قصة أغرب عملية نصب واحتيال في الجزائر
الكثير من ضحايا صالح مولاي وشركائه سواء بولاية البويرة أو البليدة أو العاصمة وغيرها من المناطق أكدوا للشروق أن هؤلاء لجؤوا إلى استعمال حيل ومقالب ذكية وماكرة، جعلتهم يكتسبون ثقة وطمأنينة ضحاياهم، وتوصلوا إلى ما يسعون إليه من مكاسب وغايات مادية، ولم يتفطن الضحايا لهذه المقالب إلا بعد فوات الأوان، فكشفوا متأخرين أنهم وقعوا ضحايا لعمليات نصب واحتيال، حيث استطاع صاحب “شركة الوعد الصادق” في وقت قياسي لا يتعدى سنة الإيقاع بعدد كبير من الضحايا رجالا ونساء، رغم أن هؤلاء النصابين في نظرة القانون هم لصوص، وإن كانوا لم يستعملوا العنف.
والأكثر من ذلك أن صالح وشركاءه لم يتصيّدوا ضحاياهم من الأميين والبسطاء فقط، بل استهدفوا جميع الفئات مهما علا مستواها الثقافي أو الاجتماعي، رغم أن ما تعرّض له الضحايا له أثار اجتماعية ونفسية وخيمة جدا، ولا حصر لها، بدءا من درجة الإحباط والآلام النفسية التي تلحقها عمليات النصب والاحتيال على الأشخاص والأسر الذين وقعوا ضحية لمثل هذه الجرائم، فكم من شخص فقد عقله أو فقد حياته منتحرا بسبب وقوعه ضحية النصب والاحتيال. ولا تقتصر عواقب النصب والاحتيال على الضحايا فقط، بل تتعداها إلى الإضرار بالمجتمع أيضا، حيث أن تجربة “الوعد الصادق” تتسبب في فقدان الثقة بين الناس، وإفساد أساليب التعامل بينهم، وضيعت الكثير من الحقوق، وكانت نتيجة النصب والاحتيال مفسدة ما بعدها مفسدة، مفسدة للأخلاق، ومضيعة للحقوق، ومهينة لكرامة الإنسان واحتقارا لذكائه.
بداية النشاط…الفخ الذي وقع فيه الجميع
قامت خلال سنة 2014 “مؤسسة الوعد الصادق” للمال والأعمال ببدء نشاطها المتعدد والمختلف وبالخصوص في مجال بيع السيارات إلا أنه بعد أن مضت بضعة أشهر عن ممارسة نشاطها شرعت في النصب على عدة أشخاص من مختلف مناطق الوطن ما أدى بالضحايا إلى تقديم شكاوى فردية وجماعية لدى وكيل الجمهورية بمحكمة سور الغزلان ضد مولاي صالح وشركائه وعماله وذلك لقيامهم بالاستيلاء على سياراتهم ومختلف البضائع التي تحصلوا عليها من قبل الضحايا عن طريق الاتفاق المسبق مع البائع على أن يتم تحديد سعر بضاعتهم أو سياراتهم وبعد ذلك يقوم بتسليمها للمشتكي ضده، بالمقابل يمنحون له إشهاد باستلام سيارة يحدّد فيها مبلغ السيارة ونوعها وتاريخ الدفع إلى غير ذلك.
لكن بعد طول مدة الانتظار قام الضحايا بالاتصال بمولاي صالح وشركائه وكانوا يفاجؤون كل مرة بأعذار وهمية والتي يترتب عنها تأجيل موعد استحقاق ديونهم، إلا أن أدركوا في الأخير أن المتهمين قد نصبوا واحتالوا عليهم بل أكثر من ذلك غادروا مقر المؤسسة ولم يكون أحد يعرف مكان تواجدهم، علما أنه تعدّدت أوجه الاستيلاء على أموالهم، فهناك من قام بتزويد “مؤسسة الوعد الصادق” بالمواشي والأغنام والأبقار ومنهم من قام بتزويدها بشتى أنواع مواد البناء وآخرون بمختلف المواد الغذائية والجزء الآخر بالقطع الأرضية، إلا أن مصيرهم كان واحدا، فبمجرد استلام مولاي صالح وشركائه للسلعة يسلمون للضحايا وصل الدفع يدوّنون فيه نوع السلعة المسلمة ومبلغها وتاريخ استحقاق هذا المال إلا أنه، وللأسف الشديد، لا يوجد أي شخص من الضحايا تحصل على أمواله أو استرد بضاعته ما جعلهم يدركون بعد فوات الأوان أنهم وقعوا ضحية نصب واحتيال.
بلحاج سيد احمد من ولاية البليدة من بين ضحايا “شركة الوعد الصادق” المنهارة
يقول هذا الأخير للشروق إنه لم يكن من قبل يعرف صالح مولاي لكنه في أحد الأيام عندما كان بصدد متابعة حصة بإحدى القنوات التلفزيونية الخاصة، حيث تم دعوة صالح مولاي ليتحدث عن سوقه والفوائد التي يتحصل عليها جميع الزبائن الذين يقصدونه والذي تمكن في ظرف وجيز من استقطاب اهتمام عشرات الآلاف من المواطنين والذين أودعوا سياراتهم وممتلكاتهم في شكل ادخارات أملا في الحصول على فائدة مالية معتبرة بعد فترة وجيزة، ما جعله يقرر التوجه إلى سور الغزلان من أجل بيع سياراته الثلاث وذلك يوم 2 فيفري 2014، وسلمه صالح مولاي وصلا لتاريخ إيداع السيارات الثلاث وتاريخ تسليم المستحقات.
وأكد للشروق أنه صادف بعين المكان شقيق صالح مولاي المدعو شيخ علي وهو إمام بسور الغزلان والذي طمأنه على أنه سيتحصل على أمواله بعد 45 يوما، قبل أن تتبخر أحلامه عقب غلق السوق وفرار مولاي صالح، مؤكدا أن معاملات السوق مع الضحايا لم تكن محل توثيق ضمن عقود عرفية أو رسمية بل يحوزون فقط على وصل بسيط بإيداع مركباتهم وتاريخ استلامهم للأموال فقط، لكن بعد مرور أكثر من 6 أشهر لم يتحصل على أمواله وأكثر من ذلك أنه كلما عاد إلى سوق الوعد الصادق يخبره الحراس أن صالح مولاي لن يعود يشتغل، وأضاف متحدثنا أنه التقى مرة واحدة بصالح مولاي بسوق الوعد الصادق لما قام بنقل سياراته، وأنه كلما عاد إلى عين المكان يلتقى بشريك مولاي المتهم عمارة عزالدين والشيخ علي أخ صالح مولاي، وأضاف السيد بلحاج أن ديونه لدى صالح مولاي تقدر بـ 490 مليون، وقد قرر كغيره من الضحايا تقديم شكوى لدى وكيل الجمهورية بمحكمة سور الغزلان ضد “شركة الوعد الصادق للمال والاعمال“.
وأضاف أن عملية النصب والاحتيال التي حدثت له سببت له أزمة نفسية حادة جعلته لا ينام ليلا ونهارا، واضطر به الأمر إلى زيارة طبيب نفساني، مضيفا أنه اليوم بقي دون عمل بعد أن فقد مصدر رزقه، ويطالب هذا الأخير من العدالة بضرورة تسليط أقصى عقوبة في حق صالح مولاي والذي تسبب في تشرد الكثير من المواطنين.
370 ضحية ببرج اخريص قدموا شكاوى ضد صالح مولاي مباشرة بعد أن تم توقيفه
أكد متحدث باسم ضحايا شركة الوعد الصادق للمال والأعمال بدائرة برج اخريص بولاية البويرة للشروق، أنه تم إحصاء 370 ضحية لمولاي صالح وشركائه بالمنطقة، مضيفا أن الضحايا قرروا تقديم شكاوى لدى وكيل الجمهورية بمحكمة سور الغزلان مباشرة بعد أن قامت مصالح الدرك الوطنى بإلقاء القبض على صالح مولاي بضواحي العاصمة، مضيفا أن الضحايا سلموا لـ“شركة الوعد الصادق” سيارات، وهناك 40 ضحية كلهم فلاحون ينتمون إلى قرى برج اخريص خاصة قرى روابع، مغنين، الكحل، وقرية بشاط سلموا لصالح مولاي أغناما وأبقارا وجرارات وآلات حصاد، فيما توجد فئة ثالثة من المنطقة سلمت له قطع أرضية، وهي اليوم تحت الصدمة بعد أن فقد أفرادها كل ما لديهم وينتظرون موعد محاكمة صالح مولاي حتى يسترجعون ممتلكاتهم.
عشرات الضحايا قدموا شكاوى ضد الموثقة التي زوّرت العقود
توصلت مؤخرا التحقيقات الأمنية والقضائية إلى فك لغز “شركة الوعد الصادق للمال والأعمال” والتي قامت بالنصب والاحتيال على الآلاف من المواطنين وهذا بتوقيف متهمين آخرين تعاملوا مع صالح مولاي وشركائه وتمكنوا من الإيقاع بالضحايا وتجريدهم من ممتلكاتهم خاصة من أراضيهم عن طريق التزوير.
ومن بين هؤلاء الموثقة التي تشتغل منذ عدة سنوات بسور الغزلان والتي تبين من خلال التحقيقات أنها تواطأت مع “الوعد الصادق” وهذا عن طريق تزوير عقود توثيقية لفائدة الشركة المنهارة، ما جعل عشرات الضحايا الذين تفاجؤوا من ضياع أراضيهم إلى تقديم شكاوى ضد الموثقة الموقوفة ومن بينهم السيد “محمد سدي ” تاجر في قطع الغيار بدار البيضاء وهو أحد ضحايا صالح مولاي والذي أكد للشروق أنه قدم مؤخرا شكوى ضد صالح مولاي وشركائه بعد أن تعرض لعملية النصب والاحتيال كونه قام بجلب سبع سياراته إلى سوق “الوعد الصادق” من أجل بيعها بالإضافة إلى كمية هامة من السلع لكنه الى غاية اليوم لم يتحصل على مستحقاته التي تقدر بـ 4 ملايير.
ومن جهة أخرى أكد هذا الأخير للشروق أنه قدم شكوى لدى وكيل الجمهورية بمحكمة سور الغزلان ضد الموثقة “ب، نادية “حيث قام ببيع قطعة أرضية بسور الغزلان مساحتها 4 هكتارات وقامت الموثقة بإمضاء العقد التوثيقي دون حضوره لصالح “شركة الوعد الصادق“، ليتم بيع القطعة الأرضية بالوثيقة المزوّرة لفائدة ثلاثة أشخاص.
شركاء صالح مولاي متهمون في ثوب ضحايا
من بين شركاء صالح مولاي في شركة الوعد الصادق، المتهمون “م. مصطفى” وهو من مواليد 1982 أستاذ بسور الغزلان، “ب. الهادي “موظف، “ب. طارق” و“ش. بوعلام” المدعو “طارق” تاجر، ومتهمون آخرون، والأمر الغريب في قضية هؤلاء أنهم بعد مثولهم أمام قاضي محكمة الجنح بسور الغزلان بتاريخ 26 جويلية الفارط أنكرو جميعا التهم المنسوبة إليهم مؤكدين أنهم هم أيضا وقعوا ضحايا للنصب والاحتيال من طرف صالح مولاي وديونهم مع الشركة تتعدى الملايير، ومن بينهم المتهم “ع.عزدين“ والذي فند بشدة التهم المنسوبة إليه وصرح أنه شريك في شركة الوعد الصادق للمال والأعمال المسيرة من قبل مولاي صالح ويملك فيها 20 ٪ من الحصص فقط، مضيفا أنه لا يتعامل إطلاقا في موضوع شراء السيارات من قبل المواطنين ولا علاقة له بالبيع.
وقال للقاضي أنه هو الآخر قام بدفع عدة سيارات لهذه المؤسسة المسيرة من طرف صالح مولاي ولم يتقاض جميع مستحقاته وهذا هو ثابت من الاعتراف بالدين وأنكر من جهة أخرى المتهم إقدامه رفقة المتهمين الآخرين على النصب والاحتيال على الضحايا. أما المتهم “ز، فريد” وهو أيضا شريك مولاي صالح أنكر هو الآخر التهم المنسوبة إليه، مؤكدا لقاضي محكمة سور الغزلان، أنه يملك فقط حصصا في “شركة الوعد الصادق للمال والأعمال” والمقدرة بـ 20 ٪.
أما بخصوص الشكاوى العديدة التي تقدم بها الضحايا لكونهم قاموا باستلام سياراتهم مقابل وصولات استلام ولم يدفعوا لهم مبالغهم المالية، أكد المتهم أنه لا يحق له أن يقوم بعملية بيع وشراء السيارات من قبل الزبائن بل عمله ينحصر في الدراسات التقنية للمشاريع المعمارية. أما المتهم “ب. طارق” أنكر هو الآخر التهم المنسوبة إليه وأكد دفاعه الأستاذ براهيمي خلال مرافعته بعد أن ذكر بالوقائع بكون “شركة الوعد الصادق للمال والأعمال” أوهمت الضحايا بوجود فوائد مالية.
أما دفاع المتهم “ب. الهادي” أكد أن “شركة الوعد الصادق للمال والأعمال” توجد فيها حظيرة بيع السيارات وكانت تسير بشكل عادي لكن وسائل الإعلام سلطت الضوء على الشركة فاستفادت من إشهار مجاني فتوسع نشاطها ووقعت الفوضى، وأضاف الدفاع أن المتهم “ب.الهادي” التحق بالشركة بعد أن بلغت ذروة شهرتها والمتهم لم يحتك بالزبائن، مضيفا أن المتهم الرئيسي مولاي صالح استحدث نظاما سماه المورد فوق المليار سنتيم وهنا بدأ الضحايا يأخذون أموال ذويهم ويدفعونها للشركة.