قرية “لَقْصَرْ” بالأوراس… رونق الجمال وعبق التاريخ
الأوراس الجليل هو هِبةُ الله التي أودعها أرض الجزائر، وهي عجيبة من عجائب الطبيعة كتاب الله المفتوح، فكم في الأوراس من لوحات طبيعية خلاّبة تخلّف في عين ناظرها الدّهشة والإبهار، فيقف محتارا حائرا، ويفني برهة من الزمن بين جرأة وتردد، لا يعرف كيف يبدأ الإبصار؟ هل يمده منسرحا طليقا إلى أقاصي حدوده المترامية حتى يصل منتهاه، أم يبقيه أسير الحيّز القريب من قدميه؟. ومهما فعل بين التنائي والتداني، فلن يفقد شيئا من التمتع ببهاء الصورة الفاتن وسحرها ورونقها. وأما محاولة وصفها وصفا دقيقا شاملا، فلن تفضي سوى إلى عجز واستسلام يتبعهما اعتراف بالضعف.
يُلفظ اسم قرية “لَقصَرْ” بفتح حرف اللاّم، وتسكين حرف القاف، وفتح حرف الصّاد. ويُلاحَظ أن علامة الفتح تتناوب مع علامة السكون في حروف اسمها الأربع. والأمر لا يحتاج إلى عناء وإجهاد الفكر لاكتشاف أن هذا الاسم مشتق من الاسم العربي الفصيح: “القصر”. ولكن انجذاب الألسنة نحو التخفيف لِما تسيَّر خلف ما درج عليه الناس، وهجرها لما يُثقل نطقها بالشفاه واللسان، ونفورها الابتداء بالسكون، أرغم سحب “أل” التعريف منه للتخلص من السكون المستثقَل، وإزاحته واستبداله بعلامة الفتح التي تعدُّ من أخف الحركات في اللغة العربية.
ييسِّر هذا الاسم أمام متابعه لمّا يعيده إلى أصوله العربية القحة مَهمَّة إطالة البحث والغوص في سراديب وأغوار علم أسماء الأماكن: “الطوبونيميا” الذي ينظر في جذور أسماء المواقع والبلدان والمدن والقرى لاستجلاء معانيها، وفك شفراتها، واكتشاف مدلولاتها المتوارية.
من أجل الإشادة بدوره الريادي في تخريج حفظة القرآن الكريم في قريتهم التي تعرف باسم: “قرية أهل القرآن”، ألصقوا لوحة معدنية بيضاء أمام باب مدخله، ورقنوا على واجهتها أسماء الشيوخ الذين تعاقبوا على الجلوس في صدارة حلقات تحفيظ الصبيان والصبايا آيات الذكر الحكيم. وعلمت أن القائمة أسقطت سهوا ونسيانا بعض الأسماء مما يجعلها في حاجة إلى مراجعة دقيقة حتى لا يغمط كل ذي حق، ولا يجحف دوره.
خطفت قرية “لقصر” اسمها البديع من الاسم الذي أطلق على بناء قديم يقع لواذ مسجد سيدي عمر بن عبد السلام. ومن خلال بقايا حجارته الضخمة والمصقولة، غلّب الاحتمال الذي يرى أنه شيِّد في العهد الروماني. وما تزال آثار هذا “القصر” قائمة، وإن كان معظمها مدفونا تحت الأتربة التي تراكمت وأخفت شطرا من أطلاله. وأما الأرض المحيطة بهذا القصر فقد التهمتها الجنانات التي أقامها السكان بعد تنقيتها واستصلاحها.
تقدم مياه وادي لقصر من مرتفع الهارة الجبلي الواقع في أعالي “شناورة”، وتنبجس من عدة ينابيع تجتمع روافده في نقطة مرتفعة مما يعطيها دفعا قويا حين انزلاقها في بطن الوادي الذي يطاوعها في انحدارها، فتنزل متدفقة سريعة وجارفة، ولا تعبأ بما يوجد في طريقها من حجارة أو صخور أو أتربة أو مرميات.
تكون مياه الوادي في فصل الشتاء دافئة بفضل الحرارة المستمدة من الصخور التي تكتنزها في فصل الصيف، وتحرِّرها تدريجيًّا. وعلى خلاف ذلك، تكون في فصل الصيف باردة بعد أن تكون الحرارة المختزنة في الصخور قد نفدت وصُرفت عن آخرها. وأحاطت بها نوبة من البرودة تجعل شاربها يستسيغها في إطفاء حرارة جسمه.
يعدُّ السد الصغير المبني في نقطة محاذية للقرية هو قرارة الوادي وخزان مائه الذي يستفيد منه السكان في إرواء بساتينهم على مدار السنة وفق نظام تشاركي يحدد فيه لكل واحد منهم نصيبه من الماء. وحينما يجف الوادي أو تشحُّ مياهه تسوء حالة البساتين ويسرق منها اخضرارها، وتتورم أغصان أشجارها، وتقلّ غلال ثمارها أو تنعدم. وتظهر غصة ألم في حلوق السكان.
عندما دنونا من قرية “لقصر”، وجدناها تنعم في هدوء وسكينة ودعة، فلا ضجيج ولا عجيج!. واستقبلتنا بوجوه ديارها السافرة، إذا أنها خالفت العرف، وأدارت ظهرها إلى الشرق مصعد بزوغ الشمس، ولم يسكن قلبها كِبرٌ وتجبُّر، وأبقت أبواب منازلها موجَّهة نحو الغرب حتى تحمي عمرانها من سيول المياه الجارفة التي يمكن أن تباغتها، وتنقل إلى سكانها وحيواناتهم الأخطار المهدِّدة والمفجعة. ولعلها وجدت شيئا من متعتها وراحتها في شمس الظهيرة والمغيب، واستفادت من دفء أشعتها وأضافت له قليلا من سخونة التيارات الهوائية القادمة من الصحراء. ولم تكسر هذه القاعدة، إلا مساكن قليلة انتصبت على إحدى ضفتي واديها، لأنها وجدت نفسها في مأمن، ولم تخش على نفسها من مياه السيول في الأيام المطيرة.
تتربَّع قرية “لقصر” على مساحة تقدَّر بأميال قليلة، خالية من الأراضي المنبسطة والسهول، ولم يسمح لها المرتفع الذي حطت عليه والوادي الذي يمزق جسمها إلى شطرين على امتداد طولها بالتمدد وبسط أطرافها. وأوجد هذا الانحسار مشكلة أمام قاطنيها الأوائل مما اضطرَّهم إلى إعداد المساحات الضيقة لاستغلالها للزراعة وفق نظام الأسرة الذي كلفهم جهد نقل أكوام كبيرة من التربة والحجارة وبوسائل بدائية يتقدمها الفأس والمسحاة والرفش.
اقتصر تشييد العمارة في قرية “لقصر” على موادها المحلية المؤلفة من الحجارة الصلبة والتراب وسوق أشجار النخيل المقاومة التي تشكل منها السقوف وحواملها ودفات الأبواب والنوافذ وأطرها. واستطاعت بناياتها الوقوف متحدية الظروف الصعبة المرافِقة لتقلبات المناخ وتدخل يد الإنسان بالإساءة. وكتب لها الانتصار والغلبة إلا في حالات بعض المنازل التي تهاوت طبقات من جدرها وأجزاء من سقوفها من بعد أن فرض على قاطنيها الهجر بالإكراه.
لم تولد الهجرة قطيعة نهائية، وإنما أبقت الحبال السُّرِّية مربوطة بالديار وبما فيها من ذكريات. إذ ما يزال أهل قرية “لقصر” يضمرون لها حبا وتعلقا وشوقا لرؤيتها حتى وإن طال البعاد. وفي المدة الأخيرة، تحركت عند بعضهم إرادة طوعية قوية، وشرعوا في ترميم وتسوية ما ظنوا أنه يشكل قيمة وجودية في مخيالهم الجمعي، وانطلقوا من بناية مصلّى سيدي عمر الشريف. وأما مسجد سيدي عمر بن عبد السلام الجامع، والذي ما يزال محافظا على هيكله وسمته، فقد رأوا في طلاء أبوابه ونوافذه بصباغ أخضر لامع لصيانتها أولوية متقدمة. ومن أجل الإشادة بدوره الريادي في تخريج حفظة القرآن الكريم في قريتهم التي تعرف باسم: “قرية أهل القرآن”، ألصقوا لوحة معدنية بيضاء أمام باب مدخله، ورقنوا على واجهتها أسماء الشيوخ الذين تعاقبوا على الجلوس في صدارة حلقات تحفيظ الصبيان والصبايا آيات الذكر الحكيم. وعلمت أن القائمة أسقطت سهوا ونسيانا بعض الأسماء مما يجعلها في حاجة إلى مراجعة دقيقة حتى لا يغمط كل ذي حق، ولا يجحف دوره.
تعدّدت قلاع تخزين المؤن في قرية “لقصر”، ويُحصى منها اليوم ثلاث ما تزال بقايا معالمها شاهدة. وهناك من يرفع عددها إلى خمس. ويفسَّر هذا التعدُّد في القلاع الذي يمثل حالة شاذة بين قرى الأوراس، في نطاق التوافد البشري المتكرِّر والمتعاقب زمنيًّا على القرية. وكانت كل جماعة وافدة جديدة تبني قلعة تنفرد بها وتخضع سعتها وحجمها لعدد أسرها. ومع بداية الثورة التحريرية، أفرغت مخازن هذه القلاع من مخزوناتها التي نقلت إلى المنازل درءا للشبهات واتقاء للانتقام. وتحوّلت إلى أوكار يأوي إليها عساكر الاستعمار ومن معهم من الخونة والمخبرين حتى يكونوا عيونا مفتوحة للتجسُّس والتلصُّص على كل ما يدبُّ في القرية من حركة ونشاط يصبَّان في خدمة المجاهدين، ويعملان على تقوية شوكتهم.
أرادني مرافقي المربِّي الأخ إبراهيم عاشوري أن أقف على كل شبر وكل حجرة في القرية التي عاش فيها طفولته وشبابه. وفضَّل الحديث بعينيه كلما نظر إلى ناحية من نواحيها. وكان يوزِّع بصره بين النظرة الخاطفة والنظرة الممعنة. ويتبع كل نظرة بحركة من رأسه كمن يسترجع صورة جميلة مخبوءة في دهاليز الذاكرة التي تمرَّدت على النسيان، أو بتكشيرة أو باستقطاب لجبينه يخفي فيهما ألما وحسرة، أو في حركة من رأسه كمن يعترف أن دوام الحال من المحال.
تذكَّر الأخ إبراهيم عاشوري مسكن والده الذي انهدت بعض جدرانه وخرَّ جزءٌ من سقفه وتهاوى أرضا، واستعاد الكتَّاب القرآني في المسجد القريب المنتصب على شفة الوادي أمام الجسر وحلقة الحفظ والذكر التي كان يجلس فيها ومكان موقد الجمر الطيني في فصل الشتاء. وفي البستان، أشار إلى شجرة الجوز الشامخة التي اختفت مع كل الأشجار الأخرى. وتألم بتنهيدة حارة زفرها من أعماقه من تحوُّل تلك الأشجار التي كانت تعطي أطيب الثمار إلى بقايا جذوع وأغصان نخرة، ولم يبق منها سوى شجيرات التين الشوكي العنيدة تقاوم عاديات الدهر الصَّلفة الغاصبة. ولما نطق بذلك أمامي، رددتُ عليه بالقول مازحا حتى أخرجه من فضاء سرحانه: لقد نجت سيقان نباتات التين الشوكي المسطحة والمفلطحة لأنها ذات وجه ذميم ووقح ومملوء بالأشواك. فتبسَّم ضاحكا. وردَّ عليَّ: صدقت. ولم ينس قهوة والدته الصباحية والمسائية المعطرة برائحة نبات الشيح الجبلي الذي لا تنافسه بذور نبات الهيل عند أهل الشام. وأحسست أنه وجد صعوبة في مغادرة هذا الجو التذكاري بلحظاته النوستالجية المملوءة بالحنين والحزن معا.