الرأي

قصّتي مع الخلاف في زكاة الفطر

عمار رقبة الشرفي
  • 1019
  • 5
ح.م

في أعوام مضت، كان من عادتي إقامة مجلس لفتاوى الصيام عقب صلاة العصر في المسجد الذي أخطب فيه، وقد تطرقت ذات مرّة لمسألة زكاة الفطر وإخراجها والاختلاف الحاصل فيها، وكان ما قلته: المسألة خلافية بين من يرى إخراجها قوتاً، أو إخراج قيمتها نقداً، وعرضت ما أعرف في حدود ما تعلمته من شيوخي، مختاراً إخراج قيمتها نقداً لاعتبارات ذكرتها مسترشداً بطائفة ممن قال بذلك من المتقدمين والمعاصرين وتعليلهم لهذا الاختيار.

وأنا أعرض الخلاف في المسألة، انبرى أحدٌ ممن غرني سمته وطول مكثه في المسجد متخطياً الرقاب، ومراوغاً الأجساد، شاهراً يده ولسانه: يا شيخ، يا شيخ.. قلت: تفضل. قال: ذكرتَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخرج زكاة الفطر نقداً (ولم تكن النقود موجودة)، وهذا غير صحيح.. فاستحييت ألا يسعه حلمي وأعدت عليه ما كنت قلته.. وتوجهت إلى الحضور قائلاً: يقول الأخ الفاضل إنّي قلت كذا وكذا، وهذا الكلام لم أقله، وصدق فيه، فلم يخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر نقداً وإنما أخرجها من قوت أهل البلد.. وقد أخذ بهذا جمهرة من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ كالمالكية والشافعية والحنابلة رحمة الله تعالى عليهم.. وأخذ بجواز إخراج قيمتها نقداً جمهرة أخرى من الصحابة رضي الله عنهم؛ كعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس، ومعاذ بن جبل… وجمهرة من التابعين ومن بعدهم عليهم رحمة الله تعالى؛ كالثوري وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وأبو حنيفة والبخاري، وأبو إسحاق السبيعي الذي قال: “أدركتهم -يعني الصحابة- وهم يعطون في صدقة رمضان الدّراهم بقيمة الطّعام”. (مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 274، وعمدة القارئ: 9 /8).. وهو قول أشهب وابن القاسم واختيار اللخمي من المالكية، واختاره ابن تيمية من الحنابلة..

وبهذا أخذت عديد المجامع الفقهية والهيئات الرسمية؛ كدار الإفتاء المصرية، والمجلس العلمي المغربي، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، والمجلس الإسلامي السوري، ولجنة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية، ولجنة الفتوى باتحاد علماء إفريقيا، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وغير هذه الهيئات… وقال بهذا أيضاً عديد العلماء والفقهاء المعاصرين؛ كأحمد الزرقا، وأحمد بن محمد بن الصِّدِّيق الغُمَاري على تفريق بين الحاضر والبادْ، والقرضاوي، وبن بيه، والقرداغي، وغيرهم… معيداً عليه أسباب اختيارهم وتبيين مقصدهم، مع ذكر تخريجهم للمسألة وتعليلهم لذلك، مسقطاً قولهم على حي مسجدنا مما يبين مصلحة الفقير في هذا الاختيار، مستشهداً بحالاتٍ رُمي فيها القوت ولم يُنتفع به، أو كيف أنه بيع بأبخس ثمن! يضاف إلى ذلك عدم الاتفاق على قوت معلوم.. مع التذكير “المستمر” بأن المسألة خلافية وفيها واسع النظر..

فانتفض صاحبي وقال: أنا أقول لك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنت تقول لي قال العلماء.. حينها صمتّ برهة وسألته: هلا عرفتنا بنفسك؟ فقال: تقصد اسمي! قلت: لا، عرّفنا بك؛ أ عالم أنت؟ أم فقيه؟ أم دكتور؟ أم ماذا؟ فقال (وأهل المسجد يعرفونه): لا، بل أنا عامل في سكة الحديد، (مع تقديري للأفاضل في هذه المهنة النبيلة)، و(علمت فيما بعد أنّ مستواه التعليمي ابتدائي ولا يُعرف له شرف طلب، وله سابقة في هذا الفعل مع كل إمام جديد). فقلت له: ما دمتَ لست عالماً، فمثلي ومثلك لا ينبغي لهم الخوض فيما يخوض فيه العلماء، ومرحباً بك متعلماً، وباب مقصورتي مفتوح في كل الأوقات لتعليمك، وأبشرك بأننا سنشرع بحول الله وقوته في إقراء الحديث النبوي الشريف من خلال موطأ الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى في هذا المسجد فمرحباً بك متعلماً. (عُقد المجلس وغاب عنه). وأتمنى لك في المرة القادمة التي تأتي لتسأل فيها أن تسأل قبل الدرس لئلا تشوش على إخوانك.. وانفض المجلس…

بعدها بيوم تطوع أبناء “الحلال” بزيارة مقصورتي لإعلان إنكارهم على الأخ وتأييدي تجاهه.. ولأنّي أعلم أنهم من قبيل “من نمّ لك نمّ عليك”، ولئلا أعطي للحادثة أكثر من حجمها، قلت لهم: الأخ الفاضل سأل فأجبته، وأثنيت عليه خيراً.

التقيت بذلك الشابّ بعد يومين فأقبلت عليه مسلّما، فمنّ الله علي بهدنة منه لسنة كاملة إلى رمضان الذي بعده.. في رمضان الذي بعده، دخل إلى المقصورة وتكلم بأدب ثم قال: يا شيخ: عندي اقتراح. قلت له: تفضل. قال: ما رأيك أن نقتسم النشاط في المسجد!!! ولكم واسع النظر في تتمة القصة…

مقالات ذات صلة