الرأي

قرن الديمقراطية التي ربت 80 قارونا

حبيب راشدين
  • 2361
  • 10

عندما تكتشف أن 80 شخصا يملكون 1900 مليار دولار، وأن واحدا في المائة من البشر يستحوذون على ثروة تعادل أو تفوق “ثروة” الـ99 في المائة الباقية، فلن تصغي بعد ذلك إلى من يخاطبك في قوت يومك ـ كما يفعل سلال ـ يدعوك إلى مزيد من التقشف كلما ازداد العالم غنى.

فقد نشرت يوم الاثنين الماضي منظمة “أوكسفام” غير الحكومية دراسة جديدة حول الفوارق الصارخة والمتعاظمة بين “الأكثر غنى” و”الأكثر فقرا” في العالم، تقول إن الثروة المتراكمة بين أيدي 1  في المائة من سكان العالم (أي حوالي 70 مليون ثري) تعادل الثروة مجتمعة لـ6 ملايير و930 مليون إنسان، وبالأرقام فقد بلغ ما بين أيدي هذه القلة حوالي 48 في المائة من ثروة العالم، وازدادت بعد 2010 بأكثر من 600 مليار، وأن 80 في المائة من سكان العالم يتقاسمون فقط 5،5 من ثروته، فيما تتفرد صفوة لا تزيد عن 80 فرداً بثروة قدرها 1900 مليار.

المحيّر في هذه الدراسة ليس هذه الفوارق الضخمة بين الأغنياء والفقراء، بل في ما تحمله من تكذيب لكل ما يشيعه علماء الاجتماع والسياسية، والمثقفون المروّجون لجنّة الدجّال الرأسمالي، وكنيسته الديمقراطية بعد أن نتفق أنه لم يحدث في تاريخ البشرية ولا في عهد قارون أن وصلت الفروق في الثروة هذا القدر، حتى وإن كان القرآن الكريم قد وصف ما بين يدي قارون بهذا التعبير البليغ في القصص- الآية 76: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)).

الحقيقة الأولى: أن تراكم الثروة بين القلة وتعاظم الهوة بينهم وبين الفقراء لا علاقة لها بما يُنسب إلى نظم الاستبداد ولا بالنظام الاقتصادي وإلا لزم عليهم الاعتراف بتفوّق النظام الرأسمالي الديمقراطي على بقية النظم الاستبدادية في صناعة الفوارق في الثروة.

الثانيةأنه لا علاقة مباشِرة بين تعاظم الفقر واتساع رقعته من جهة ونشوء الحاجة إلى تغيير الحال بالثورات وإلا كان الفقر الذي تصنعه اليوم الرأسمالية الربوية قد فجّر مليون ثورة وثورة.

الثالثةأنه لا علاقة بين تنامي معدّلات النمو والإنتاج وعوائده على مستوى تحسين معيشة الناس وسعادتهم وإلا كانت العقود الذهبية التي حققت فيها الرأسمالية العالمية أعلى نِسب الإنتاج قد أوقفت في الحد الأدنى تفاقم سقوط مزيد من البشر تحت سقف الفقر.

الرابعةأنه لا علاقة بين ما ينسب إلى الثروة العلمية والتقنية من أفضال على تطور البشرية وإلا كانت العقود السبعة الأخيرة بفتوحاتها العلمية الخارقة والتطور التكنولوجي المذهل قد نجحا حيث أخفقت المجتمعات المتخلفة قبل الثورة البرجوازية وكانا أوجدا ظروف الحياة الطيبة للبشر.

الحقيقة الثابتة: أنه ينبغي علينا أن ننصّب محرقة لملايين الكتب الأكاديمية في الاقتصاد والعلوم الإنسانية التي تكون قد شاركت في صناعة مليون كذبة وكذبة للتغطية على سيرة قوم قارون الثابتة في زمن الجماعات البدائية المغالبة على الثروة بالقوة البهيمية كما في هذا الزمن الذي يدّعي “حكم الشعب باسم الشعب ولصالح الشعب”.

مقالات ذات صلة