الرأي

قصة الخوف

التهامي مجوري
  • 3446
  • 0

حضرت جلسة تقييمية لمجموعة تنشط في الشأن العام، وكان من الآراء التي طرحت في هذه الجلسة التقييمية، قول أحدهم إننا بلغنا مستوى لا بأس به بحيث أصبحت السلطة تخافنا!! فخرجت من هذا اللقاء بتساؤل وحيرة: هل الخوف يصلح مقياسا في تقييم النشاط الإنساني؟ وهل خوف السلطة من ناشط في المجتمع المدني يعبر عن تفوق خصمها ونجاحه؟ وإذا كان ذلك فلماذا؟ ألأن السلطة ضعيفة؟ أم أن خصمها هذا هو القوي؟ بل تساءلت بيني وبين نفسي دائما، هل يصلح في التقييم لأي أداء، التعبير بالخوف وعدمه للكشف عن النجاح والإخفاق أصلا؟

في تقديري، التعبير بالخوف في أصله، يعبر عن حالة نفسية أقل ما يقال فيها، أنها تشربت ممارسة النشاط بعقلية الصراع، والغالب والمغلوب، والساحق والمسحوق؛ لأن القوة في مثل هذه الحالة ليست إلا القوة المادية، وليس بعقلية المصلح الباحث عن الحقيقة التي اقتنع بها ويريد إقناع غيره بها، والفكرة الجادة والقوية، حيث لا يوجد غالب ومغلوب، وإنما يوجد فاضل ومفضول، وفضل وأفضل، وحسن واحسن…إلخ؛ لأن النشاط الإنساني ليس علوما فيزيائية؛ لأن مبناه على غلبة الظن المطلقة من استقراء تجارب الإنسان عبر التاريخ.
 ولذا أردت في هذه الوقفة أن أفكك قصة الخوف كما أتصورها في حياتنا النضالية في أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية.
الخوف فطرة في الإنسان، وحالة نفسية ينبني عليها الكثير من فضائل الإنسان ورذائله، فالمرء يخاف من أعدائه فيخبئ عليهم خططه ومشاريعه لينتصر في معاركه معهم وليتفوق بإنجازاته عليهم، ومن ثم فالخوف جزء من حياة الإنسان يحتاج إلى قدر منه بحسب الحاجة المراد تحقيقها، والجهة المرهبة والمرغبة، وفي ذلك قال جمال الدين الأفغاني رحمه الله إن “الخوف فكرة ابحث لها عن فكرة أقوى منها”، وذلك عندما رأى على ملامح وجه خادمه ملامح الخوف، ولكن الناس لا  ينظرون للخوف بهذا المنظار، وإنما يرون فيه أنه حالة تستبد بالإنسان بحيث تكبله بكل مظاهر الاستسلام والخنوع والخور استجابة للخوف، ولذلك فإن الشائع بين الناس هو أن الخوف مستهجن ومذموم، وعدم الخوف ممدوح بإطلاق، في حين أن ما بين الخوف والحكمة والجبن خيط رقيق جدا، وكذلك ما بين عدم الخوف والشجاعة والتهور.
على أن الخوف في ممارسته ينتج لنا منتجات إيجابية جدا، كحماية المشاريع الناجحة، والحكمة في الرأي واتخاذ المواقف الصائبة مناصرة القضايا العادلة، كما يمكن أن ينتج لنا منتجات سيئة جدا، كالجبن والتردد والتسيب والخيانة والتراجع…إلخ، فالخوف إذا سلاح ذو حدين رغم أن الشائع بيننا أنه مستهجن كما أسلفت، ولتوضيح قصة الخوف هذه حسب وجوه ممارسته ومستوياته وأنواعه، يمكن حصرها في أربعة منها على الأقل.
– الخوف الوهم
– خوف الاستبداد والمستبدين
-الخوف الوقائي
-خوف الله
فالخوف الوهم هو أسوأ أنواع الخوف وأخطرها؛ لأنه خوف مبني على وهم وتقديرات خاطئة للواقع في جميع المجالات، وليس على الحقائق المبنية على العلم، حيث يتصور الخائف أمورا ما… ويبني عليها خوفه، فيعتقد مثلا أن السلطة لها القدرة على الإضرار به بإطلاق، أو أن الشيخ الفلاني يستطيع أن يضره بمجرد مكانته بين الناس…، أو أن الجريدة الفلانية يمكنها أن تشوه سمعته بادعاءات كاذبة مثلا…، فيبني على تلك المخاوف أوهاما لا علاقة لها بالواقع، فيسارع بإرضاء هذه الجهة واستعطاف تلك، والتودد لهذا والتقرب من ذاك، وفي كل ذلك يسير بعيدا عن التقدير الصحيح لما يمكن أن يستطيع فعل هذا الطرف أو ذلك، وربما بلغ مستوى الوسواس.
ورغم أن الضرر لا يمكن أن يأتي لأحد من الناس إلا بقدر ما تسمح به ذات الفرد، فإن الخوف الوهم يُشْعر صاحبه بأن ما هو عليه من خوف، أمر مشروع ومقبول؛ بل لا بد منه، في حين أن حقيقة هذا الخوف هو حالة نفسية ترتقي إلى مستوى الخوف بعد أن تُصْنع مبرراته الواهمة أو الموهومة.
أما المستوى الثاني الذي هو أقل خطورة؛ لأن له مبررات موضوعية، تفرضها طبيعة الاستبداد، من القدرة على الإيذاء، وهو خوف الاستبداد والمستبدين، وهو خوف من نخب السلطة والثقافة والإعلام والدين، فهو خوف مستنده الشعور بقدرة هذه النخب على الإيذاء، والشعور بالضعف والهوان أمام هذه القوى المتعجرفة، وليس خوفا مستندا إلى شرعية الحق وما يصدر عن هذه الطائفة من الناس، بحكم مواقعهم التي تفرض التقدير والإحترام والطاعة بطبيعة المواقع كنخب تمثل زبدة المجتمع وصفوته.
فموقع رجل السلطة يفرض مستوى من التقدير والإحترام والطاعة؛ لأنه -أو هكذا يفترض-  الحارس الأمين للمجتمع ومؤسساتها، ولكنه عندما يستبد وينحرف عن مساره الصحيح، فإنه لا يستطيع الاستمرار في مساره الاستبدادي إلا بفرض الخوف على من دونه من الناس، فتستمر العلاقة بين خائف ومخيف، وليس بين محكوم وحاكم، أو بين صاحب حق ومسؤول، أو مخدوم وخادم، وقل مثل ذلك في رجال الثقافة والإعلام والدين، ولكن الفارق بينهم هو أن السياسي المستبد يفرض خوفا يمنع الناس من معارضة مزعجة مثلا، بينما رجل الثقافة والإعلام يلعب على أوتار التشويه، بحيث يجعل من الناس يخافون من الفكرة التي يذيعها المثقف والخبر الذي يشيعه رجل الإعلام….؛ لأن عملية التشويه أوقع في النفس من أي أذى آخر، حيث يعدم الخائف معنويا، أما رجل الدين فتخويفه يؤدي إلى صناعة التقليد والأتباع، إلى أن يصبح الفرد كالميت بين يدي الغسال، كما يقال.
صحيح أن النخب في المجتمعات في الأصل هي المرجع في جميع المجالات، ولكن عندما تتبنى الاستبداد كنهج في الحياة، فإن ثمار مفعولها يكون عكسيا، وهذا هو الواقع في عالمنا العربي والإسلامي بكل أسف، فقد أصدر الكاتب العراقي “كنعان مكي” سنة 1989 كتابا بعنوان “جمهورية الخوف”، يصف فيه طبيعة نظام الحكم في العراق في عهد صدام حسين، وكيشرح فيه كيف فرض هذا النظام مبدأ والتخويف الخوف كوسيلة رئيسة في طبيعة نظام الحكم، الذي أنتج بعد ذلك شعبا لا يأسف على زوال نظام الحكم فيه، وكذلك هو الواقع في باقي دول العالم العربي والإسلامي، بجمهورياته وملكياته، بدرجات متفاوتة بعض الشيء. 
والجانب الوظيفي في هذا النوع من الخوف أنه ينتج بشرا تموت فيهم روح المبادرة والإبداع والعطاء، ويوظف ما بقي فيهم من فطرة في فرض الصراعات الهامشية على أنها هي العطاء والإبداع والإضافة.
أما الخوف الوقائي، فهو خوف طبيعي تفرضه طبائع البشر، وتفرزه سنن التدافع وتقره غرائزهم المتباينة، فالعداوات بين الناس والتحاسد في ما يحدثون من إنجازات، والتسابق على الفضائل ومواقع التفوق والصدارة، كل ذلك يفرض هذا المستوى أو هذا النوع من الخوف الذي سميناه الخوف الوقائي، وهو خوف يستمد قوته من شرعية الاستعانة به ليقي المرء تفوقه وإضافاته في الحياة، في واقع تحكمه قوانين التدافع والتسابق وطلب المعالي.
أما النوع الرابع والأخير فهو الخوف من الله، وهو اجتهاد في الابتعاد عن كل ما يغضب الله، وهذا النوع من الخوف هو أعلى درجات الخوف وأرقاها على الإطلاق؛ لأن الخوف من الله يسقط من حساباته جميع معاني الترهيب والترغيب التي يستعملها الناس فيما بينهم، وتذوب أمامه جميع القوى المادية المحيطة بالإنسان، ومن ثم يموت فيه روح الطمع وطلب الارتقاء في غير رحاب الله، فلا يشعر برهبة من غير الله سبحانه، ولا برغبة في شيء خارج هذه الدائرة.
لا شك أن في النشاط الإنساني توجد جماعات بشرية من المناضلين الذي يحملون بمشاريعهم مثلا عليا تستعلي عن الخوف في برامجها النضالية وفاء لقيمهم وانتصارا لمبادئهم، ولكنها لا تستطيع أن تلغيه من برامجها نهائيا باعتباره جزء من الإنسان وتفاعله مع حركة الوجود، وغنما تكيفه أو تتكيف معه وفق هذه المجالات الأربعة السالف ذكرها. 

مقالات ذات صلة