الجزائر
إلهام مزيود لجواهر الشروق:

قصص “عرائس المريونيت” مرآة لكلّ من قرأها

أماني أريس
  • 4164
  • 5
ح.م

هي نجمة صاعدة في سماء الأدب الجزائري، استطاعت من خلال مجموعتها القصصية “عرائس الماريونيت” أن تفرض نفسها ككاتبة واعدة، لفتت أنظار القراء والنقاد والمهتمين بالإبداعات الشبابية، حيث غاصت من خلالها إلى عمق مجتمعنا المعاصر، وسبرت أغوار النفس البشرية بمختلف نزعاتها لتضعنا أمام وقائع حبلى بمتناقضاتها، إنّها الكاتبة الشابة “إلهام مزيود” التي خصّت جواهر الشروق بالحوار التالي:

لو طلبنا من إلهام مزيود ان تقدّم نفسها لقراء جواهر الشروق فماذا ستقول؟

لو أردت الاختصار وكما سبق وعرفت نفسي فأنا مجرد عروس من عرائس الماريونيت، أسعى دائما لأقطع بقلمي الخيوط التي أرى أنها تستحق ذلك، وأجتهد كثيرا ليكون قلمي مرآة مجتمعي. عدى ذلك لو أردت التحدث عن نفسي بصورة تقليدية عامة فأنا إلهام مزيود، ابنة الجزائر أولا وميلة ثانيا، بلدية تسالة لمطاعي كانت مسقط الرأس، ودائرة رجاص كانت مسرح التنشئة، أما ميلة حاليا فهي المقر والمستقر.

ما هي النصيحة التي تضعينها صوب عينيك بصفتك كاتبة شابة في بداية مشوارك؟

أحاول دائما أن أكون صوت مجتمعي، يبهرني الكاتب الذي يستطيع أن ينقلني من بيئتي، من عادات مجتمعي وتقاليده إلى مجتمعه، الذي يستطيع أن يصور أدق التفاصيل، كالكاتب العراقي الرائع سنان أنطوان الذي اعتبره بوابة القارئ للمجتمع العراقي، والذي أبهرني كقارئة بطريقة وصفه خاصة في روايته وحدها شجرة الرمان”.  فنصيحتي دائما لنفسي أن أقرأ كثيرا، أن أطالع أمهات الكتب، أن أفتح نافذتي على مصراعيها كي أطل على أساليب غيري في الكتابة، والنصيحة الأخرى أن أدرب سمعي على الإصغاء لأنين الإنسان، وأترك بصري دائما يرى أبعد من الصورة التي يلمحها وما يمكن أن تخبئه التفاصيل الصغيرة.

تذوقنا باكورة أعمالك الأدبية بعنوان مثير للفضول هو عرائس الماريونيت ما سرّ اختيارك لهذا العنوان؟

 “عرائس الماريونيت” عنوان أردته أن يكون حضنا لجميع القصص، فبالنظر إلى آراء القرّاء الذين اطلعوا على العمل وأثنوا عليه، أعتقد أنني وُفِّقت نوعا ما في اختياره، فبمجرد ربط حروفه بالواقع فسيشرح نفسه بنفسه، إذ أن الحياة أشبه بمسرح كبير والبشر كلهم أشبه بعرائس الماريونيت تحركهم أيدي الظروف على اختلاف أنواعها، وبالتالي فإن كلّ من قرأ القصص أخبرني أنه وجد نفسه ولو في جزء بسيط منها، فكانت القصص مرآة لحياة الكثيرين.

ما قولك فيمن يحاول الهروب من خيوط الحياة العابثة بنا كعرائس الماريونيت هل هو شجاعة وكفاح مشروع أم تهور وتمرّد على القدر؟

طبعا من حق الإنسان أن يبحث دائما عن الأفضل، بالعكس هذا ليس تهورا بل جرأة جميلة فخيوط الحياة كما وصفتها ليست نظرية ثابتة لذلك فليحاول كل منا قطع الخيط الذي يكبل أحلامه ويُطبِق على طموحاته، ولننطلق أحرارا فالقيد يبقى قيدا حتى لو كان مرصعا بالذهب، وبالمناسبة كل شيء من حولنا يتغير حتى التضاريس.

أعادتنا قصصك القصيرة الى زمن الكاتب الشهيد ورائد القصة القصيرة احمد رضا حوحو كيف وجدت شهية القارئ لهذا النوع من الفنون الأدبية؟

القصص القصيرة، هذا اللون الأدبي بالذات مهمش كثيرا في وطننا العربي، فكثير من الأعمال القصصية حكم عليها بالفناء والزوال من قبل القارئ دون أن تُمنح فرصة ولو صغيرة، ويمكنني أن أضيف أن كتابة القصص القصيرة أمر مرهق جدا، وصعب مقارنة بالرواية، ففي صفحة أو صفحتين على الكاتب أن يتحكم في شخصياته ويجيد صياغة الحبكة دون أن يتجاهل إدهاش القارئ بدءا من أول سطر وصولا إلى آخر كلمة.

 بالنسبة لي تخوفت كثيرا في البداية من آراء القراء لكن بعد النشر والتوزيع أحسست ببعض الطمأنينة، كان لي الحظ أن قُرئت قصصي وكنت سعيدة جدا بجميع الآراء، فما أنا إلا تلميذة في مدرسة الأدب، وموهبتي تحتاج دائما إلى الصقل، النقد، والإرشاد.

ترى من هو ملهم الهام مزيود من الكتاب والروائيين العرب؟

لا أستطيع حصر من ألهمني في كاتب أو كاتبين، لأنني استفدت كثيرا من كل من سبق وقرأت لهم وأضافوا إلى رصيدي الكثير، وربما لو أني لم أكن قارئة في الأساس لما كنت كاتبة.

 ورغم أنني في الحقيقة من عشاق الأدب الغربي حيث أن أول رواية قرأتها وأنا لم أتعدّ العشر سنوات كانت ” الزنبقة السوداء” لألكسندر دوماس، إلاّ أنني لا أنكر أن الأدب العربي غني جدا، ويترك للقارئ دوما لذة خاصة، طبعا ليس جميعه لكن يمكنني أن أذكر لك بعض الأسماء التي تركت في نفسي الأثر العميق وأنا أقرأ لها، حتى أنني في كل مرة أفتح فمي مندهشة: “يا إلهي إنهم مبدعون”.

دعيني أبدأ بـ “جبران خليل جبران” الفيلسوف الرقيق، الكاتب الذي قرأت له جميع أعماله سواء تلك التي كتبها باللغة العربية أو المعرّبة، كاتب مميز ولا يمكنني أن أنسى أنه كان بوابتي الحقيقية إلى عالم القراءة.

“ميخائيل نعيمة” أيضا الكاتب المفكر ورائد النهضة الفكرية، “إبراهيم نصر الله” تعرفت إلى قلمه من خلال روايته الرائعة “زمن الخيول البيضاء” ثم عرفت فيما بعد أنها جزء من الملحمة الروائية التاريخية، بعد الملحمة قرأت له “الشرفات” ورغم أسلوبه الجذّاب وقلمه النازف بالحقيقة والوجع خاصة في رواية “شرفة العار” إلا أنني أحببت الملحمة أكثر.

“طه حسين” شدتني سيرته الذاتية في رواية ” الأيام” للتعرف إليه أكثر، صاحب أجمل سيرة ذاتية قرأتها لحد الآن يعتبر من أهم الأقلام العربية، ومن أكثر الكتاب الذين أحبهم.

“رضوى عاشور” سنديانة الأدب، المرأة الشامخة جدا، الأم المنفردة، والأديبة المميزة من كل النواحي، أكثر أعمالها قربا إلى روحي “ثلاثية غرناطة” و “فرج”.. ربما المميز في هذه الشخصية أنني أعتبرها نوعا ما قدوتي، ويسرني دائما أن أقارن أول أعمالها ” سوسن وخديجة” بالأعمال التي كتبتها مؤخرا، فتعطيني جرعة كبيرة من الأمل في أنني لو اجتهدت أكثر وقرأت أكثر وتفانيت في الكتابة أكثر فسأتطور حتما.

لا يمكنني أن أنسى كتّاب الجزائر وعلى رأسهم “مولود فرعون” بأسلوبه الجميل والجذاب وكذلك شاعر الثورة الجزائرية “مفدري زكريا” المميز عن كل الشعراء الذين قرأت لهم سواء في إلياذته “إلياذة الجزائر” أو من خلال ديوانه “اللهب المقدس”.

قبل أن أختم إجابتي على سؤالك دعيني أنوه إلى أنه برز مؤخرا كتاب خليجيين يكتبون بأسلوب أقل ما يقال عنه أنه مبهر وعلى سبيل الذكر لا الحصر هناك الكاتبة “بثينة العيسى” والكاتب ” عبد الله البصيص”.

بالعودة الى عرائس المريونيت عالجت العديد من القضايا الإجتماعية في هذا العمل وسبرت أغوار النفسية البشرية أي قصة كانت تمثّل إلهام مزيود؟

دعيني قبل أن أجيبك على سؤالك هذا أن أنقل إليك اقتباس جميل سبق وقرأته في كتاب رسائل إلى روائي شاب للكاتب الوسيم ماريو بارغاس يوسا، وأعتقد أنه اقتباس يلمس شغاف قلب وروح كل من يكتب من صميم قلبه أو لنقل بصدق، يقول يوسا:

” أصل كل القصص ينبع من تجربة من يبتكرها، والحياة المعيشة هي الينبوع الذي يسقي القصص المتخيلة، وهذا لا يعني بكل تأكيد أن تكون الرواية على الدوام، سيرة حياتية مستترة لمؤلفها، بل يعني بصورة أدق أنه يمكن العثور في كل قصة حتى في أكثر قصص التخيل تحرّرا، على نقطة انطلاق، على بذرة حميمة، مرتبطة بجملة من التجارب الحياتية لمن صاغها”.

وبالتالي فكل قصة تمثلني في نقطة ما، حتى لو كانت أحداثها بعيدة كل البعد عمّا عشته شخصيا.

 هل من عمل جديد قيد التحضير؟

نعم، هناك عمل قيد التحضير لكن تجربتي السابقة علّمتني التمهل والتدقيق والتمحيص أكثر، فمع أن العمل بدأت فيه منذ أكثر من سنتين لكن في كل مرة أجد نفسي مضطرة لإعادة صياغة بعض الفصول، وإعادة بلورة الأفكار وترتيبها.

من المؤكد أن الكمال شيء نسبي خصوصا في الأعمال الفنية، لكن تبقى هناك ثغرات يجب على الكاتب تفاديها والاعتبار من الأخطاء التي ارتكبها في تجربته السابقة.

باختصار ماذا تعني لك هذه الكلمات؟

النجاح: ملامسة الحلم.

الثقافة: أسلوب حياة.

الوطن: الانتماء اللامشروط.

الشباب: عدم انطفاء تلك الشعلة داخلنا.

الايديولوجيا: معتقدات وأفكار تصوغ نظرتنا للعالم.

مقالات ذات صلة