعم استمرارا لأيديولوجيا قديمة.
حين ينتقل كاساغراندا إلى تحليل التحالف بين الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، يظهر عمق المفارقة التي يصفها بـ”صفقة مع الشيطان”. فالصهيونية اليهودية، التي نشأت في القرن التاسع عشر، حركة سياسية تهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد استغلت الدين لتبرير مشروعها الاستعماري. أما الصهيونية المسيحية، خصوصا التيارات البروتستانتية الإنجيليّة في الولايات المتحدة، فتؤمن بأن عودة اليهود إلى أرض الميعاد شرط لحدوث معركة “هرمجدون” أو نهاية العالم قبل مجيء المسيح.
هنا تتقاطع مصالح الطرفين، ليس بدافع محبة أو وفاق، وإنما نتيجة منطق مصلحي: فاليهود المتشددون يرون في هذا التحالف وسيلة لضمان دعم سياسي وعسكري مستمر، بينما يرى الصهاينة المسيحيون في إسرائيل أداة لتحقيق خطة دينية يرون فيها أحداثا كارثية قبل مجيء المسيح. ومن هذا المنظور، يسلط كاساغراندا الضوء على المفارقة الأخلاقية: تحالف قائم على مصلحة مؤقتة بين عقيدتين مختلفتين، حيث يُستخدم وجود اليهود في إسرائيل كجزء من خطة دينية أوسع، ما يجعل العلاقة بين الطرفين محفوفة بالتوتر وعدم الانسجام حول الهدف النهائي.
يمتد التحليل إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث يرى كاساغراندا أن إسرائيل تمارس على الفلسطينيين جزءا من الألم الذي وقع على اليهود في أوروبا خلال الهولوكوست. لذا يدعو إلى معالجة الصدمة النفسية المرتبطة بالهولوكوست، لأنها شرط ضروري لأي مفاوضات حقيقية أو مصالحة ممكنة. وفق رؤيته، الحل الأمثل لا يتمثل في حل الدولتين الذي اعتبره قد مات إكلينيكيًا، وإنما في دولة علمانية واحدة تتسع للجميع، على غرار تجربة جنوب إفريقيا، ويجب أن يُعاد النظر في فكرة الأغلبية المطلقة عبر تقبل العيش كأقلية، كما يحدث في حالات عديدة حول العالم !!.
ولا يقتصر اهتمامه على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل يشمل أزمة الديمقراطية في العالم العربي والغربي على حد سواء. الديمقراطية الحقيقية، وفق كاساغراندا، ليست مجرد آليات انتخابية، وإنما تتطلب شعبا واعيا، متعلما، قادرا على ممارسة القرار بشكل مباشر وفعّال، فعندما يتحول التصويت إلى طقس شكلي بلا وعي حقيقي، فإن النظام السياسي يتعرض للتآكل، كما حدث في مصر وتونس، وتظهر مؤشرات التراجع أيضا في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما حذر من أثر التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي على ملكات التفكير النقدي. فاعتماد الإنسان على الأجهزة الذكية للتنقل أو إنجاز المهام الروتينية يقلل تدريجيا من قدرته على التفكير النقدي وحفظ المعلومات، مما قد يؤثر سلبا على شروط ممارسة الديمقراطية في المستقبل، والمشكلة -كما يوضح- ليست في التقنية كأداة، وإنما في التسليم التام لها وغياب وعي الإنسان بدوره الفكري.
في هذا الإطار، يظهر كاساغراندا كرائد تحليل يجمع بين التاريخ والسياسة وعلم النفس، ويربط بين انهيار الحضارات القديمة وتراجع القيم الحديثة. الحضارة، في نظره، لا تسقط فقط بانهيار الجيوش أو الأنظمة، وإنما بفقدان القدرة على طرح الأسئلة الكبرى التي تبرّر وجودها. ولهذا يدعو إلى قيادة تجمع بين الحكمة والرحمة، كما فعل صلاح الدين في التاريخ، لتجاوز الصراعات وإعادة بناء الإنسان والمجتمع على أسس عادلة ومتعددة الثقافات.
وينتهي الحوار بترك القارئ أمام تأمل مفتوح: تحالف الصهيونيتين اليهودية والمسيحية يجسد مأساة تاريخية امتزجت فيها المصالح مع الدين، والأخطاء القديمة تتكرر في أجيال جديدة. ومع ذلك، يلمح كاساغراندا إلى إمكانية أن يكتشف الإنسان يوما أن خلاصه لا يأتي من السماء إلا بعد أن يتوقف عن صناعة الجحيم على الأرض. والمستقبل سيبقى مفتوحا، يحمل معه سؤالا جوهريا: هل يمكن للبشرية أن تتعلم من التاريخ لتعيد بناء عالم أكثر إنصافا، أم سيستمر دور الضحايا والجناة في دورة لا تنتهي!!.