-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قطع خط موريس اللغوي!

د محمد مراح
  • 37
  • 0
قطع خط موريس اللغوي!

تحرك دائرة الفرنسة، منتظر بحكم القيم الحاكمة حضاريا؛ أضيف لها اليوم بعدٌ آخر وهو البعد الوجودي للغة وقيم الحضارة التي تعبِّر عنها. لكن تُطَعِّمُها دوافع أخرى أهمها المنافع الشخصية، والعشق المرضي، وعمى المكانة.
كل ذلك ينسج شبكة أسلاك حديدية حادة تُدَحْرَجُ في كل مسالك النقاش والحوار والجدل، عسى أن تكون صوادّا عن التقدم في أي طريق غير الذي يأتي عن اختيار النموذج الحضاري الفرنسي برعاية معبد لغته المقدسة.
وتتنوع الشبكات الحديدية المدببة تلك ، بحسب مفاعيلها المنتظرة في من توجه إليه؛ فيُرَكب لبعضها في رؤوسها مثلا أغلفة بلاستيكية تؤلم من دون أن تجرح، مع الإبقاء أكثر على حدة السكاكين الجارحة. وهذا ما نجده في دورات الخطاب الذي يجد أصحابه شبقهم للتعالي والتحقير بفجورهم عند الخصومة.

ينبغي إطلاق برنامج مكثف لتكوين أعداد مقدَّرة من أساتذة اللغة لفرنسية بالإنجليزية، خاصة أنَّ لدينا تجربة ناجحة كثيرا حين عُرِّب التعليم، واعتمد أساتذة المواد العلمية على أنفسهم فتحولوا في مُدَدٍ قصيرة إلى التعلّم بالعربية وبقوا على تألّقهم المعرفي وقدراتهم التعليمية وبراعتهم إلى جانب زملائهم المعربين في ذرى سلّم التدريس.

ومن أهم أهداف هذا المسار العنيد، تحريف النقاش عن مواضعه، وجرّ الكتلة الوطنية إلى ما يلهيها عن أهدافها وتعطيل مشاريعها الوطنية بما يخدم مستقبلها. ولا بأس باستخدام مصطلح الدخداخيات /mille-pattes /Millipedes وهو مصطلح أو رمز استخدمه الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، فالدخداخيات جمع مفرده الدخداخ، وهو الحشرة متعددة الأرجل. مسلّمته في الدلالة والتحليل أن الاستعمار لا يترك بلدا أخرِج منه من دون رصد أحواله ومتابعة متغيراته، واتخاذ اللازم للتأثير فيه، وتوجيهه، فرأس الدخداخ هو رأس الاستعمار الراصد المفكر والمخطط والمتربص والماكر، وموقعه في هذا الوضع هو رأس الدخداخ الموجود في الخارج طبعا، والمناسب من أرجله المتعددة، هي أدوات التنفيذ والتأثير. وقد صدق الغيب الكريم هذه الفكر العبقرية عبر المحطات الكبرى لتوجيه التربية والتعليم وِجهة أصيلة منفتحة على منطق العصر وأدواته الناجعة للمعرفة والعلم والتكنولوجيا وعلى رأسها اليوم تكنولوجيا المعلومات، أكبر محرك للتطور اليوم، كما يقول الدكتور وليد عبد الحي. وتجربة لجنة بن زاغو جاهزة في كتاب رابح خدوسي “مذكرات شاهد: 100 يوم في لجنة إصلاح المنظومة التربوية”.
وهذه الدائرة لا تقيم لمنطق قوة العصر وجبروت التكنولوجيا والمارد الصيني وزنًا، فالعلة تترنح فيهم بين “لوبيدو” فرويد و”ماسوشية” ليوبولد فون زاخر-مازوخ (Leopold von Sacher-Masoch).. لذا فمقالات التوعية والمحاججة الرصينة هي كشفُهم للرأي العامّ الوطني، وحفظ للشباب من الظلمات التي يستميتون في إبقائهم فيها، ومن ثمّ السير بهم إلى الانقطاع عن ركب التطور العلمي، وتهيئة البلاد لعواقب الدول الفاشلة في دورة من دورات الأوضاع الدولية التي تتخضخض لتدفع لمخاض مولودها أو مواليدها الجدد المستقبليين.
من ثمّ، ليس لهذا المسلك الأحمق الذي يصرّ عليه تيار نَقَّتْ الحضارة أسنانها من بقايا لحمه العالقة بها في إفريقيا وأغلب المستعمرات السابقة لفرنسا، إلا أن يصنَّف ضمن المخاطر الكبرى الفتاكة بالجسم الوطني وهو يتعافى في أولاده وبناته وهم يقبلون على تعلُّم الإنجليزية بشغف، وهو ما نلاحظه في كثير من الأماكن العامة .
قد استعدّ رواد معبد الفرنسة للخطر قبل الإعلان عن الترتيبات التعلمية باستشعار خفي يبدو بعيدا عن الموضوع، فقد وجدوا في الثقافة ما يمكن أن يثير تعاطفا وحنينا ما في بعض حواضر البلاد؛ فبعض مكتبات بيع الكتاب في الأماكن الإستراتيجية كوسط المدن الكبرى مثلا تحولت المنصات وطاولات عرض الكتب فيها وأكثر أرففها لكتب اللسان الفرنسي، وقد لاحظنا أن هذا قد حدث فجأة وبتناغم موحَّد بين مكتبات الخصائص المذكورة.
فما العمل الآن؟
1. علينا تجنب السقوط الاستجابة للانحراف إلى ساحة إطالة المجادلات والردود التي لا يجهلها التيار؛ فتخدمه بتحولها إلى مُلهيات، وإنفاق الجهود في تجاوز الإصلاح من ترتيبات الأشكال والأوزان إلى الاستفادة من أفضل النماذج والأنظمة التعلمية عالميًّا من جهة طرائق التدريس ومهاراته. وبناء البرامج التعليمية وفق أجود المعايير والنظريات التي تساوق التطور العلمي وتكنولوجيا المعلومات، الرهان الأعظم علميا الآن وفي المديين المرقوبين. والاستفادة أيضا من أفضل نماذج الاختبارات التي صارت تعتمد رشاقة الصياغات وخفة الاستجابات لعقول التلاميذ والشباب الذي انخرط في العالم الشبكي في جده ولهوه؛ فالطرق والأساليب التعليمية ومهاراتها صارت تُبنى على منطق عالم الشبكة والذكاء الاصطناعي، لأن الجميع صار ملتقاه ومجمعه هناك.
2. أكرر الدعوة إلى لجنة برامج مكونة أساسا من مجلس علمائنا بالخارج.
3. البدء في الموسم القادم بخطوات تمهيدية؛ كالتخفيف من كثافة الدروس، والتركيز على مهارات التعلم الطبيعية، كالحوار والتعلم الذاتي. وتكثيف التمارين، والعودة إلى المخابر التي يجب أن يفكَّر في الانتقال بها إلى مخابر الحواسيب والشبكة.
4. اطلاق برنامج مكثف لتكوين أعداد مقدَّرة من أساتذة اللغة لفرنسية بالإنجليزية، خاصة أنَّ لدينا تجربة ناجحة كثيرا حين عُرِّب التعليم، واعتمد أساتذة المواد العلمية على أنفسهم فتحولوا في مُدَدٍ قصيرة إلى التعلّم بالعربية وبقوا على تألّقهم المعرفي وقدراتهم التعليمية وبراعتهم إلى جانب زملائهم المعربين في ذرى سلّم التدريس.
5. تدارك الخطأ الإستراتيجي بإعادة اللغة العربية إلى مكانها الطبيعي في كل مراحل التدريس ومعاملاتها، فلا تقارَن بها أي لغة أخرى كما تقتضيه المواثيق الوطنية ونضال الحركة الوطنية والثورات الشعبية وثورة أول نوفمبر المقدسة وبيانها الخالد. ونزولا عند منطق العدل؛ فالعربية لغة الحضارة العالمية الاولى للعالم، قرونا عديدة، وعبرها انتقل الفكر والمنهج التجريبي للغرب؛ سرّ معجزة الحضارة الغربية المعاصرة. فضلا عن أنها لغة الحقيقة الخالدة التي لا تطاولها حقيقة أخرى في الوجود كونها لغة الوحي الخالد الذي يتضمن أرفع موجهات العقل والفكر نظرا ووإبداعا؛ فضلا عن كنوزه الأخلاقية التي لاتدانيها منظومة أخلاقية على وجه الأرض.
6. إنشاء مجموعات تفكّر في رسم استراتيجية بعيدة المدى للمزاوجة بين العربية والإنجليزية في تدريس العلوم والتكنولوجيا في المراحل المدرسية، ثم التدريس الجامعي والبحث العلمي، وتشجيع الابتكار والبحث في تكنولوجيا الشبكة والذكاء الاصطناعي باللغة العربية.
7. مبادرة المجْمع العلمي للغة العربية إلى التواصل مع المجامع العربية التي قطعت أشواطا في وضع معاجم المصطلحات العلمية، والاستفادة منها في تطوير الاجتهاد المجمعي بتوفير المادة المصطلحية اللازمة.
8. تحويل المركز الثقافي الفرنسي في قلب العاصمة إلى مركز ثقافي للغات العالم الكبرى، من بينها العربية، تجمع أنشطته بين التثقيف الذاتي مكتبيا وتعلما للغات، ثم تعميمها على كافة المراكز الثقافية عبر الوطن، خاصة في الجنوب، البيئة الأكثر نقاءً أيديولوجيًّا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!