-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قصر “لالة فاطمة الأخضر” بالطارف لم يعد وسط الغابة الخضراء

س. ك
  • 1881
  • 0
قصر “لالة فاطمة الأخضر” بالطارف لم يعد وسط الغابة الخضراء

كان المعلم التاريخي والأثري والأشهر على الإطلاق، قصر لالة فاطمة ببلدية العيون الحدودية بولاية الطارف، يوجد في مكان جميل جدا وساحر للغاية، بعيد عن الضوضاء وصخب المدينة والنفايات والأوساخ، كيف لا، وهو القصر الأثري الذي يتوسط بطوله وعرضه وعلى طول السنة غابات شديدة الخضرة وكثيفة، من أشجار طويلة باسقة تعانق السماء، تغطي القصر، وما تبعه، بكل كبرياء وشموخ وتنحني له وكأنها تقول لكل زائر: “أنا التي تحميه وتزيّنه ولا أقبل إلا بالأصدقاء الأوفياء وبعشاق الجمال والطبيعة”، وحقا زواره الأوفياء وسياحه قليلون وهم من محبي الطبيعة والتاريخ ومن أصحاب الذوق الرفيع والجمال، هذا القصر الذي يحكي عن قصة زمان ومكان يأبى الاندثار ويحكي قصص الأساطير الجميلة التي لخصت وحملت عنوان أسطورة ملكة جمال الطارف، للأسف امتدت له نيران أوت الماضي، ذات أربعاء أسود، والتهمت كل الغابة التي كانت عبارة عن أدغال تضم نباتات وحيوانات وطيورا نادرة، فكشفت النيران أسرار وعرّت القصر المتخفي، الذي كان ينام بين أحضانها وأشجارها وجعلت المكان حزين جدا، سيده اللون الأسود في كل مكان، في مشهد يصعب النظر إليه ولو خلسة، خاصة للذين عرفوه وكانوا يسمّونه قصر الجنة، بسبب الخضرة التي تزينه طوال السنة.

تزخر ولاية الطارف، بمئات المعالم والآثار التاريخية، التي تفوق 300 موقع المصنف منها وغير المصنف، كلها تحكي وتؤرخ لتعاقب حضارات كثيرة منها الفنيقية والبزينطية والوندالية والإسلامية وغيرها، ومن بين هذه المعالم والأشهر على الإطلاق عندما يذكر اسم ولاية الطارف، هو قصر لالة فاطمة، القصر الممزوج قصته بأساطير وبحكايات شعبية، راسخة والشاهد هو الآخر على مرجع حقيقي لماضي عريق للولاية الحدودية، أمس واليوم وغدا، يتذكره التاريخ والإنسان دائما ويتذكر صورة السواد التي لم تفارقه منذ أشهر بسبب النيران المدمرة التي محت جماله نهائيا، على أمل أن تعود الخضرة والجمال وتجدد الطبيعة نفسها بنفسها مستقبلا.

القصر.. قصة امرأة فاتنة اشترطت المياه مهرا لها

الحديث عن الدمار، الذي خلفته النيران حول غابات القصر، التي يتخفى بين أحضانها لا يمنعها من الحديث عن القصر وحكايته فقصر لالة فاطمة الساحر الكائن بمنطقة واد الجنان بالعيون الحدودية بالطارف لا يزال صامدا رغم السواد الذي يحيط به، يخفي بين آثاره قصة امرأة فاتنة الجمال تتداولها الأجيال على مر الزمان، فضلت الماء مهرا لها بدل الجاه والأموال لإنقاذ قريتها وقصرها من شبح الجفاف المهدد للمنطقة، فقصرها الذي يقع بين أحضان الطبيعة وفي عمق الغابة شامخا، متخفيا بالأشجار محاولا الصمود رغم النيران التي حاصرته ذات صيف، مثلما صمد لقرون منذ الرومان ومرورا بالحقبة العثمانية التي عاشت فيها تلك السيدة ذات الجمال الرباني الخارق والخرافي والجاه التي أطلق اسمها على المكان ثم الحقبة الاستعمارية، فالاستقلال دون أن يفقد مكانته التاريخية والأثرية المهمة ويبدو من خلال هذه الآثار المتبقية أن القصر كان يقع بقلعة شاسعة تزيد مساحتها عن ثلاثة هكتارات حدائق غنّاء، لا يختلف نمطها المعماري عن النمط الروماني، لاسيّما من خلال ما تبقى من أحواض الماء ومعاصر الزيتون وإن لم يبق الكثير من الأثر العثماني بالمكان غير أن المتداول بالمنطقة، يرجح أن تكون مالكة القصر قد عاشت في الفترة العثمانية، وعرف عنها كما سبق ذكره أنها ذات جمال ومال وفطنة وسلطة أيضا لأنها لم تغتر بجمالها بل تمسكت بقرار البقاء بمنطقة واد الجنان وإنقاذه من أزمة الجفاف التي ضربت المنطقة آنذاك وقد ساعدها جمالها في تحقيق غايتها، حيث اشترطت الماء مهرا لها فراح الراغبون في الزواج منها يتنافسون في تقديم المقترحات إلى أن نجح أحدهم في تحقيق شرطها والذي استوحاه من الهندسة الرومانية من خلال إيصال الماء إلى القصر من مختلف المنابع المائية المتوفرة، فسقت منه بساتينها وخاصة الزهور المختلفة الألوان والأنواع ففاز بقلب “لالة فاطمة “، كما أخبرنا بذلك السيد نسيم عيساني وهو مهتم بالتاريخ وآثار الطارف.

والحكاية عند البعض تقول إن الخطيب قد توفي قبل الزواج من لالة فاطمة)، وبذلك حافظت على قصرها والمزارع ومعاصر الزيتون التي تزخر بها منطقة وادي جنان الغنية أيضا بأشجار البلوط والفلين وأشجار ونباتات نادرة وغير موجودة في شمال القارة الإفريقية ويتميز قصر لالة فاطمة المتكوّن من طابقين بسور يصل ارتفاعه إلى نحو 8 أمتار وبعديد القطع الأثرية المثيرة للاهتمام من بينها معاصر الزيتون ومطاحن للحبوب وعجلات الرحي والنصب المنحوتة، حيث يعد هذا المعلم الذي خضع لعديد الحفريات والمصنف كتراث وطني من أهم المواقع الأثرية بالطارف، لما يحتويه من آثار مميّزة وقطع رخام وفسيفساء من الزليج وحمامات مزوّدة بنظام الفرن الأرضي وغيرها من الكنوز الأثرية القادرة على استقطاب السياح من الجزائريين ومن الأجانب، خاصة وأنه كان يقع في منطقة غابية ذات مناظر طبيعية خلابة آسرة للقلوب والعقول سيتذكره التاريخ إلى آخر الزمان ويبقى كنزا من كنوز الجزائر التي لم تبح بعد بكل أسرارها ومكنوناتها خاصة وأنه توجد آثار لا تزال تحت التراب والأرض وفي البحر وعلى المختصين وعلماء الآثار اكتشافها، وعندما يزور السياح والزوار القصر سيعودون إلى منازلهم بالكثير من الأسئلة.

وأهمها لماذا تفرط الطارف والجزائر عموما في هذه الكنوز ولماذا لا يستعيد قصر لالة فاطمة أمجاده وأيامه الغابرة ويتحوّل إلى جنة تجلب السياح وطول السنة؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!