قرار قضائي ينسف التقارب المسجل بين الجزائر وباريس
أكدت السلطات الفرنسية مرة أخرى عدم جديتها في تجاوز العقبات التي تسمم العلاقات مع الجزائر، مناقضة بذلك الخطاب الذي يسوقه قصر الإيليزي ومختلف الفاعلين السياسيين، بعد رفض الإفراج عن العون القنصلي الجزائري الموجود في السجن منذ الثامن أفريل 2025.
فقد قضت محكمة الاستئناف في باريس بعدم قبول الطعن في قرار استمرار سجن العون القنصلي الجزائري، الذي دفع به محاميه المقدم في 18 جوان المنصرم، في تهمة يرفضها الطرف الجزائري جملة وتفصيلا، حيث اتهم وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو، بافتعالها من أجل عرقلة التقارب بين الجزائر وباريس.
الخبر أوردته وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس براس)، الخميس، نقلا عن مصدر قضائي.
ويأتي هذا القرار الصادر عن دائرة التحقيق في محكمة الاستئناف بباريس متوافقا، وفق المصدر ذاته، مع توصيات النيابة العامة، التي طلبت تأكيد الأمر الصادر عن قاضي الحريات والاحتجاز برفض الإفراج عنه.
ولاحت في الأفق قبل أيام بوادر انفراج في هذه القضية الشائكة، حيث بادرت النيابة العامة الفرنسية بتوصية تقضي بالإفراج عن الموظف القنصلي ووضعه تحت الرقابة القضائية، وذلك بعد ما قدرت بأن المبررات التي قدمها الدفاع تسمح بذلك، غير أن قرار المحكمة الصادر الأربعاء الأخير، أعاد الوضع إلى مربع البداية.
وفي قراءتها للنتائج السياسية للقرار القضائي الأخير على العلاقات بين الجزائر وباريس، ذهبت صحيفة “لوموند” إلى القول بأن قضية العون القنصلي الجزائري مرتبطة بقضية أخرى “حساسية”، وهي قضية سجن الصحفي كريستوف غليز، الذي حُكم عليه بشكل نهائي بالسجن سبع سنوات بتهمة “دعم الإرهاب والإشادة به”.
وقالت “لوموند” إن السلطات الجزائرية مصممة على ربط إطلاق سراح المتعاون مع مجموعة “سو برس” ( سو فوت سوسييتي)، المسجون منذ أزيد من سنة بالجزائر، بإنهاء قضية العون القنصلي الجزائري في كريتاي، والذي تسبب عدم الإفراج عنه في مارس المنصرم، في غضب لدى السلطات الجزائرية، تجلى من خلال البيان شديد اللهجة الذي عممته وزارة الخارجية حينها.
وجاء القرار الفرنسي غير المحسوب العواقب، ليعيد العلاقات الثنائية إلى مربع التصعيد مرة أخرى، بعد فترة وجيزة من الهدوء بدأت مع زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونياز إلى الجزائر، في فبراير 2026، ثم زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد موسى دارمانان، قبل أن يرد وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود بزيارة أخرى إلى باريس مطلع الشهر المنصرم.
واتضح من خلال متابعة تفاصيل السجال القضائي في قضية العون القنصلي الجزائري، أن هناك أطرافا في فرنسا تعمل جاهدة على وضع العصا في الدولاب، فمباشرة بعد الكشف عن التغير الذي حصل في موقف النيابة العامة الفرنسية بانحيازه لصالح الإفراج عن العون القنصلي، سارعت أطراف من داخل فرنسا، إلى التشكيك في نزاهة هذا التوجه، والمثير في الأمر هو أن وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس براس)، سارعت إلى تعميم بيان يحذر من مغبة الإفراج عن العون القنصلي ضمن صفقة تبادل مع الصحفي الفرنسي الموجود بالسجن في الجزائر.
ومعلوم أن هناك فريقين في فرنسا يتصارعان بشأن كيفية إدارة ملف العلاقات مع الجزائر، وعلى الرغم من فشل التيار الداعي إلى استعمال القبضة الحديدية، ونجاح الطرف الآخر الذي يدعو إلى خيار التهدئة وحل الملفات العالقة عبر الحوار، إلا أن التيار الأول يقوم من حين لآخر بتفجير ألغام في طريق هذا التقارب.