-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قراءة نقدية لرؤية الحداثويين لفكر مالك بن نبي

بقلم: كمال أبوسنة
  • 241
  • 0
قراءة نقدية لرؤية الحداثويين لفكر مالك بن نبي

ليس من الدقة في عُرف البحث الموضوعي والمنصف أن يُقرأ فكر الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله بعيون الحداثة كما يفعل بعض الحداثويين، خاصة المحسوبين على اليسار، الذين يسعون -رغم جهلهم بالموروث الفكري الإسلامي- إلى إدخاله في عالم غريب عنه لا ينتمي إليه أبدا، فالرجل لم يكن حداثيا متسيِّبا ولا تقليديا جامدا، بل كان مفكرا معاصرا أصيلا واقعيا في تفكيره، قد حاول أن يستعيد روح الإسلام الحضارية في زمن كانت فيه الأمة الإسلامية تعيش -وما تزال- في مرحلة عويصة من حياتها تبحث عن ذاتها بين ركام الأفكار الجامدة أو الوافدة.
لقد اختار الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله أن يخطو خطواته في مسار صعب في نضاله الفكري المستقيم، مسار المفكّر الحر الذي لا يبيع فكرته بالمقابل المادي والمعنوي، ولا يساوم على استقلاله العقلي، ولذلك بدا غريبا في زمنه، بل وحتى في زماننا هذا، لا لأنَّ فكره غامض لا يُفهَم أو منغلقٌ لا أبواب مفتوحة له، بل لأنه رفض الانتماء الساذج إلى أي تيار يختزل الإسلام في رؤية حزبية ضيقة أو أيديولوجية مغلقة، إذ لم تكن غربة الأستاذ بن نبي رحمه الله -كما هي مسيرة حياته الفكرية- غربة الشخص، بل غربة الفكرة التي تجاوزت الانتماءات الضيقة بسنين ضوئية، وسعت إلى تأسيس وعي حضاري ينهض بالإنسان المسلم من وعيه الداخلي وتربيته المرتبطة بهذا الوعي الذي يستمد هدايته من السماء، لا من خارجه وما يوجد في هذا الفضاء من مؤثرات مادية زائلة.

الإسلام عند مفكرنا الكبير المرحوم مالك بن نبي، هذا المفكر المتدين عن علم وليس عن تقليد، ليس عقيدة روحية جامدة غير مُفَعَّلة في واقع الناس، بل هو مشروعٌ حضاري متكامل يحرر الإنسان من كل أنواع العبودية، ويمنحه القدرة والفاعلية على أن يكون شريكا مؤثرا في بناء العالم، لا تابعا له في كل أحواله.

حين يتحدّث بعض الكتّاب، خاصة اليساريين عندنا، عن “الحداثة الإسلامية” في فكر المفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله، فإنهم يخطئون في التوصيف والتوظيف، والتأويل والتحليل، لأن مالكًا رحمه الله لم يضع الإسلام في مواجهة الحداثة كخصم إيديولوجي فقط، وما سعى إلى التوفيق بينهما على طريقة الخطاب التوفيقي الذي شاع عند بعض المفكرين المحسوبين على الفكر الإسلامي بسبب تأثيرات سلطوية أو تحديات أنتجها الواقع المريض، بل نظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، وهي أن الإنسان المسلم أضاع فاعليته الحضارية، لا لأنه لم “يتغرَّب” بما فيه الكفاية، بل لأنه فقد صلته بالمبدأ الذي يصنع الحضارة، بمعنى أنه فقد إشعاع الفكرة الدينية التي تمنح المعنى للحياة والعمل.
من هنا جاءت عبارته التي شاعت في العالم الفكري عن “القابلية للاستعمار”، لا بوصفها إدانة سياسية للأمة كما يتوهّم بعض قراء فكره خاصة من اليسار الذي يتبنَّى المفاهيم الغربية، بل بوصفها الحقيقي أنها تشخيصٌ حضاري عميق لحالة من القيود الداخلية التي تجعل الإنسان قابلا للتبعية وغير مهتمٍّ بالحرية والاستقلال الذي فطر الله عليها الإنسان كما قال عمر بن الخطاب في مقولته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، إذ لم يكن الحل كما رأى بن نبي رحمه الله في تقليد الغرب ليكون المسلمون نسخة طبق الأصل للغربيين، وإنما رأى الحل بعد تفكير حيادي، ودراسة واقعية متأنِّية، في استعادة الوعي بالذات، لأن الحرية الحقيقية تبدأ من داخل النفس قبل أن تُمارَس في الواقع انطلاقا من النظرية القرآنية التي تقول كما جاء في قوله تعالى في سورة الرعد، الآية 11: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، والأستاذ المفكّر مالك بن نبي رحمه الله حين تحدث عن الحضارة، لم يقف عند مظاهرها المادية، وإنما رأى جوهرها في التفاعل المتوازن (الميزان الحضاري) بين المادة والروح، وبين العلم والقيمة، وبين العقل والإيمان.
والإسلام عند مفكرنا الكبير المرحوم مالك بن نبي، هذا المفكر المتدين عن علم وليس عن تقليد، ليس عقيدة روحية جامدة غير مُفَعَّلة في واقع الناس، بل هو مشروعٌ حضاري متكامل يحرر الإنسان من كل أنواع العبودية، ويمنحه القدرة والفاعلية على أن يكون شريكا مؤثرا في بناء العالم، لا تابعا له في كل أحواله.
لهذا من الخطأ تصوير الأستاذ مالك بن نبي كمفكر فرنكفوني متأثر بالمصلحين الغربيين وحركتهم التصحيحية في التاريخ الغربي إيجابا وسلبا، لأنه تتلمذ في المدرسة الغربية في مرحلة من مراحل حياته، والحقُّ أنه درس في الغرب واستفاد من منتجاته الفكرية ومناهجه البحثية، لكنه لم ينبهر به انبهار الساذج، ولم يذُب فيه ذوبان الملح في الماء، فقد كان بن نبي ينظر إلى هذا الغرب بعين الناقد العارف لا بعين المقلِّد التابع، وكان يرى في تقدُّمه المادي طاقة يمكن توجيهها في المجال العلمي التقني، لا نموذجا إنسانيا يُستنسخ بكل ما فيه من سلبيات، ولهذا فإن مشروعه الفكري لم يكن في أن “نلحق بالغرب بعد أن نذوب فيه”، بل أن “نستعيد أنفسنا” لنكون فاعلين في التاريخ من موقعنا الحضاري المتقدم لا من موقع التابع للمتبوع.
إن القائلين من الذين رضعوا لبان الفكر الغربي وتأثروا بمناهجه ونتائجه من الحداثويين: “إن فكر بن نبي هو “النار المسروقة” التي علينا أن نعيد إشعالها”، محاولة منهم لربطه بمذهبهم والأكل به ثمنا كثيرا، فهو قولٌ فيه مجازفة وميل عن الحق، لأن فكر الرجل لم يكن مسروقا، وإنما نتاج إبداع أصيل للأسف أُهمل عن عمد في أحيان من خصومه، وعن جهل في أحيان كثيرة من الذين لم يفهموا إنتاجه الفكري، فالنار الهادية لم تُنتزع من بين أيدينا، لكنها أُخمدت تحت رماد اللامبالاة والتقليد والكسل الذهني، وما نحتاج إليه ليس إشعال نار جديدة، بل نفخ الرماد في الجمر الكامن في فكرنا الإسلامي، وإحياء المعاني التي دعا إليها المفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله في بناء الإنسان الذي يملك الحرية ويتمتع بالواعي ويكون مبدعا لا متَّبعا.
وإذا كان بن نبي قد عاش غريبا في حياته بين أبناء جيله، فليس لأنه كان متمرِّدا على مواريث الأمة وقيمها، بل لأنه كان ببصيرته الفكرية أسبق من زمنه، ومأساة فكره ليست في تجاهله فقط من طرف الأقربين، بل أيضا في سوء قراءة فكره، فالكثير من قرّائه يقرأونه اليوم بعين الإيديولوجيا لا بعين الفكرة، فهذا يجعله حداثيا تغريبيا، وذاك يراه خصما لدودا للفكر السلفي بمفهومه التراثي، في حين أن الرجل كان يبحث عن موقع الفكر الإسلامي بين الإيمان العميق، والعقل المتحرر، والعمل المنتِج.
لقد آمن بن نبي بأن النهضة في الأمة لا تُولد من القطيعة مع الدين والانفصال عنه أو فصله عن الحياة بشكل شامل؛ فالإسلام في نظره ليس عائقا أمام التقدم والتطور والعصرنة والازدهار، بل هو المصدر الأول للطاقة الأخلاقية والفكرية التي تدفع بالأمم نحو البناء والإبداع كما دلت على ذلك التجارب السابقة يوم كان المسلمون العالمَ الأول بفضل هذا الدين.
كما أن بن نبي لم يكن فيلسوفا محصورا في فراغ الفكر بين أربعة جدران، بل كان مفكرا واقعيا أدرك أن الحضارة تُبنى حين يلتقي الإيمان بالعمل، وحين يتحوّل الوعي إلى فعل أخلاقي وحركة بنَّاءة، ومن الظلم أن نحشره في ثنائية الحداثة الناكرة للأصول والجذور الفكرية، والتقليد الجامد الذي لا يتحرَّر من العوائد الجاهلة والمفاهيم المنغلقة، لأنه كان أعمق وأوسع من ذلك بكثير.
في تقديري، أن القراءة المنصفة لبن نبي، بعيدا عن التقديس أو التنقيص، هي تلك التي تنظر إليه كصوت عالٍ أراد أن يوقظ في الأمة حسها التاريخي، ويذكّرها بأن نهضتها لا تصنعها المظاهر الخادعة ولا الشعارات العاطفية الفارغة، بل يصنعها الإنسانُ المؤمن الواعي الذي يحمل الفكرة المضيئة ويحوّلها إلى فعل إيجابي، وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي أرادنا الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله أن نتعلمه ونطبِّقه في زمن ما يزال الفكر يصارع من أجل أن يجد روحه المفقودة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!