الرأي

قصة “الفنان الجزائري العالمي” عبد القادر فرَاح الذي مات ودفن غريبا بإنجلترا

عمر أزراج
  • 5873
  • 11

في خضم متابعة كل ما يتعلق بالجزائر وتوسيع علاقاتي بالجزائريين المهاجرين بداخل الفضاء البريطاني، قد حدث أن قرأت يوما في جريدة “الغارديان” المعروفة عالميا خبرا فنيا مطولا عن نشاط فرقة شكسبير المسرحية، وفي هذا الخبر ذكر محرره مصمما مسرحيا ورساما وكاتبا قال عنه بأنه “فنان عالمي” وأن اسمه هو عبد القادر فرَاح مع توضيح جنسيته الأصلية وهي الجنسية الجزائرية.

في ذلك الخبر ذكر هذا الصحافي البريطاني أيضا أن عبد القادر فرَاح حصد الكثير من الجوائز العالمية تثمينا لموهبته الفنية الكبيرة ولإنجازاته العابرة للقارات في مجال التصميم المسرحي منها: جائزة لأفضل عروض السنة على مسرحية دائرة الطباشير القوقازية في عام1958م، جائزة التحالف الفرنسي اقترحها أندريه مالرو ورفضها الفنان عبد القادر فراح احتجاجا على احتلال فرنسا للجزائر في عام 1960م، جائزة مدرسة المسارح الوطنية بكندا في عام 1968 م، حيث شغل فرَاح منصب مدير الدراسات للتصاميم والأزياء المسرحية، جائزة النقد اللندنية السنوية لأفضل تصميم مسرحي لعام 1971م، جائزة أفضل عرض مسرحي سنوي بباريس لمسرحية ريتشارد الثالث لفرقة شكسبير الملكية في 1972، جائزة من قبل مديري المسارح اللندنية لمسرحيتي هنري الخامس وهنري السادس في عام 1976م، جائزة النقد النمساوية قدمها مسرح بورج النمساوي بفيينا لمسرحية ترولوس وكرسيدا لشكسبير في 1978م، وجائزة منظمة مديري المسارح اللندنية لمسرحية الدمية الكوميدية الموسيقية لفرقة شكسبير الملكية في عام 1982.

بعد انتهائي من قراءة هذا الخبر المكتنز شعرت بالفخر وبالكبرياء يلبسانني وألبسهما من أعلى شعرة في رأسي إلى أسفل ذرة من تراب الأرض التي كنت أقف عليها. في اليوم التالي أخبرت رئيس تحرير مجلة “الدستور” بما نشرته الغارديان ولاحظ علامات السعادة ترقص على وجهي فاقترح عليَ فورا أن أبحث عن هذا الفنان الجزائري المهاجر لإجراء مقابلة معه حول حياته وفنه كمصمم مسرحي عالمي.

 جلست إلى مكتبي واتصلت بمقسم المجلة وطلبت من السيدة جين”، الأمريكية الجنسية التي كانت تدير شؤون الاستعلامات والاتصالات في مؤسسة “الدستور” التي أعمل بها، أن تتصل لي بمركز “الباربيكان” الثقافي والمسرحي اللندني لتسأل لي عن الفنان عبد القادر فراح أو عن رقم هاتفه، وبعد دقائق معدودة حولت السيد “جين” المكالمة إليَ فإذا بالفنان فراح نفسه يتحدث إليَ. شعرت بطيور السعادة ترشني بهديلها الجميل، ولا أبالغ إذا قلت بأن صوته قد أعاد إليَ أسراب جبال بلادي لتمدَ بأذرع عنفوانها إلى راحتي. تحدثت إلى فراح والغبطة تلفني، ومن جهته رحب بي بلغته العربية التي هي مزيج من العربية الدارجة الجزائرية، والعربية الفصحى المتعثرة جراء عدم تكلمه بها في حياته اليومية بشكل دائم لسنين كثيرة، كما عرفت منه فيما بعد.

ومن دون إطالة حدد لي فراح موعدا في الأسبوع التالي وبعد انقضاء المدة التقيت به مساء أمام محطة الميترو القريبة من مسرح “الباربيكان”. عندما وصلت إلى هذا المكان الذي حدده لي وجدته منتظرا، وبدا لي رجلا في الستين من عمره، أبيض الشعر، لكن عينيه الزرقاوين تنمَان عن شباب وفتوة وذكاء يلمع بريقه مثل الحباحب في الليل الذي حدثنا عنه الشاعر امرئ القيس. استقبلني فرَاح بحفاوة وهدوء، وفي تلك اللحظات الإنسانية الدافئة غمرني الحنين إلى الوطن وأسرتني أسراب ذكريات بعيدة جدا تخيلتها تتحرك وتنحني في الآفاق مثل قامات السنابل. هكذا رحت أستعيد في التوهم وجوه الأصدقاء البعيدين، ولون الروابي، وطعم هواء القرى التي ركضت في دروبها ولعبت على عشبها الندي.

لم يوقظني من هذه التداعيات إلا صوت “عبد القادر فراح” وهو يقدم لي أفكارا عن بعض أعماله ونحن في قاعة العرض المسرحي بمسرح الباربيكان. بينما كان فرَاح يشرح لي مساره الفني رأيت عددا من الممثلين البريطانيين العاملين معه في هذا المسرح، والمشهورين في العالم يحيَونه من بعيد بلطف وبكيفية تجعل الزائر يدرك علوَ المكانة المرموقة التي يحتلها هذا الفنان الجزائري بينهم. بعد التعارف ركبنا المترو باتجاه منزله الواقع بمنطقة “إزلينغتن” العريقة التي عرفت منه أنها منطقة الطبقة الوسطى التي تسبح في بحيرات بحبوحة العيش وأنها مأوى الفنانين والأدباء المنتمين من حيث الأصول العرقية والإثنية للجنسيات والثقافات المختلفة والمتنوعة، ولقد شاءت صدف الحياة أن أصبح بعد مدة من الزمن من سكان هذه المنطقة المترفة أيضا. في شقته المتكوَنة من الطابق الأسفل والطابق الثاني جلسنا كما يجلس أولئك الذين يحاولون اكتشاف بعضهم بعضا لأول مرَة.

راحت عيناي تطوفان حول جدران شقته وأرضيتها الفسيحة فرأيت عددا كبيرا من المجلات القديمة والجديدة، وكتب الآداب، والفكر، والمعمار، وصور عظماء المسرح العالمي، واللوحات الفنية منها المعلقة بالخيوط، ومنها المثبتة بداخل الأطر، وهي جميعا تشع بأضواء حكايات العالم الغربي، وبعبق الجزائر والشرق العربي _ الاسلامي، وتعكس في آن واحد تقاطع الثقافات والحضارات الانسانية، ورأيت أيضا الأقنعة الإفريقية ذات الأحجام المختلفة التي تروي قصة حضارة بريئة كبرى كانت ولا تزال تمنح الدفء الثقافي والتاريخي والجمال والدهشة للعالم. وهكذا كسحتني الدهشة الشيء الذي دفعني إلى تخيَل نفسي وكأنني لم أكن موجودا في جزيرة بلاد الانجلو- سكسون وإنما في داخل رحم ثقافة أنتمي إليها تاريخيا وروحيا وأرى من خلالها العالم بعيون مختلفة.

في هذا المناخ أدركت أن الفنان عبد القادر فرَاح ليس رساما ومصمم ديكور وأزياء لمسرح شكسبير الملكي فقط، ولكي أفتح هذا الصندوق الثري طلبت منه أن يشرع لي أبواب ذاكرته ويحدثني عن كل ماله صلة به. قال لي فرَاح بأنه كاتب مقالات ومسرحيات، وأنه نشر إنتاجه الأدبي على صفحات المجلة الفرنسية الفكرية الشهيرة “ليسبري” التي كان يكتب فيها كبار كتاب ومفكري فرنسا حيث أن من يعود إلى أعداد هذا المنبر الفكري سيجد كتاباته منشورة إلى جانب كتابات مشاهير كبار كتَاب الغرب والقارات الأخرى من بينهم كتاب شمال إفريقيا مثل كاتب ياسين الذي نشر على صفحاتها النص الأوَلي المبكر لروايته العمدة “نجمة”، بهذا الصدد ذكر لي الفنان فرَاح أنه نشر في العدد نفسه الذي نشرت فيه رواية “نجمة” مسرحية من تأليفه هو. إضافة إلى ما تقدم فقد أعلمني أنه أنجز أكثر من ثلاثمائة عمل فني متميز في حقل تصميم ديكور المسرحيات، والأوبراتات، وأغلفة الكتب، والأسطوانات الموسيقية كما عرضت لوحاته وتصاميمه في معارض فنية دولية بموسكو، ولينينغراد سابقا، وتونس، ولندن، والنمسا، وكوريا الجنوبية، وأستراليا وغيرها من عواصم الثقافة الغربية. ذكر لي فرَاح أن متحف “فكتوريا و ألبيرت” البريطاني المعروف عالميا قد اشترى منه تصاميم، ولوحات، وأقنعة أصبحت جزءا من معروضاته التي يتمتع بها عشاق الفن الآتين من كل فجَ عميق إلى يومنا هذا.

وهو يتحدث إليَ رحت أتساءل مع نفسي في منولوج طويل ومجروح من الوريد إلى الوريد: “لماذا لا نعرف شيئا عنه في الجزائر؟”، و”لماذا لم يلتفت أحد من وزراء الثقافة الجزائريين الذين حملوا حقيبة الشأن الثقافي، ومسؤولي المسرح الجزائري إلى هذه الكفاءة العالمية التي يمثلها هذا الجزائري المثقف ثقافة رائعة وعميقة؟ لماذا لم يخبرنا إعلامنا الجزائري بالجوائز العالمية التي حصدها عن جدارة واستحقاق في عقر فضاء الغرب الذي يصعب أن يعترف بمواهب أبناء العالم الثالث إلا نادرا؟ لماذا لم يسطع اسمه في العالم العربي؟ لقد دار بذهني أيضا سيل من التساؤلات الكثيرة الأخرى منها: ما سر تقدير النقد الغربي لتجربة فراح الفنية؟ ولماذا لم تعط له المكانة اللائقة في بلاده الجزائر التي تحتاج فعلا إلى موهبة عالمية مقتدرة مثل موهبته “لتلعب دورها في تحقيق الاشعاع الثقافي والفني فيها؟ ما هي المؤثرات التي شكلت معمار موهبته الفنية؟ كيف يعيش هذا الرجل؟ ماذا يقرأ؟ كيف يفكر؟ ما هو السرَ وراء استقطابه من طرف مسرح شكسبير الملكي الذي يعد أحد أرقى وأكبر المسارح العالمية وماذا قدم له؟ ماذا أخذ من تعليمه النظري وفنه الفنانون المسرحيون الغربيون وفي مقدمتهم المسرحي الشهير في المعمورة وهو بيتر بروك الذي اعترف بفضل عبد القادر فرَاح أمام الرأي العام المسرحي في الغرب؟

استرحنا قليلا ثم أخرجت المسجلة وفتحت رحمها ثانية وقلت للفنان والمثقف العالمي اللامع عبد القادر فرَاح بأن الوقت قد حان لكي يواصل البوح لي وللقرَاء الذين سيقرأون كل تفاصيل حياته وفنه وفكره فاستدار إليَ بهدوئه المترع بالتواضع، ثمَ فتح لي شرفات قلبه وقال: “لقد ظلمني نسيان بلادي لي، وعانيت من مرارة “الحڤرة” على يدي مدير المسرح الجزائري “مصطفى كاتب”، ومن سحابات الوعود البراقة التي وعدني بها وزير الثقافة الجزائري “بوعلام بالسائح” ولم تمطر أبدا، أما عرب المشرق فقد تجاهلوني، أما جيراننا المغاربة فقد خدعوني. إنها قصة طويلة سأحكي لك تفاصيلها كلها لكي تعرف أنت وجيلك والجيل الجديد، ولكي يعرف القراء في بلادي الجزائر ما حدث لي وما حدث لغيري من المواهب والكفاءات التي لم تجد مكانا لها فيها واعترافا بها”.

عند هذا الحد اقترح عليَ فرَاح أن نواصل حديثنا في جلسة أخرى فوافقت على مقترحه، وعندما خرجت من شقته أصر بكثير من اللطف أن يرافقني إلى محطة الميترو وحين اقتربنا منها وضع يده على جبهته وفجأة رأيت دمعات تنزل من عينيه ولم أتمالك نفسي حتى رأيتني استسلم بدوري لعواصف الألم. قلت له وأنا أودعه: سأروي قصتك للناس ثمَ انسحبت متثاقلا ودلفت إلى نفق الميترو فركبت القطار الذي امتصني دوي هدير عجلاته الفولاذية الصاخبة التي تحرَك أثقاله العجيبة، وأدركت أنه سائر حتما باتجاه لن يؤدي أبدا إلى الوطن الذي ولدنا فيه، ولم نعد نراه إلا في أحزاننا.               

مقالات ذات صلة