الجزائر
السياحة الداخلية تنتعش في عطلة الشتاء

قسنطينة تستقبل آلاف الزوار من الجزائر العميقة

ع. ل
  • 2524
  • 1
ح.م

انتعشت في الأيام الثلاثة الأولى من العطلة الشتوية الحالية، في سابقة لم تكن على البال، السياحة الداخلية في مدينة قسنطينة، على غرار مناطق عديدة في الجزائر، فبالرغم من الجو الماطر والبارد بالخصوص، إلا أن مشاهدة سيارات بترقيم من مختلف الولايات في كل معالم مدينة قسنطينة، صار يجلب الانتباه، ولأول مرة في تاريخ المدينة، تعرف بعض المعالم ما يشبه الازدحام، من الوافدين الجزائريين، على غرار قصر “أحمد الباي” في ساحة “حواس” بوسط المدينة، ومتحف “سيرتا”. بالرغم من أن مشاهدة السياح أمام كل جسور المدينة ومنها جسر “الشيطان” الذي يمنح مناظر خلابة، ومعلم “الأموات” وموقع “تيديس” الروماني والمدينة القديمة “السويقة” بالخصوص، أمر مألوف في هذه الأماكن التي كانت مطلب زوار قسنطينة من وسط وغرب وجنوب البلاد، وطبعا الجالية الجزائرية في الخارج.
يقول مدير السياحة والصناعة التقليدية، إن المدينة عرفت “تهاطلا غزيرا” للسياح، سواء من داخل أو من خارج الوطن، ومن جميع القارات في السنتين الأخيرتين وخاصة بعد جائحة “كورونا”، وكان لزاما على المديرية مسايرة هذا الوضع الجديد، حيث عرفت كل المعالم التي هي مقصد للسياح عمليات تهيئة وانتقل الأمر من الصيف إلى الشتاء، حيث صارت حركة السياح لا تتغير بتغيّر المناخ، مع أن الربيع هو المسيطر على المشهد السياحي في قسنطينة، ولا تتوقف المديرية عن تقديم النشاطات الداعمة للسياحة والتي هي من عمق اهتماماتها، منها معارض الصناعات التقليدية، وكان آخرها معرض للصناعة التقليدية، الذي ضمّ اللباس التقليدي، والنحاس، والحلويات بأنواعها، وتقطير الزهر والورد والأعشاب الطبيعية، والرسم على الزجاج والزخرفة.

انتصارات “اليونيسكو” دعّمت السياحة بالمدينة
تقول السيدة لمياء بن عباس، وهي مختصة في القطيفة في حديثها لـ”الشروق اليومي”، بأن ما تحقق في “اليونيسكو” الثلاثاء قبل الماضي، عندما قرّرت اللجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي لـ”اليونيسكو”، إدراج ملف الزي النسوي الاحتفالي للشرق الجزائري الكبير، في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في دورة عقدت بجمهورية باراغواي بأمريكا اللاتينية، ألهب فعلا شغف الناس لمعرفة هذا التراث التي تقدمه النساء القسنطينيات منذ عصور، وبقي من دون توثيق ولا تثمين ولا إشهار، ولكن الانتصار المحقق في “اليونيسكو”، بقدر ما ردّ الحق لأصحابه، بقدر ما جعل طالبي هذا التراث يتكاثرون من داخل ومن خارج الوطن، إذ لم يعد السياح يجذبهم الفضول فقط لـ”القندورة” القسنطينية المطرزة بالذهب الخالص، بل يطلبون شراءها، مع “الملحفة”، و”القفطان”، و”القاط”، و”الشاشية”، والسروال و”المجبود” وغيرها من روائع سيرتا.
كما يؤكد السيد صالح، وهو من أكبر تجار المصوغات، ارتفاع الطلبات من السياح الجزائريين على الحلي الذهبية مثل “السخاب”، و”المحزمة”، و”خيط الروح” وحتى الخلخال و”الرديف” الذي تراجع الطلب عليهما في العقدين الأخيرين، ولكن ما تحقق في “اليونيسكو” أعاد مختلف الحلي إلى القمة ولم يعد الأمر يخص مدينة قسنطينة ومنطقة الشرق الجزائري فقط، في اللباس والحلي التقليدية، وإنما شمل كل ولايات الوطن.

الحمص و”الجوزية”.. قطعة أساسية من السياحة
رغم التنافس الشرس في إدخال الخدمة الجيّدة والتنويع، وإدخال الأطباق التركية والشامية وحتى الأوروبية والآسيوية في العشرات وربما المئات من المطاعم الفخمة في المدينة الجديدة علي منجلي وفي الخروب وغيرها من الشوارع والبلديات التابعة لقسنطينة، إلا أن الشهرة التي اشتهرت بها قسنطينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي زادت من شهرة المدينة ومن أطباقها التقليدية التي ساهمت في وضع الجزائر بأطباقها في المركز الأول عربيا وإفريقيا، وضمن أقوى المطابخ في العالم، بحسب مختلف التصنيفات العالمية الخاصة بالطبخ وكلها غربية.
وهو ما يؤكده السيد عمار بوكعباش الكائن مطعمه الخاص بالحمص، في شارع “لاري بوتيي” أو حي عبد الرحمان بودربالة، بقسنطينة، فالسيد عمار إضافة إلى دفاعه عن المهنة، يتمتع بثقافة عالية تجعل الزائر والسائح، يأخذ لبطنه ولعقله أيضا، حيث يختصر شهرة الحمص القسنطيني وطلبه المتزايد في الفترة الأخيرة، من السياح الجزائريين والأجانب، إلى كونه يطهى على الجمر وعلى نار هادئة جدا، وطهي الحمص يتطلب ست ساعات متواصلة على الأقل، مع الحفاظ على نفس المقادير من كمون وكروية وملح، على أن يكون الحمص المقدم هو الحمص المحلي، لأنه ناضج ويطهى بسهولة.
العطلة الشتوية الحالية رفعت من الطلب على الحمص بين من يتناوله في المطعم أو يأخذه معه حيث يقطن، ويسافر به إلى ولاية أخرى أو بلد آخر عبر الطائرة، وللسيد عمار شقيق مختص في الحمص، محله غير بعيد عنه في شارع بلوزداد، وأبناء عمومة منتشرون في كل الولاية، وخاصة في المدينة الجديدة علي منجلي، يتبادلون الخبرات ويصرون أو يأملون على أن يبقى الحمص القسنطيني يقاوم إلى أن يقتحم “اليونيسكو” هو أيضا.
وكانت العائلة قد أخذت الحرفة من الجد الأكبر المرحوم عبد العزيز بوكعباش الذي كان من أشهر “الحمامصية”، في أوائل الأربعينيات، إلى غاية ما قبل الاستقلال عندما كان يباع الحمص بسعر 30 سنتيم للطبق، أو 6 دورو.
أما عن “الجوزية”، فهي تسجل من سنة إلى أخرى انتصارات مدوية في كل مكان، ولا يكاد يغادر أي سائح من داخل أو خارج قسنطينة إلا وأخذ معه في حقيبته علبة وفي الغالب أكثر، من حلوى “الجوزية”، مع الإشارة إلى أن أشهر عائلة وهي عائلة “منصوري” التي تصنّع “الجوزية”، وكان محلها في حي المحاربين بوسط قسنطينة، قد نقلت أعمالها بالكامل إلى العاصمة التركية إسطنبول وتلقى رواجا كبيرا في كل بلاد العالم ولكن بمسمى “الجوزية القسنطينية”.
وطبعا للحمص أشقاء من أطباق وطواجن قسنطينية صارت لها مطاعم خاصة تقدّم “الرفيس” و”شباح الصفرا”، و”تريدة الطاجين” وغيرها، وأيضا لـ”الجوزية” أخوات كثر من “طمينة اللوز” إلى “القطايف” وغيرهما.

الجسور ومشكل ركن السيارات
السائح الجزائري يستعمل دائما سيارته، مدعّما بالطريق السيّار الذي يسهل مهمة التنقل وأيضا سعر الوقود الذي هو مدعّم، ولا يشكّل أي حرج لصاحب السيارة، وكل جسور قسنطينة لا توفر مكانا ولو صغيرا لركن السيارة، فإذا كان جسر “الملاح” يمنح بعض المتنفس لخمس سيارات أو أكثر، لطالبي الصور في الجسر الذي يهتز ويمنح المتعة لقاصديه، فإن أروع جسر معلّق على الإطلاق وهو جسر “سيدي مسيد” لا يمكن سوى عبوره بالسيارة، أو ركنها بعيدا جدا قرب مستشفى “ابن باديس”، والعودة إليه مشيا على الأقدام لمشاهدة ما يمنحه من روعة للناظرين من خنادق ومغارات، كما يمنع رجال الأمن التوقف على حافة الجسر العملاق للسيارات في زمن الذروة المواصلاتية، ويبقى الاستثناء في صباح الجمعة فقط، وهو ما يفقد الزائرين إمكانية مشاهدة وادي الرمال وحظيرة “باردو” من الجسر الحديث جسر “صالح باي”.
الضباب الشتوي الذي يغطي جسر “سيدي مسيد” طوال فصل الشتاء وخاصة شهر ديسمبر، اكتشفه الجزائريون من جديد وصارت صور الجسر المخبأ في كومة من الضباب هي مبتغى كل الزائرين، كما أن الشمس في زمن المطر تعطي صورا باهرة لقوس قزح، وهو ما نهل منه السياح القادمون من الجزائر العميقة.
ولم يعد صعبا البحث عن فيديوهات وصور جميلة لمدينة قسنطينة حيث أن النقر على الكمبيوتر من كلمة قسنطينة، يقدّم طوفانا من الصور التي التقطها المواطنون العاديون وليس هواة التصوير ومحترفيه.
مدير دار الشباب، أحمد سعدي، في قسنطينة سجل التوافد الكبير للسياح الجزائريين من الشباب وحتى العائلات التي تريد أن تجد مكان إقامة ليوم أو يومين لأجل زيارة معالم قسنطينة، وقد وجدنا أول أمس حافلات من غرب البلاد نقلت شبابا وأطفالا في رحلة سياحية زار فيها الوافدون العديد من المعالم خاصة الجسور، وبدا الأطفال وكلهم تلاميذ المتوسط، في منتهى الفضول وهم يسيرون على الجسور ويقرأون ما كتب في مداخلها عن سنة إنجازها، فأغلبها تجاوزت من العمر قرنا من الزمن، وحفظوا عن ظهر قلب حكايات وأساطير كل جسر من جسور سيرتا. أما الجميل الذي سجله متحف “سيرتا” الكائن بوسط المدينة في حي الكدية وقصر “أحمد باي”، هو أن الاهتمام بتاريخ قسنطينة والجزائر عموما أخذ بعدا شعبيا في الفترة الأخيرة، حيث ظهر سلوك جديد ورائع، وهو تنقل عائلات بكاملها إلى المتحف والسؤال عن كل صغيرة وكبيرة حول هذه اللوحة أو تلك القطعة النقدية.

ركعتان في جامع “الأمير”.. ضرورة
افتتاح جامع الجزائر الأعظم بالعاصمة، نبّه الجزائريين إلى جامع “الأمير عبد القادر”، الذي يعتبر من حيث الكبر الثاني ولكنه من حيث الجمالية والزخرفة فريد من نوعه، وصارت صور الجامع أكثر انتشارا من ذي قبل، وإذا كان أعوان الأمن عند مدخل جامع “الأمير عبد القادر” قد جهزوا عشرات الحجابات وخاصة الخمارات لأجل إعطائها للوافدات الأجنبيات من مختلف الجنسيات، من غير المسلمات اللائي يأتين بشكل يومي لزيارة الجامعة التحفة والتقاط الصور والفيديوهات، فإن ما صار يلاحظ هو قدوم المئات يوميا من مختلف أنحاء الوطن للتفرج والتفسّح وسط أرجاء هذا الجامع والتقاط الصور والفيديوهات.
كما أن مصلى النساء أيضا مفتوح في كل الصلوات لأن الجامع مرتبط بالجامعة الإسلامية، وطالبات الجامعة الإسلامية تؤدين الصلوات المفروضة في الجامع، فإن صلاة ركعتين فيه صارت من الضروريات للنساء والرجال تحية للجامع من هؤلاء السياح القادمين من كل أصقاع الجزائر.
وفي حي باردو حيث يوجد السوق التقليدي للنحاس، يؤكد الحرفي إسماعيل فريفط، وهو من أشهر الحرفيين في هذه المادة لـ”الشروق اليومي”، بأن ثمانين في المئة من الزبائن هم من خارج مدينة قسنطينة، الذين اقتنعوا بعد أن هدأت رياح النحاس المستورد من شرق آسيا بأن العمل القسنطيني اليدوي المتقن لا ينافسه أي نحاس في العالم، فقد عادت العرائس للنحاس، ولصينية النحاس وبقية الأواني التي هي جزء من البيت القسنطيني وحتى الجزائري عموما.
لا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد زوار قسنطينة من طالبي السياحة وزيارة المواقع الأثرية، وتناول مختلف الأطباق، وحتى شراء الحلي والمصوغات والنحاس و”القندورة” القسنطينية ومستلزماتها، لكن المؤكد أن الرقم المسجل سابقا قد تضاعف بشكل مثير للإعجاب ويتطلب مزيدا من الجهد لتدعيمه.
خلال عرض الوجه الجديد للجزائر العاصمة، والذي سيجعل “المحروسة” من أجمل عواصم الدنيا، لفت رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى أن قسنطينة ضمن المدن التي ستعرف نفس الثورة الجمالية، وهو ما يجعلها ساحرة إلى أبعد الحدود وجاذبة لمزيد من السياح، خاصة أن أمورا كثيرة ارتقت مع ما تقدّمه من تاريخ وعراقة وتقاليد مثل وسائل النقل وعلى رأسها “الترامواي”، الذي يستعمله سياح الداخل، والمساحات التجارية الكبرى التي صارت لوحدها تجلب آلاف السياح للتسوّق.

مقالات ذات صلة