العالم
المحامي والباحث الأكاديمي الفلسطيني وسيم الشنطي لـ"الشروق":

قرار القبض على نتنياهو يقع تنفيذه على جميع الأطراف في نظام الجنائية الدولية

عبد السلام سكية
  • 719
  • 0
ح.م
المحامي والباحث الأكاديمي الفلسطيني، وسيم الشنطي

يقدّم المحامي والباحث الأكاديمي الفلسطيني، وسيم الشنطي، قراءة قانونية موسّعة لمذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ضد كل من رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه المقال يوآف غالانت، ويؤكد أنها تشكّل بارقة أمل جديدة في طريق تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا الفلسطينيين.
ويؤكد المحامي الشنطي في هذا الحوار مع “الشروق”، أن قرار القبض يقع تنفيذه على عاتق الدول الأطراف في نظام المحكمة، ولا يمكن لها أن تتهرب من ذلك أو تتحجج بموضوع الحصانة؛ لأن ذلك يجعل الدول في موقف محرج وتظهر بمظهر الدولة التي لا تلتزم بواجباتها القانونية على المستوى الدولي.
ويشدّد المتحدث، أن خطورة هذا القرار لا تقتصر على نتنياهو وغالانت، بل إن مئات القادة والجنود الإسرائيليين تنتظرهم مثل هذه القرارات.

ما هي الآثار القانونية لقرار المحكمة الجنائية الدولية إصدار أوامر قبض بحق نتنياهو وغالانت؟
إن قرار الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، يشكّل بارقة أمل جديدة في طريق تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا الفلسطينيين، ومساءلة ومحاسبة قادة الاحتلال لاسيما بعد مضي أكثر من عام على جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة.
وتشكّل مذكرة اعتقال نتنياهو وغالانت اختبارا حقيقيا لالتزام العالم بالعدالة الدولية، حيث تلزم المادة 89 من نظام روما الأساسي الدول الأطراف بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ أوامر الاعتقال.
بعد إصدار المذكرات، تحال إلى الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، البالغ عددها 124 دولة، لتنفيذها ويتطلب ذلك اعتقال الأشخاص المطلوبين حال وجودهم على أراضيها وتسليمهم إلى المحكمة. ويبدأ بعدها مسار الإجراءات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية لضمان محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.
المطلوب من كافة دول العالم، بعد صدور قرارات المحكمة الجنائية الدولية، إعادة تقييم العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية مع الكيان الصهيوني لضمان امتثالها لمبادئ القانون الدولي، ولابد من رفض وإنهاء الدعم السياسي لنظام وصفت محكمة العدل الدولية وجوده العسكري في الأرض الفلسطينية المحتلة بغير القانوني، ورئيس وزرائه متهم الآن بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني. كما يجب على كافة دول العالم الالتزام بالتعاون في تنفيذ أوامر إلقاء القبض على نتنياهو وغالانت، مع التأكيد على أهمية دور الدول الأوروبية نظرا لموقعها الجغرافي وعلاقاتها العسكرية والاقتصادية مع إسرائيل، واحتمالية زيارة المسؤولين الإسرائيليين لأراضيها، وكذلك إغلاق حدودها كافة أمام تحركات كل من نتنياهو وغالانت الدولية، واعتقال مرتكبي الجرائم والعمل على تسليمهم للمحكمة في لاهاي.

هل يمكن القول إن أوامر القبض الصادرة عن المحكمة تؤدي إلى تحويل نتنياهو وغالانت إلى أشخاص مقيّدين ومعزولين عن المجتمع الدولي؟
إن أهم أثر لأوامر القبض بحق نتنياهو وغالانت هو تحويل نتنياهو وغالانت إلى أشخاص مقيّدين ومعزولين عن المجتمع الدولي؛ إذ يصبح من الصعب عليهم السفر في المستقبل، أو على الأقل إلى الدول الأطراف في نظام روما الأساسي والبالغ عددها أكثر من 124 دولة، لأن أي سفر سينطوي على خطر الاعتقال.
وعمليا، فإن إصدار أوامر القبض بحق نتنياهو يعني أنه أصبح زعيما “منبوذا” في العالم. فيمكن له مثلا زيارة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن عليه قبل ذلك أن يتأكّد من أن الدول التي سيمر في أجوائها لن تنزل طائرته وتعتقله.

هل من المتوقع صدور قرارات، تحديدا ضد كبار قادة المؤسسة العسكرية والأمنية في دولة الاحتلال؟
إن خطورة هذا القرار لا تقتصر على نتنياهو وغالانت، بل إن مئات القادة والجنود الإسرائيليين تنتظرهم مثل هذه القرارات والمصير نفسه الذي واجهه نتنياهو وغالانت، ولذلك، فإن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مطالب بتقديم طلبات إضافية لإصدار مذكرات توقيف بحق المسؤولين الإسرائيليين والقادة العسكريين المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني.

بما أن المحكمة لا تملك شرطة خاصة لتنفيذ أوامر الاعتقال، فكيف يمكن تطبيقه أو تفعيل هذا الأمر؟
ليس للمحكمة الجنائية الدولية قوات يمكنها جلب واعتقال نتنياهو وغالانت وأي من مجرمي الحرب الإسرائيليين الآخرين، ولكن يقع على عاتق الدول الأعضاء في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والبالغ عددها 124 دولة أن تقوم باعتقال نتنياهو وغالانت في حال وطأت قدماهما أيا من تلك الدول ونقلهما إلى لاهاي، إلا أنه من الناحية العملية، فنادرا ما تقوم الدول الأعضاء بنظام روما بتنفيذ مذكرات الاعتقال، خاصة عندما يتعلق الأمر برئيس دولة، وعلى سبيل المثال، فقد صدرت سابقا أوامر بالقبض على رئيس السودان السابق عمر البشير، لكنه تمكّن من السفر إلى العديد من الدول الأعضاء في المحكمة، بما فيها جنوب إفريقيا والأردن وذلك من دون توقيفه؛ لأن تلك الدول تحججت باحترامها لمبدأ حصانة رؤساء الدول الذين ما زالوا في مناصبهم.

هل نحن أمام قرار شكلي وإدانة معنوية لا أكثر؟
الدول تتحجج، في العادة، بمبدأ حصانة رؤساء الدول عندما تمتنع عن تنفيذ مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة، فمثلا فيما يتعلق بقرار جنوب إفريقيا بعدم اعتقال الرئيس السوداني الأسبق البشير، فقد استمع قضاة من الدائرة التمهيدية في المحكمة إلى وفد يمثل جنوب إفريقيا في أفريل عام 2017م لتقرير ما إذا كانت جنوب إفريقيا قد أخلت بالوفاء بالتزاماتها بعد سماحها للبشير بالعودة إلى وطنه في منتصف جوان 2015م بعد حضور قمة دول الاتحاد الإفريقي؛ وفي الوثائق المقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية، ادعّت حكومة جنوب إفريقيا أنها وجدت نفسها منقسمة بين الوفاء بالتزاماتها تجاه المحكمة الجنائية الدولية من خلال اعتقال البشير وبين تشريعاتها الخاصة التي تضمن احترام الحصانة الرئاسية .

وفي جويلية 2017م، أصدرت المحكمة قرارها بشأن النظر في عدم التزام جنوب إفريقيا، حيث اعتبرت أنه كان على جنوب إفريقيا واجب اعتقال البشير خلال زيارته لها، لكنها فشلت في ذلك ولم يتم فرض عقوبات على جنوب إفريقيا، كما لم يتم إحالة الأمر إلى مجلس الأمن.
فقرار القبض يقع تنفيذه على عاتق الدول الأطراف في نظام المحكمة، ولا يمكن لها أن تتهرب من ذلك أو تتحجج بموضوع الحصانة؛ لأن ذلك يجعل الدول في موقف محرج وتظهر بمظهر الدولة التي لا تلتزم بواجباتها القانونية على المستوى الدولي.

في حال قام نتنياهو أو غالانت بزيارة إحدى الدول الموقّعة على ميثاق المحكمة، ولم تقم تلك الدولة باعتقالهما، ما هو الإجراء المتاح؟
يجوز للمحكمة في هذه الحالة أن تحيل المسألة إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن لاتخاذ القرار المناسب، ولفرض عقوبات عليها، وفقا لما تنص عليه الفقرة 7 من المادة 87 من ميثاق روما، إلا أنه من الناحية العملية، في الكثير من الحالات لا يتخذ مجلس الأمن أي تدابير ضد هذه الدول.

هل من الممكن تعليق مذكرة القبض بحق نتنياهو وغالانت؟ دولة الاحتلال تتحدث عن مخارج قانونية؟
من الممكن أن تعلّق مذكرة القبض بحق نتنياهو وغالانت في حالة وحيدة فقط، وذلك من خلال إصدار مجلس الأمن لقرار تجميد مذكرة الاعتقال، كون أن المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة؛ أعطت لمجلس الأمن الحق في أن يطلب من المحكمة، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بأن “لا تبدأ في المحاكمة أو أن لا تواصل المضي في التحقيق أو المقاضاة لمدة اثني عشر شهرا”، كما يجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط نفسها، وبناء عليه، لا تستطيع المحكمة السير في أي شكوى أو مقاضاة، أو إصدار أي مذكرات قبض، بل تجميد ذلك لفترة 12 شهرا قابلة للتجديد لمدة مساوية.

مقالات ذات صلة